سد وادي مرتيل يعيد رسم معادلة الماء والبيئة في الشمال

أثار الإعلان عن مشروع إقامة سد جديد على وادي مرتيل نقاشاً واسعاً في أوساط سكان تطوان والفاعلين البيئيين والمهتمين بتدبير الموارد المائية. فالمشروع يأتي في منطقة تعرف ضغطاً متزايداً على الماء، وتوسعاً عمرانياً متسارعاً، وتغيرات مناخية جعلت فترات الجفاف أكثر حضوراً، بينما تظل الفيضانات المفاجئة خطراً قائماً خلال فصل الشتاء.

وترى الجهات المؤيدة أن المنشأة المائية قد تساهم في تأمين حاجيات السكان، ودعم النشاط الفلاحي، والحد من آثار الفيضانات، إضافة إلى توفير احتياطي استراتيجي لمدن شمالية تعرف نمواً ديموغرافياً وسياحياً. غير أن هذه الوعود تصطدم بأسئلة دقيقة حول موقع السد، وحجم الحوض المائي، وكلفة الأشغال، وانعكاساتها على النظم البيئية المحيطة.

ويزداد الجدل حدة بسبب غياب معطيات مفصلة ومتاحة للعموم بشأن الدراسات التقنية والبيئية المرتبطة بالمشروع. ويطالب متابعون بأن تكون المعطيات المتعلقة بالطاقة الاستيعابية، ومسار الأشغال، والميزانية، وطرق تدبير المياه المخزنة منشورة بوضوح، حتى لا يتحول النقاش إلى مواجهة بين أنصار التنمية ورافضيها.

ويأتي هذا الملف ضمن نقاش وطني أوسع حول البنيات التحتية المائية وتدبير ندرة الموارد، كما يتضح من متابعة الأخبار الوطنية التي ترصد مشاريع السدود والسياسات العمومية ذات الصلة بالماء والمجال القروي.

مشروع مائي في منطقة حساسة

يقع وادي مرتيل ضمن مجال جغرافي يرتبط بشبكة من الأودية والمجاري المائية التي تصب في اتجاه البحر المتوسط. وقد لعب الوادي تاريخياً دوراً في تصريف مياه الأمطار وتغذية بعض الأراضي الزراعية، كما شكل جزءاً من الذاكرة العمرانية والبيئية لمدينة تطوان والمناطق المجاورة. لذلك فإن أي تدخل كبير في مجراه الطبيعي سيؤثر في توازنات تتجاوز حدود موقع بناء السد.

ويرتبط النقاش كذلك بالتصور العام للمشروع: هل يتعلق الأمر بسد كبير لتخزين المياه، أم بمنشأة متوسطة للحد من الفيضانات، أم بمنظومة متعددة الوظائف تجمع بين تخزين المياه وتنظيم الصبيب؟ اختلاف الأهداف ينعكس مباشرة على حجم الأشغال، والمساحات التي قد تغمر، وطبيعة الأراضي المتضررة، وعدد الأسر التي يمكن أن تتأثر.

فوائد محتملة للأمن المائي

تحتاج مدن الشمال إلى حلول طويلة الأمد لمواجهة تراجع التساقطات وتزايد الطلب على الماء الصالح للشرب. وقد يوفر السد المقترح مخزوناً إضافياً خلال السنوات المطيرة، ويساعد على تقليل الاعتماد على مصادر محدودة أو موسمية. كما يمكن أن يساهم تنظيم الصبيب في حماية بعض المناطق المنخفضة من السيول، إذا صُممت المنشأة وفق نماذج دقيقة للفيضانات القصوى.

وقد يستفيد القطاع الفلاحي من مياه منظمة وأكثر انتظاماً، خصوصاً في المجالات التي تعاني اضطراباً في الموارد المائية. ويمكن أيضاً أن يفتح المشروع فرصاً مؤقتة في قطاع البناء، ثم فرصاً دائمة في الصيانة والتدبير والمراقبة. غير أن هذه المكاسب تظل مرتبطة بوجود شبكة توزيع فعالة، وتسعيرة عادلة، وأولوية واضحة لتلبية حاجيات السكان قبل أي استعمالات أخرى.

مخاوف حول التنوع البيولوجي

يحذر خبراء البيئة من أن تغيير مسار المياه أو احتجاز الرواسب قد يضر بالتوازن الطبيعي لوادي مرتيل. فالسدود تقطع عادة حركة الأسماك والكائنات المائية، وتحد من انتقال الرواسب نحو المناطق السفلى، الأمر الذي قد يؤثر في جودة المياه وفي الشواطئ والمناطق الرطبة القريبة من مصب الوادي. كما يمكن أن يؤدي ركود المياه إلى تكاثر الطحالب أو ظهور مشكلات صحية إذا لم تراقب الجودة باستمرار.

