فعاليات حقوقية تطالب بالحقيقة في أحداث الحسيمة

تجددت دعوات فعاليات حقوقية ومدنية إلى فتح تحقيق مستقل ونزيه في أحداث الحسيمة، بما يضمن الكشف عن ملابسات الوقائع وتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية اللازمة. وتأتي هذه المطالب في سياق نقاش مستمر حول الاحتجاجات التي عرفتها منطقة الريف، وما رافقها من اعتقالات ومحاكمات وإصابات ووفاة الناشط محسن فكري، ثم امتداد الحراك الاجتماعي إلى مطالب اقتصادية وحقوقية أوسع.

وتؤكد الهيئات الداعية إلى التحقيق أن معالجة هذا الملف تحتاج إلى مقاربة تقوم على الشفافية واحترام حقوق الإنسان، بعيداً عن التوتر السياسي أو الأحكام المسبقة. كما ترى أن إنصاف المتضررين وحماية الحق في الاحتجاج السلمي يشكلان مدخلاً ضرورياً لتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وترسيخ المصالحة في المنطقة.

سياق الاحتجاجات في منطقة الريف

اندلعت الشرارة الأولى للاحتجاجات بعد وفاة محسن فكري بمدينة الحسيمة في أكتوبر عام ألفين وستة عشر، في حادثة أثارت غضباً واسعاً بسبب الطريقة التي تم بها إتلاف سلعته. وتحولت الوقائع بسرعة إلى حراك اجتماعي امتد إلى عدد من مدن الإقليم، ورفع مطالب ترتبط بالمستشفى والجامعة وفرص الشغل وتحسين البنيات الأساسية.

ومع اتساع رقعة الاحتجاج، دخلت السلطات في مواجهة مع قيادات ميدانية ونشطاء وحقوقيين. وأسفرت الحملة الأمنية والقضائية عن توقيف عدد كبير من المشاركين، وإصدار أحكام متفاوتة في حقهم، بينما تحدثت تقارير حقوقية عن استعمال مفرط للقوة وعن صعوبات واجهها بعض المعتقلين خلال مراحل البحث والمحاكمة.

مطالب بالكشف عن الحقيقة والمسؤوليات

ترى الفعاليات الحقوقية أن فتح تحقيق جدي لا ينبغي أن يقتصر على حادثة واحدة، بل يجب أن يشمل مختلف الوقائع التي سجلت خلال فترة الحراك. ويشمل ذلك ظروف تفريق التجمعات، وأسباب الإصابات، وملابسات الاعتقالات، ومدى احترام الضمانات القانونية، إلى جانب تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية عند ثبوت أي تجاوز.

وتطالب هذه الأصوات بإسناد التحقيق إلى جهة مستقلة تتمتع بالصلاحيات اللازمة، مع ضمان حماية الشهود والضحايا وأسرهم من أي ضغط. كما تشدد على ضرورة نشر خلاصات واضحة للرأي العام، حتى لا تظل الروايات المتضاربة مصدراً دائماً للتوتر أو وسيلة لتبادل الاتهامات بين مختلف الأطراف.

التقارير الحقوقية وشهادات المتضررين

اعتمدت منظمات مدنية وحقوقية، خلال السنوات الماضية، على شهادات معتقلين سابقين وأسر المحتجين ومحامين تابعوا الملف. وتضمنت هذه الشهادات ادعاءات تتعلق بالضرب وسوء المعاملة والضغط أثناء التحقيق، وهي ادعاءات تستدعي، وفق المطالب الحقوقية، فحصاً قضائياً مستقلاً يحدد مدى صحتها والمسؤولين عنها.

في المقابل، أكدت السلطات في مناسبات مختلفة أن تدخلاتها استهدفت حماية الأمن العام ومنع أعمال عنف أو تخريب، وأن المحاكمات جرت وفق المساطر القانونية. ويجعل هذا التباين بين الروايات من التحقيق المستقل وسيلة ضرورية للتمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات، وضمان عدم اختزال الملف في مواقف سياسية متعارضة.

