جامعة عبد المالك السعدي تطلق برنامجاً لدعم الطلبة الباحثين

تشهد منظومة التعليم العالي في المغرب دينامية متسارعة خلال السنوات الأخيرة، إذ تعمل الجامعات على إعادة هيكلة برامجها بما يتوافق مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تثمين البحث العلمي ودعمابتكار. وفي هذا السياق، أعلنت جامعة عبد المالك السعدي، التي تتخذ من تطّان مقراً رئيسياً وتضم عدة كليات ومعاهد في مدن الشمال، عن إطلاق مبادرة جديدة موجهة خصيصاً إلى الطلبة الباحثين في مختلف الأسلاك والتخصصات.

يأتي الإعلان عن البرنامج في مرحلة يتطلع فيها المغرب إلى توسيع قاعدة الباحثين وتعزيز قدرتهم على المنافسة في المشاريع الدولية، إلى جانب ربط مخرجات البحث العلمي بالاحتياجات التنموية للجهات. وقد أشارت مصادر من داخل الجامعة إلى أن المبادرة الجديدة تروم بناء جيل جديد من الباحثين القادرين على الإنتاج المعرفي النوعي، وكذلك على المساهمة الفاعلة في معالجة الإشكاليات المحلية والوطنية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للجامعة، التي تغطي مناطق استراتيجية تشمل تطّان وطنجة والحسيمة والمضق الفنيدق، حيث تتنوع التحديات الاجتماعية والاقتصادية وتزّداد الحاجة إلى مقاربات بحثية ميدانية قادرة على تقديم حلول ملموسة. وقد لفتت الجامعة إلى أن البرنامج سيمتد على مدى عدة سنوات، وسيشمل مراحل تدريجية من الإعداد إلى التقييم.

ويمكن متابعة الاهتمام المتزايد بالبحث العلمي في المنطقة من خلال البوابة الثقافية، حيث تتنوع المقالات والتقارير التي تسلط الضوء على الأنشطة المعرفية والأكاديمية في المنطقة، وهو ما يعكس التوجه العام نحو تعزيز الثقافة العلمية لدى الجمهور.

أهداف البرنامج ومرتكزاته

يرتكز البرنامج الجديد على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إلى تجاوز المقاربة التقليدية في دعم البحث الأكادمي. ويطمح القامون عليه إلى تجاوز فكرة المنح المادية البحتة، ليقدّموا منظومة متكاملة تجمع بين التمويل والتأطير والتكوين والمواكبة. ويتعلق الأمر أساساً بتعزيز قدرات الطلبة الباحثين على صياغة إشكاليات بحثية واضحة، وتطوير منهجيات صارمة، وإنجاز أطروحات ذات قيمة علمية مضافة.

وتؤكد الوثائق الأولية للبرنامج أن أحد المرتكزات الجوهرية يتمثل في تشجيع البحوث البينية، تلك التي تجمع بين عدة حقول معرفية كالعلوم الإنسانية والاجتماعية والتكنولوجيا والعلوم الصحية. ويسعى هذا التوجه إلى تجاوز التخصص الضيق، بما يتوافق مع التوجهات العالمية في مجال البحث العلمي التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المقاربات المتداخلة.

كما يولي البرنامج أهمية خاصة للبعد التطبيقي، حيث يشترط أن يكون لكل مشروع بحثي بُعد ميداني مرتبط بإحدى القضايا التنموية في الجهة، سواء تعلق الأمر بالبيئة أو بالصحة أو بالاقتصاد الاجتماعي أو بالتراث الثقافي. ومن شأن هذا التوجه أن يُسهم في تقريب الجامعة من محيطها الاجتماعي والاقتصادي، وأن يعزز الثقة بين المؤسسة الأكاديمية والفاعلين المحليين.

الفئات المستهدفة وشروط الاستفادة

يستهدف البرنامج فئة الطلبة الباحثين المسجلين في سلك الدكتوراه داخل المؤسسات التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، ويشمل ذلك طلبة كليات العلوم والآداب والقانون والاقتصاد والمعاهد المتخصصة في الهندسة والعلوم التطبيقية. وقد تم تحديد معايير دقيقة للاستفادة، تشمل التميز الأكاديمي وجودة مشروع البحث المقدم وقدرة الطالب على الإنجاز ضمن الآجال المحدد.

وتتضمن شروط القبول أيضاً ضرورة أن يكون موضوع البحث متسقاً مع الأولويات الوطنية والجهوية، وأن يعكس وعياً معرفياً بالتحولات الراهنة في الحقل المعرفي المعني. ويُطلب من المترشحين تقديم ملف متكامل يتضمن المشروع والميزانية المقترحة والجدول الزمني للإنجاز، إلى جانب رسالة تحفيزية توضح الدوافع والأهداف الشخصية.

وتتميز المبادرة الجديدة بإيلاء اهتمام خاص للباحثين الشباب في بداية مسارهم، إذ سيتم تخصيص حصة من الدعم للطلبة المسجلين في السنوات الأولى من الدكتوراه، بهدف مساعدتهم على تجاوز العقبات الأولى التي غالباً ما تعترض مسارهم. ويأتي هذا التوجه انسجاماً مع التوصيات الدولية التي تشدد على ضرورة مرقة الباحثين في مراحل التكوين المبكرة.