وتحتاج الغطاءات النباتية والمجالات الزراعية الواقعة قرب الوادي إلى جرد ميداني قبل اتخاذ أي قرار نهائي. فالمناطق التي تبدو غير مأهولة قد تكون موائل لأنواع من الطيور أو الزواحف، أو تؤدي دوراً في تجميع المياه الجوفية. وتزداد أهمية هذا التقييم في ظل توالي أخبار حرائق الغابات التي تكشف هشاشة النظم الطبيعية أمام الضغط البشري والظروف المناخية القاسية.

كما ينبغي دراسة تأثير السد على المصب البحري، لأن تقليص كمية المياه العذبة والرواسب الواصلة إلى الساحل قد يغير ملوحة المياه وتوزيع الكائنات البحرية. ولا يكفي الاكتفاء بتقرير واحد؛ فالمراقبة البيئية يجب أن تمتد إلى سنوات بعد تشغيل المنشأة، مع إمكانية تعديل طريقة تدبيرها إذا ظهرت أضرار غير متوقعة.

السكان والأراضي أمام أسئلة صعبة

قد يجد سكان بعض الدواوير والمناطق الزراعية أنفسهم أمام احتمال نزع الملكية أو تغيير استعمال الأراضي، خصوصاً إذا احتاج المشروع إلى حوض واسع للتخزين أو إلى طرق جديدة للولوج. وتثبت تجارب مشاريع مماثلة أن التعويض المالي وحده لا يعالج دائماً فقدان الأرض أو اضطراب العلاقات الاجتماعية ومصادر الدخل المرتبطة بها.

كما سيؤثر ورش البناء في حركة السير والشاحنات والأنشطة التجارية القريبة. وقد سبق أن أظهرت احتجاجات مهنيي النقل أن الأوراش الكبرى قد تخلق توترات حين تغيب قنوات التشاور وتنظيم المرور. لذلك يحتاج المشروع إلى خطة واضحة لتقليل الضجيج والغبار، وحماية الطرق، وضمان استفادة المقاولات المحلية من فرص العمل.

شفافية الدراسات شرط للثقة

لا يمكن حسم الجدل بالاعتماد على الوعود العامة أو على صور أولية للمشروع. المطلوب نشر دراسة التأثير البيئي، والتقييم الهيدرولوجي، وخريطة الملكيات المتأثرة، والبدائل الممكنة، إلى جانب كلفة الإنجاز ومصادر التمويل. كما يجب توضيح ما إذا كانت هناك مواقع بديلة تحقق جزءاً كبيراً من الأهداف نفسها بأضرار أقل.

وتشكل الاستشارة العمومية مرحلة أساسية وليست إجراءً شكلياً. وينبغي عقد لقاءات في الجماعات المعنية، بحضور ممثلي السكان والفلاحين والصيادين والجمعيات البيئية والباحثين، مع توفير الوثائق بلغة مفهومة. كما يتعين إنشاء آلية لتلقي الاعتراضات والرد عليها، ونشر نتائجها قبل الانتقال إلى مرحلة نزع الملكية أو إطلاق الأشغال.

ضوابط ضرورية قبل التنفيذ

حتى يتحول المشروع إلى أداة لخدمة المنطقة بدل أن يصبح مصدراً لنزاع طويل، يحتاج القرار إلى شروط دقيقة تضمن حماية البيئة وحقوق السكان. ومن أبرز التدابير المطلوبة:

ولا ينبغي أن يقتصر النقاش على لحظة بناء السد، لأن المسؤولية الحقيقية تبدأ مع تشغيله وتوزيع مياهه. فالحكامة الجيدة تقتضي تحديد الجهة المكلفة بالمراقبة، ونشر تقارير دورية عن المخزون والصبيب وجودة المياه، وربط أي توسعة مستقبلية بنتائج علمية قابلة للتحقق.

إن وادي مرتيل يحتاج إلى رؤية متكاملة تجمع بين حماية السكان من الفيضانات، وتأمين الماء، وصون المجال الطبيعي. والخطوة العملية الأولى هي نشر الدراسة البيئية والهيدرولوجية الكاملة للمشروع وفتحها أمام نقاش عمومي موثق قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن الأشغال.