العدالة وجبر ضرر المتضررين

لا ترتبط العدالة في هذا الملف بصدور أحكام قضائية فقط، إذ تشمل أيضاً الاعتراف بمعاناة الأسر والمعتقلين والمصابين، وتوضيح مصير الملفات العالقة. وتدعو جمعيات حقوقية إلى مراجعة الأحكام التي ترى أنها صدرت في ظروف لم تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة، مع تمكين المتضررين من الطعن والتعويض وفق القانون.

ويشمل جبر الضرر، بحسب المقاربة الحقوقية، رد الاعتبار للضحايا، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية للمصابين، ودعم الأسر التي تحملت أعباء مالية واجتماعية خلال سنوات المتابعة. كما أن إطلاق برامج تنمية حقيقية في الحسيمة، تشمل التشغيل والخدمات العمومية، يمكن أن يترجم معالجة الاختلالات التي شكلت أحد أسباب الاحتقان.

مسؤولية المؤسسات في بناء الثقة

تتحمل المؤسسات المنتخبة والقضائية والحقوقية مسؤولية مشتركة في إخراج هذا الملف من دائرة الانتظار. فالبرلمان مطالب بتفعيل دوره الرقابي، والمجالس المحلية مدعوة إلى الإنصات إلى مطالب السكان، بينما ينبغي للسلطات القضائية أن تضمن استقلال التحقيقات ووضوح الإجراءات، خصوصاً في القضايا التي تحظى باهتمام وطني واسع.

كما يظل نشر ثقافة حقوق الإنسان داخل المدارس والجامعات والمرافق العمومية عاملاً أساسياً في منع تكرار التوتر. ويمكن للمهتمين بملفات التربية والتوعية المدنية متابعة مواد متخصصة عبر قسم التعليم، لما لهذا المجال من صلة بتعريف الأجيال بحقوقها وواجباتها وأساليب التعبير السلمي عن المطالب.

الذاكرة الجماعية ومسار المصالحة

تحتاج منطقة الريف إلى نقاش عمومي هادئ حول أحداث الحسيمة، يشارك فيه السكان والباحثون والحقوقيون وممثلو المؤسسات. ولا يمكن بناء ذاكرة مشتركة عبر تجاهل الألم أو فرض رواية واحدة، بل من خلال جمع الشهادات، وحفظ الوثائق، وإتاحة المجال أمام الدراسات التي تتناول جذور الحراك وتحولاته وتأثيره في المجتمع المحلي.

وتتطلب المصالحة خطوات رمزية ومادية متوازنة، من بينها الاعتراف بالانتهاكات عند ثبوتها، وتخليد الضحايا بطريقة تحفظ كرامتهم، وتعزيز حضور المنطقة في السياسات العمومية. وتساعد العناية بالذاكرة الثقافية للريف، كما توضح مواد الثقافة المغربية، على فهم خصوصية المنطقة وتاريخها وتنوعها بعيداً عن الصور النمطية.

إن فتح تحقيق مستقل في أحداث الحسيمة لا يعني إدانة مسبقة لأي طرف، بل يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة وفق قواعد القانون والإنصاف. فالمجتمع يحتاج إلى معرفة ما حدث، والضحايا يحتاجون إلى الاعتراف والإنصاف، والمؤسسات تحتاج إلى استعادة ثقة المواطنين عبر الوضوح والمساءلة.

وما ينبغي تذكره هو أن احترام الحق في الاحتجاج، وحماية السلامة الجسدية، وضمان المحاكمة العادلة، تشكل مبادئ لا تتجزأ؛ وأن معالجة آثار الحراك بصدق ومسؤولية تظل أساساً لمصالحة حقيقية وتنمية أكثر عدلاً في الحسيمة والريف.