سلطات تطوان تشرع في إزالة البناء العشوائي بحي كاسيطار

حلت صباح هذا اليوم فرق تابعة للمصالح المعنية بمدينة تطوان بحي كاسيطار، حيث شرعت في عملية واسعة لهدم وإزالة المباني المشيدة خارج الضوابط القانونية. وتأتي هذه الخطوة في سياق الجهود المتواصلة التي تبذلها السلطات المحلية لمحاربة البناء غير المرخص الذي استفحل في عدد من الأحياء خلال السنوات الأخيرة.

وحسب مصادر مطلعة، فإن العملية شملت في مرحلتها الأولى إزالة السقائف والملحقات المشيدة فوق الأسطح وفي الفضاءات المشتركة، إلى جانب بعض الإضافات غير القانونية على مستوى الطوابق الأرضية. وقد تم إشعار أصحاب هذه البنايات بضرورة إزالة ما بنوه بأنفسهم قبل تدخل الآليات المكلفة بالهدم.

ويعد حي كاسيطار من بين الأحياء التي عرفت خلال السنوات الماضية انتشارا واسعا للبناء المخالف، خاصة مع الإقبال المتزايد على الهجرة من القرى المجاورة نحو المدينة، وهو ما خلق ضغطا على البنية التحتية وأثقل كاهل الجماعة بمشاكل متعددة. وتسعى السلطات من خلال هذه الحملة إلى استرجاع الفضاءات العامة وإرجاع الأمور إلى نصابها القانوني.

وقد لاقت هذه العملية استحسانا لدى عدد من سكان الحي الذين طالما اشتكوا من تداعيات البناء غير المرخص على حياتهم اليومية، خصوصا ما يتعلق بانسداد المسالك وتضرر البنايات المجاورة. وفي المقابل، عبر آخرون عن قلقهم من عدم توفير بدائل سكنية لائقة للأسر المعنية، مما يطرح تساؤلات حول المقاربة الاجتماعية المصاحبة لهذه الحملات.

السياق العام للبناء المخالف في تطوان

لم تعد ظاهرة البناء خارج الضوابط في تطوان مجرد مخالفة بسيطة، بل تحولت إلى ملف يؤرق السلطات والسكان على حد سواء. وقد تعالت خلال الأشهر الأخيرة أصوات تطالب بالتدخل الحازم، خصوصا بعد تسجيل انهيارات جزئية في بعض البنايات المتجاورة نتيجة الإضافات العشوائية.

وتشير معطيات ميدانية إلى أن أغلب هذه البنايات شيدت في غياب تام لدراسات تقنية معمارية، ودون احترام مسالك الإخلاء والتهوية، مما يجعلها خطرا حقيقيا على قاطنيها وعلى المارة في الآن ذاته. وتتعدد الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، من بينها ارتفاع أسعار العقار وضعف آليات المراقبة في بعض الفترات السابقة.

حي كاسيطار نموذج للتوسع غير المنظم

يمثل حي كاسيطار نموذجا واضحا لتجليات هذه الظاهرة، حيث شهد خلال العقد الأخير تحولات عمرانية عميقة دون أن تواكبها بنية تحتية أو وثائق قانونية. وتعود بعض الإضافات التي تمتد فوق الأسطح إلى سنوات طويلة، في حين أن أخرى حديثة النشأة شيدت بشكل مكشوف دون أي اكتراث للقانون.

ويعاني سكان الحي من عدة إشكاليات بسبب هذا الوضع، من بينها انتشار الرطوبة في الشقق السفلية نتيجة عدم احترام معايير العزل، إضافة إلى تشويه المنظر العام للمدينة الذي يعد عنصرا أساسيا في جاذبيتها السياحية. وتؤكد فعاليات مدنية أن استمرار هذا الوضع من شأنه أن يقوض الجهود الرامية إلى إبراز الجانب التاريخي والمعماري الفريد لتطوان.

وقد رصدت لجان المراقبة خلال الحملة مجموعة من المخالفات النمطية المتكررة:

ردود فعل السكان والمجتمع المدني

لم تكن ردة فعل السكان موحدة تجاه هذه الحملة، إذ انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض. ويطالب عدد من المواطنين بضرورة توسيع نطاق التدخل ليشمل أحياء أخرى تعرف نفس المشاكل، معتبرين أن الانتقائية قد تفقد العملية مصداقيتها. وفي هذا الإطار، تتابع أخبار المناطق باهتمام تفاصيل هذه الحملات في مختلف الجماعات الترابية.

