زيارة مفاجئة للوالي تثير الجدل حول ملف السكن غير اللائق بالمدينة

أعادت زيارة مفاجئة للوالي إلى عدد من الأحياء بالمدينة ملف السكن غير اللائق إلى واجهة النقاش المحلي، بعدما أثارت صور الجولة ومضامينها المتداولة انتباه السكان والفاعلين المدنيين. وبدل أن تبقى القضية محصورة في شكاوى متفرقة، تحولت إلى موضوع عام يرتبط بالتعمير، والعدالة الاجتماعية، وحماية الأسر من مخاطر المباني الهشة.

وتأتي هذه الزيارة في سياق يعرف فيه الشمال المغربي ضغطاً متزايداً على السكن، بفعل ارتفاع تكاليف الإيجار والبناء، وتوسع المدن نحو هوامش تفتقر أحياناً إلى التجهيزات الأساسية. وتظهر تداعيات ذلك في أحياء تضم مساكن عشوائية أو بنايات مهددة، إلى جانب أسر تنتظر حلولاً عملية منذ سنوات.

ولم يصدر، في حدود المعطيات المتداولة، ما يكفي لحسم طبيعة القرارات التي قد تترتب عن الجولة أو تحديد لائحة نهائية للمناطق المعنية بالمعالجة. لذلك يبقى التفريق ضرورياً بين ما رصده المسؤولون ميدانياً، وما يطالب به السكان، وما يمكن أن يتحول فعلاً إلى برنامج رسمي بجدول زمني وتمويل واضح.

الجدل الحالي لا يتعلق بزيارة بروتوكولية فقط، بل بمدى قدرة الإدارة على الانتقال من المعاينة إلى التدخل المنظم. فملف السكن غير اللائق يحتاج إلى تشخيص دقيق، وحوار مع الأسر، وربط إعادة الإسكان بالتجهيزات وفرص العيش، حتى لا تنتقل المشكلة من حي إلى آخر بصيغة جديدة.

جولة ميدانية تعيد ترتيب الأولويات

تمنح الزيارات المفاجئة للمسؤولين فرصة للاطلاع على تفاصيل قد لا تظهر في التقارير المكتبية، مثل ضيق الأزقة، وتسرب المياه، وغياب قنوات الصرف الصحي، أو وجود تشققات في مبانٍ مأهولة. كما تسمح بسماع السكان مباشرة، بعيداً عن الصياغات الإدارية المختصرة التي قد تخفي حجم المعاناة اليومية.

غير أن القيمة الحقيقية للجولة تقاس بما يليها من إجراءات. فالمعاينة الميدانية لا تكفي إذا لم تُترجم إلى محاضر تقنية، وتصنيف للأبنية حسب درجة الخطورة، وتحديد للجهة المكلفة بكل تدخل. ويترقب السكان عادة آجالاً واضحة بدل الاكتفاء بوعود عامة يصعب قياس تنفيذها.

أحياء الهشاشة بين التعمير والواقع الاجتماعي

يرتبط انتشار السكن الهش بعوامل متعددة، منها ضعف القدرة الشرائية، ونقص العرض السكني الملائم، وتراكم البناء خارج وثائق التعمير. وفي بعض الحالات، تجد الأسر نفسها أمام خيار السكن في بناية غير آمنة أو دفع كلفة إيجار تفوق دخلها الشهري، ما يجعل الانتقال إلى مسكن قانوني أمراً بالغ الصعوبة.

وتزداد تعقيدات الملف عندما تتداخل وضعية العقار مع مشاكل الملكية والوثائق ورخص البناء. لذلك لا يمكن اعتماد المقاربة الأمنية أو الهدمية وحدها، لأن إزالة مساكن دون توفير بديل يحفظ كرامة الأسر قد تنتج تشرداً أو توسعاً جديداً للبناء العشوائي في مناطق أبعد.

ما ينتظره السكان من السلطات

تطالب الأسر المعنية غالباً بإحصاء شفاف يحدد المستفيدين وفق معايير معلنة، مع إشراك ممثلي الأحياء في مراحل التشخيص والتتبع. كما تحتاج إلى معرفة وضعية ملفاتها، والوثائق المطلوبة، والخيارات المتاحة أمامها، سواء تعلق الأمر بإعادة الإسكان أو إعادة الهيكلة أو الاستفادة من دعم موجه.

