ندوة بالعرائش تبحث آفاق الصيد البحري وتحدياته
احتضنت مدينة العرائش ندوة خصصت لمناقشة مستقبل قطاع الصيد البحري، في لقاء جمع فاعلين مهنيين وباحثين وممثلين عن مؤسسات وهيئات تهتم بالاقتصاد الأزرق والتنمية الساحلية. وشكلت المناسبة فضاء لتبادل الرؤى حول واقع الثروة السمكية، وتحولات الأسواق، وسبل تعزيز تنافسية الموانئ والمنتجات البحرية في شمال المغرب.
وتأتي هذه النقاشات في سياق يتزايد فيه الاهتمام بميناء العرائش وبالدور الذي يمكن أن تضطلع به المنطقة في دعم الأمن الغذائي وخلق فرص الشغل. كما ركزت الندوة على ضرورة تحقيق توازن بين متطلبات الاستثمار وحماية الموارد البحرية، بما يضمن استمرارية النشاط لفائدة المهنيين والأجيال المقبلة.
العرائش ومكانة الصيد في الاقتصاد المحلي
يرتبط قطاع الصيد البحري في العرائش بمصالح اقتصادية واجتماعية واسعة، تبدأ من الصيادين وأطقم المراكب، وتمتد إلى أسواق السمك، ووحدات التثمين، والنقل، وصيانة القوارب، والتجارة والخدمات المرتبطة بالميناء. لذلك فإن أي تحول في هذا القطاع ينعكس بصورة مباشرة على الأسر والمقاولات الصغيرة والأنشطة التجارية داخل المدينة ومحيطها.
وأبرز المشاركون أن تطوير البنية التحتية المينائية لا ينبغي أن يقتصر على توسيع القدرات اللوجستية، بل يجب أن يرافقه تحسين ظروف العمل، وتحديث مرافق التفريغ والتخزين، وتقوية سلاسل التبريد. فرفع قيمة المنتوج البحري يبدأ من لحظة اصطياده، ويتطلب تجهيزات تضمن الجودة وتحد من الهدر.
رهانات الاستثمار وتثمين المنتجات البحرية
ناقشت الندوة فرص الانتقال من تسويق الأسماك في شكلها الأولي إلى تثمينها عبر التصنيع والتحويل والتعليب. ويتيح هذا المسار رفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية، وفتح أسواق جديدة، وتحسين مداخيل المهنيين، خصوصاً عندما يتم احترام معايير السلامة والجودة والتتبع.
كما تطرق الحاضرون إلى أهمية تشجيع الاستثمارات المسؤولة في الصناعات البحرية، مع منح الأولوية للمشاريع التي توفر وظائف مستقرة وتدعم المقاولات المحلية. وتنسجم هذه الرؤية مع النقاش الوطني حول المشاريع الكبرى وأثرها على الجهات، كما عكسته زيارة أخنوش لطنجة وما رافقها من اهتمام بتعزيز البنيات الاقتصادية في شمال المملكة.
حماية الثروة السمكية وضمان الاستدامة
احتلت الاستدامة حيزاً مهماً من أشغال اللقاء، بسبب الضغوط التي تواجهها بعض الأنواع البحرية نتيجة الصيد المكثف والتغيرات المناخية وتلوث السواحل. وأكدت المداخلات أن حماية المخزون السمكي تحتاج إلى مراقبة فعالة، واحترام فترات الراحة البيولوجية، ومحاربة الصيد غير القانوني، مع إشراك المهنيين في تدبير الموارد.
ويرى خبراء أن المحافظة على البيئة البحرية لا تتعارض مع التنمية الاقتصادية، بل تشكل شرطاً لاستمرارها. فالميناء النشيط يحتاج إلى بحر سليم، كما أن تحسين جودة المياه والشواطئ ينعكس على الصيد والسياحة والأنشطة الترفيهية. ولهذا برزت الدعوة إلى اعتماد مقاربة تجمع بين المعطيات العلمية وخبرة الصيادين في الميدان.
التكوين والابتكار في خدمة المهنيين
توقف النقاش عند الحاجة إلى تطوير مهارات العاملين في القطاع، عبر برامج للتكوين في السلامة البحرية، واستعمال التجهيزات الحديثة، وتقنيات حفظ المنتوج وتسويقه. فالتكوين المستمر يساعد على تقليص المخاطر المهنية، ويرفع قدرة المراكب والوحدات الإنتاجية على الاستجابة لمتطلبات الأسواق الداخلية والخارجية.