ويرى فاعلون جمعويون أن محاربة البناء غير القانوني يجب أن تقترن ببرامج إسكان اجتماعي تستجيب لحاجيات الفئات الهشة. وتبقى هذه المطالب مؤشرا على حاجة المدينة إلى سياسة حضرية أكثر توازنا تجمع بين الصرامة القانونية والبعد الاجتماعي.

ويطالب هؤلاء الفاعلون بإشراكهم في تتبع مراحل العملية وتقييم نتائجها، معتبرين أن أي مقاربة ناجحة يجب أن تدمج البعد الاجتماعي في صلب التدخلات الأمنية والإدارية.

المقاربة القانونية والإدارية المعتمدة

تعتمد السلطات المحلية في هذه الحملات على مقاربة تجمع بين الإشعار المسبق والتفعيل الميداني، حيث يتم منح المخالفين مهلة محددة لإزالة المخالفة بأنفسهم قبل اللجوء إلى القوة العمومية. وتستند العملية إلى مقتضيات القانون المتعلق بالتعمير والبناء.

وتؤكد المصادر أن العملية تسير بتنسيق تام بين مختلف المصالح المعنية، بما فيها عناصر الأمن والقوات المساعدة وأعوان السلطة، وذلك لضمان سير العملية في ظروف سليمة وتفادي أي احتكاك مع الساكنة. وقد تم الاستعانة بآليات ثقيلة مخصصة لهدم المباني، إلى جانب فرق تقنية متخصصة في تقييم مدى خطورة كل بنية قبل الإزالة.

انعكاسات الحملة على النسيج الحضري

من المنتظر أن تساهم هذه الحملة في إعادة الاعتبار للنسيج الحضري للحي، وذلك من خلال تحرير الفضاءات العامة وتسهيل حركة المرور داخل الأزقة. وستتيح العملية إعادة التخطيط العمراني للمنطقة بما يتناسب مع التوجهات العامة لمخطط التهيئة الحضرية للمدينة.

وتؤكد دراسات حضرية أن استرجاع هذه الفضاءات يمكن أن يفتح المجال أمام مشاريع صغيرة لفائدة السكان، وهو ما تتقاطع رهاناته مع ما تنشره منابر ثقافية بشأن حماية الذاكرة المعمارية للمدينة. وتساهم إعادة تأهيل الواجهات في تعزيز جاذبية المدينة بالنسبة للسياحة الداخلية والخارجية.

ومن بين الفرص التي يمكن استثمارها في الفضاءات المسترجعة:

آفاق المعالجة والتحديات المرتقبة

تبقى الحملات الميدانية وحدها غير كافية ما لم تقترن باستراتيجيات وقائية طويلة المدى تشمل تفعيل دور لجان المراقبة منذ بداية أي عملية بناء مشبوهة. ويؤكد مهنيون في قطاع العقار أن الرهان الحقيقي يكمن في تبسيط المساطر الإدارية وتوفير عروض سكنية تتناسب مع القدرة الشرائية للفئات المتضررة. وفي هذا السياق، يكتسي موضوع جامعة عبد المالك السعدي تطلق برنامجا لدعم الطلبة الباحثين أهمية خاصة، إذ يفتح الباب أمام دراسات معمقة للإشكاليات الاجتماعية المرتبطة بالسكن والتعمير.

ومن التحديات الكبرى المطروحة ضمان عدم تكرار نفس الظواهر في أجيال حضرية لاحقة، وهو ما يستدعي إرساء آليات رقابة مستمرة بدل الاكتفاء بالحملات الموسمية. ويقترح فاعلون مدنيون إحداث منصة رقمية تتيح للسكان الإبلاغ عن أي بناء مشبوه، مع ضمان سرية المعطيات وسرعة التدخل.

يبقى حي كاسيطار شاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ التدبير الحضري بتطوان، وعلى جدية الإرادة السياسية في استرجاع هيبة القانون داخل النسيج العمراني للمدينة. وسيتوقف نجاح هذه الحملة على قدرة الفاعلين المحليين على المزاوجة بين الصرامة القانونية والحس الاجتماعي، حتى لا تتحول العملية إلى مجرد إجراء ظرفي دون أثر مستدام، وهو الدرس الذي ينبغي أن تستخلصه المدينة من هذا الملف برمته.