وتبرز هنا أهمية نشر المعطيات المرتبطة بالمشاريع العمومية والبرامج الاجتماعية بلغة مفهومة. ويمكن للصحافة المحلية والباحثين متابعة هذه الملفات عبر دراسات وآراء تساعد على قراءة التحولات الحضرية والاجتماعية بعيداً عن التناول الظرفي، وتمنح النقاش المحلي خلفية أوسع.

ملف السكن يتقاطع مع قضايا أخرى

لا ينفصل السكن غير اللائق عن النقل والصحة والتعليم والتشغيل. فقد تكون الأسرة مستعدة للانتقال إلى شقة جديدة، لكنها تتردد إذا كان الموقع بعيداً عن مدارس الأطفال أو أماكن العمل أو وسائل النقل المنتظمة. ومن هنا، فإن نجاح أي مشروع لإعادة الإسكان يتوقف على جودة المجال الجديد، لا على عدد الوحدات السكنية فقط.

كما تتقاطع الهشاشة العمرانية مع قضايا المراقبة ومحاربة الاستغلال غير القانوني للعقار. وفي هذا السياق، يظل التنسيق بين المصالح المحلية والسلطات الأمنية والجماعات والوكالات الحضرية ضرورياً، خصوصاً أن حصيلة مكافحة الهجرة السرية المنشورة في سياق الشمال تبرز طبيعة الملفات المتشابكة التي تتطلب حضوراً ميدانياً وتعاوناً مؤسساتياً.

بين المعاينة والقرار التنفيذي

تتطلب معالجة الأبنية الآيلة للسقوط تقارير هندسية مستقلة تحدد مستوى الخطر، مع اعتماد تدابير عاجلة لحماية السكان إذا ثبت وجود تهديد مباشر. وقد تشمل هذه التدابير إخلاءً مؤقتاً، أو تدعيم البناية، أو توفير إيواء انتقالي، على أن ترافقها مواكبة اجتماعية تمنع ترك الأسر أمام مصير مجهول.

أما الأحياء التي يمكن إعادة هيكلتها، فتحتاج إلى تصور تدريجي يشمل فتح المسالك، وربط المنازل بالماء والكهرباء والتطهير، وتسوية الوضعيات القانونية حيثما كان ذلك ممكناً. وينبغي أن تواكب هذه العملية مراقبة صارمة للبناء الجديد، حتى لا تعود مظاهر الفوضى العمرانية بعد انتهاء التدخل.

معايير تجعل الحل أكثر عدلاً

العدالة في توزيع الاستفادة تقتضي التمييز بين الحالات الأكثر هشاشة، مثل الأسر التي تضم أطفالاً أو أشخاصاً مسنين أو ذوي إعاقة، وبين الملفات التي تحتاج إلى تسوية قانونية أو تقنية فقط. كما يجب منع المضاربة في برامج إعادة الإسكان، عبر قواعد معلنة وآليات للطعن والتظلم.

وتساعد الرقمنة، إذا استُعملت بحذر، على تتبع الملفات وتفادي الازدواجية، لكنها لا تعوض العمل الميداني. فبعض الأسر لا تتوفر على الوثائق أو الوسائل الرقمية اللازمة، ولذلك ينبغي إبقاء مكاتب استقبال قريبة وخدمات إرشاد مجانية، مع احترام المعطيات الشخصية وعدم تحويل الفقر إلى وصمة إدارية.

خطوات عملية لتدبير الملف

حتى لا تنتهي الزيارة بانحسار الاهتمام الإعلامي، يمكن أن يستند التدخل إلى حزمة إجراءات مترابطة تضع السلامة والإنصاف في مقدمة الأولويات:

وتبقى المسؤولية مشتركة بين الإدارة والجماعات والقطاعات التقنية والسكان، مع ضرورة احترام القانون وعدم تشجيع البناء العشوائي أو الاتجار في الوعود. فالشفافية لا تعني كشف المعطيات الخاصة بالأسر، بل تقديم معلومات دقيقة عن المشاريع والآجال والموارد والنتائج.

إن الجدل الذي أعقب الزيارة يمكن أن يتحول إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، شرط أن تُقاس المرحلة المقبلة بأعمال ملموسة: بنايات آمنة، لوائح منصفة، مواكبة اجتماعية، ومجالات حضرية تتوفر فيها شروط العيش الكريم. والخطوة العملية الأولى هي تحويل المعاينة الميدانية إلى برنامج معلن، بآجال ومسؤوليات ومؤشرات يمكن للسكان متابعتها.