آليات الدعم والموارد المتاحة

يقدّم البرنامج مجموعة متنوعة من أشكال الدعم التي تتجاوز المنح المالية التقليدية لتشمل جوانب متعددة. ويتضمن ذلك توفير منح بحثية شهرية، وتغطية نفقات التنقل والبحث الميداني، وتمويل المشاركة في المؤتمرات العلمية الوطنية والدولية، إضافة إلى توفير فضاءات عمل وتجهيزات متخصصة. كما يضمن البرنامج للطلبة المستفيدين متابعة أكاديمية دقيقة من قبل أساتذة مختصين، إلى جانب ورشات تكوينية في منهجية البحث والكتابة الأكاديمية.

وتتفاوت مستويات الدعم بحسب طبيعة كل مشروع ومرحلته، ويمكن تلخيص أبرز هذه الأشكال فيما يلي:

نوع الدعم المستفيدون القيمة التقريبية آليات التقديم
منحة بحثية شهرية طلبة الدكتوراه 3000-5000 درهم ملف ترشيح + مشروع بحث
تغطية نفقات المؤتمرات الباحثون المشاركون حتى 15000 درهم طلب مسبق + برنامج المؤتمر
تمويل البحث الميداني فرق البحث 10000-30000 درهم ميزانية تفصيلية + خطة عمل
ورشات التكوين جميع المستفيدين مجانية تسجيل مباشر عبر المنصة

ويولي البرنامج أولوية واضحة للمشاريع التي تتقاطع مع إشكاليات حقيقية يطرحها المجتمع المحلي، وهو ما يمكن تلمسه في تقرير احتجاجات المديق، حيث تتقاطع هذه القضايا مع ما يحتاج إليه البحث الميداني من معطيات ودراسات حالة. ويُنتظر أن تستفيد أبحاث مماثلة من هذا التوجه، خاصة تلك التي تتناول التحولات الاجتماعية وم經濟ادية في مدن الشمال.

الشراكات المؤسسية والتمويل

تقوم مبادرة جامعة عبد المالك السعدي على شبكة من الشراكات مع مؤسسات أكاديمية واقتصادية واجتماعية متعددة. وقد تم توقيع اتفاقيات مع مراكز البحث الوطنية والدولية، ومع معدد من الجماعات الترابية في الجهة، بهدف ضمان انسيابية المشاريع البحثية وتسهيل الولوج إلى الميدان. كما تشمل الشراكات مؤسسات القطاع الخاص التي أبدت اهتماماً بتوظيف مخرجات البحث العلمي في تحسين أدائها ومردوديتها.

ويعتمد البرنامج على تمويل مشترك يجمع بين ميزانية الجامعة المخصصة للبحث العلمي، ومساهمات الشركاء المؤسساتيين، إضافة إلى دعم بعض المبادرات الوطنية التي تشرف عليها الوزارة الوصية. ويسعى القائمون على المبادرة إلى تنويع مصادر التمويل مستقبلاً، بما في ذلك الانفتاح على برامج التعاون الدولي والمنح الأوروبية، بهدف تعزيز جاذبية المشاريع البحثية وتمكينها من المنافسة في الفضاءات العالمية.

وتتجاوز هذه الشراكات الجانب المالي لتشمل تبادل الخبرات والتجارب، واستقبال باحثين زائرين، وتنظيم تظاهرات علمية مشتركة. ومن شأن هذا التوجه أن يسهم في إشعاع الجامعة على المستوى الدولي، وأن يعزز مكانتها كمؤسسة بحثية مرجعية في شمال إفريقيا وحوض المتوسط.

الأثر المتوقع على البحث العلمي بالجهة

يتوقع أن يُحدث البرنامج الجديد دينامية نوعية في منظومة البحث العلمي بالجهة، سواء من حيث الكم أو النوع. فمن الناحية الكمية، ستتاح لمزيد من الطلبة الباحثين فرصة الاستفادة من الدعم والمواكبة، وهو ما من شأنه أن يرفع من عدد الأطروحات المنجزة والمقالات المنشورة في المجلات العلمية المفهرسة. أما من الناحية النوعية، فإن التركيز على المقاربات البينية والتطبيقية والبعد التنموي سيُسهم في إنتاج معرفة أكثر ارتباطاً بالواقع وأكثر قدرة على تقديم حلول عملية.

ومن بين الأثر المتوقعة تعزيز انخراط الجامعة في المقاربة الترابية المندمجة، إذ أن المشاريع البحثية المدعومة ستسهم في بناء معطيات دقيقة حول الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والبيئية بالجهة، وهو ما سيضع unter تصرف الفاعلين المحليين مادة علمية موثوقة يمكن الاستناد إليها في التخطيط واتخاذ القرار. كما ستفتح المبادرة آفاقاً جديدة لتعاون الطلبة الباحثين مع الفعاليات الجمعوية والمنظمات غير الحكومية.

وفي أفق السنوات القادمة، ستعمل الجامعة على تقييم الأثر الفعلي للبرنامج ومراجعة آلياته بشكل دوري، بما يضمن استجابته للتحولات المتسارعة في عالم البحث العلمي. وستجري عملية التقييم الأولى بعد انقضاء السنة الأولى من انطلاق البرنامج، لتشمل مراجعة شاملة للمشاريع المنجزة والتحديات التي واجهت المستفيدين.

ينبغي على الطلبة الراغبين في الاستفادة من هذا البرنامج الاطلاع على المعايير المعلنة وتحضير ملفاتهم وفق الشروط المحددة، إلى جانب متابعة الإعلانات الرسمية الصادرة عن كلياتهم بخصوص مواعيد إيداع الطلبات.