كما يمكن للتحول الرقمي أن يساهم في تحسين تدبير الرحلات، وتتبع المصطادات، وتبادل المعلومات حول الأحوال الجوية والأسعار. غير أن الاستفادة من هذه الحلول تقتضي توفير مواكبة تقنية وتمويل مناسب، حتى لا تبقى التكنولوجيا حكراً على الشركات الكبرى. وتوفر دراسات وآراء متخصصة أرضية مفيدة لفهم هذه التحولات وربطها بحاجات الاقتصاد المحلي.
التشغيل وتمكين الشباب والنساء
اعتبرت الندوة أن مستقبل الصيد البحري مرتبط بقدرته على جذب جيل جديد من الشباب، بعدما أصبح كثير من أبناء المناطق الساحلية يبحثون عن فرص في قطاعات أخرى. ويتطلب ذلك تحسين صورة المهن البحرية، وتوفير مسارات للتكوين والتدرج المهني، وضمان شروط عمل أكثر أماناً واستقراراً.
كما جرى التأكيد على حضور النساء في حلقات التسويق والتصنيع والتعاونيات، وعلى ضرورة دعم مبادراتهن ببرامج للتمويل والتأهيل والتسويق. فتمكين النساء العاملات في الاقتصاد البحري يمكن أن يرفع دخل الأسر، ويمنح المنتجات المحلية هوية تجارية أقوى، ويعزز مشاركة المجتمع في التنمية.
أولويات عملية لتطوير القطاع
خلصت المناقشات إلى مجموعة من المقترحات القابلة للتحويل إلى برامج ميدانية، مع التأكيد على أن نجاحها يتوقف على التنسيق بين الإدارات والمهنيين والجماعات الترابية والقطاع الخاص. ومن أبرز الأولويات التي برزت خلال الندوة:
- تحديث مرافق ميناء العرائش وتحسين شروط التفريغ والتخزين.
- دعم سلاسل التبريد للحد من تلف المنتجات البحرية.
- تشجيع وحدات التصنيع والتثمين القريبة من مناطق الصيد.
- تعزيز المراقبة العلمية والرقمية للمخزون السمكي.
- توسيع برامج التكوين في السلامة والمهن البحرية.
- مساندة التعاونيات والمقاولات الصغيرة في التمويل والتسويق.
- إشراك المهنيين في بلورة القرارات المرتبطة بتدبير الموارد.
وتحتاج هذه الأولويات إلى مؤشرات واضحة لقياس النتائج، مثل عدد فرص الشغل المحدثة، ونسبة المنتجات المثمنة محلياً، وتحسن ظروف السلامة، وتراجع حجم المصطادات غير القانونية. كما أن نشر المعطيات بانتظام يساعد على بناء الثقة بين مختلف المتدخلين ويجعل النقاش العمومي أكثر ارتباطاً بالواقع.
تعاون جهوي ورؤية مشتركة للمستقبل
لا يمكن عزل مستقبل ميناء العرائش عن الدينامية التي تعرفها مدن الشمال، مثل طنجة وتطوان والقصر الكبير، إذ تتقاطع بينها شبكات النقل والأسواق والموارد البشرية. ومن شأن التنسيق الجهوي أن يفتح المجال أمام مشاريع مشتركة في التكوين والبحث العلمي والتسويق، وأن يمنع تكرار المبادرات وتشتت الإمكانات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تبادل التجارب بين المدن الساحلية، كما أظهر مؤتمر تطوان الدولي من خلال النقاش حول تحديات التنمية المحلية وسبل بناء سياسات أكثر قرباً من حاجات السكان. فالرهان الحقيقي لا يتعلق بزيادة الإنتاج فقط، بل بإرساء نموذج بحري متوازن يحمي البيئة ويوسع قاعدة المستفيدين.
أعادت ندوة العرائش التأكيد على أن الصيد البحري قطاع استراتيجي يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، تجمع بين الاستثمار والتكوين والابتكار وحماية الموارد. ويبقى تحويل خلاصات النقاش إلى إجراءات ملموسة، بآجال ومسؤوليات محددة، الخطوة العملية الكفيلة بجعل البحر رافعة مستدامة للتنمية وفرص الشغل في المدينة والمنطقة.