غلاء المواد الأولية يضغط على البناء في شمال المغرب
حذر اتحاد المقاولين من التداعيات المتزايدة لارتفاع أسعار المواد الأولية على قطاع البناء في شمال المغرب، موضحاً أن كلفة الإسمنت والحديد والخشب والعزل ومختلف مستلزمات الأشغال أصبحت تضغط بقوة على المقاولات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة منها. ويأتي هذا التحذير في وقت تعرف فيه مدن تطوان وطنجة والمضيق والفنيدق توسعاً عمرانياً متواصلاً وحاجة متزايدة إلى مشاريع السكن والتجهيز.
ويؤثر ارتفاع كلفة المدخلات بشكل مباشر في ميزانيات الأوراش وفي قدرة الشركات على احترام الالتزامات التعاقدية. وتتابع تغطيات تطوان بلس هذه الانشغالات المهنية والاجتماعية ضمن المشهد الاقتصادي المتغير بالشمال، حيث يرتبط البناء بآلاف فرص العمل وبعدد واسع من الأنشطة التجارية والخدماتية.
ارتفاع الكلفة يربك حسابات المقاولات
أصبحت المقاولات مطالبة بإعادة احتساب تكلفة المشاريع أكثر من مرة خلال مدة الإنجاز، نتيجة تغير أسعار المواد وتكاليف النقل والطاقة. ويجد المقاول نفسه أمام عقود أُبرمت وفق تقديرات سابقة، بينما ترتفع المصاريف اليومية المرتبطة بالورش واليد العاملة والتوريد، ما يقلص هامش الربح أو يحوله إلى خسارة فعلية.
وتتضرر المقاولات الصغرى بصورة أكبر بسبب محدودية السيولة وصعوبة الوصول إلى التمويل. فالشركة الكبيرة قد تمتلك مخزوناً أو قدرة تفاوضية مع الموردين، في حين تضطر المقاولة الصغيرة إلى شراء المواد بكميات محدودة وبأسعار أعلى، مع تحمل آجال الأداء وتأخر مستحقات بعض المشاريع.
ولا يقتصر الأمر على المواد الأساسية، إذ تشمل الزيادة تجهيزات الكهرباء والسباكة والطلاء والآليات وقطع الغيار. وتؤدي هذه التطورات إلى مراجعة برامج الاستثمار، وتأجيل اقتناء المعدات، وتقليص عدد الأوراش التي يمكن إطلاقها في الفترة نفسها.
انعكاسات مباشرة على الأوراش وفرص العمل
يحذر المهنيون من أن استمرار الضغط على الكلفة قد يدفع بعض الشركات إلى إبطاء الأشغال أو تعليقها مؤقتاً، خاصة عندما لا تتضمن العقود بنوداً واضحة لمراجعة الأسعار. ويؤثر ذلك في آجال التسليم، كما يخلق توتراً بين المقاولين وأرباب المشاريع والجهات المكلفة بالتتبع والمراقبة.
ويظل العمال الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، لأن تباطؤ الأوراش ينعكس على فرص العمل وعلى انتظام الأجور. وقد تضطر بعض المقاولات إلى تقليص ساعات العمل أو عدم تعويض العمال المغادرين، بينما تتراجع فرص الإدماج أمام الشباب الباحثين عن عمل في قطاع البناء والأشغال العمومية.
وتزداد حدة هذه المخاوف في المناطق التي يعتمد اقتصادها المحلي بدرجة كبيرة على البناء والعقار. وفي هذا السياق، تكشف احتجاجات مهنية بالشمال عن طبيعة التوترات التي قد تتسع عندما تتقاطع كلفة المعيشة مع هشاشة الدخل وعدم استقرار النشاط.
خصوصية الوضع في مدن الشمال
يتميز شمال المغرب بحركية عمرانية مرتبطة بالنمو السكاني، وتوسيع المناطق الحضرية، وإنجاز مشاريع سكنية وسياحية وتجهيزات عمومية. غير أن ارتفاع كلفة النقل يضيف عبئاً إضافياً على المقاولات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواد تصل من مناطق بعيدة أو تمر عبر سلاسل توزيع متعددة قبل بلوغ الورش.
وتواجه الشركات العاملة بين تطوان وطنجة والعرائش وشفشاون تفاوتاً في مستوى الطلب وفي حجم المشاريع المتاحة. وقد تجد المقاولة نفسها مضطرة إلى التنقل بين أقاليم مختلفة للحفاظ على نشاطها، ما يرفع مصاريف نقل المعدات والعمال والمواد، ويؤثر في القدرة على تقديم عروض تنافسية.
كما أن طبيعة بعض الأوراش، خاصة في المناطق الجبلية أو القروية، ترفع كلفة التهيئة واللوجستيك. فصعوبة الولوج وتأخر التوريد وتقلبات الطقس كلها عوامل يمكن أن تضاعف أثر ارتفاع الأسعار، وتفرض على المتدخلين اعتماد تقديرات دقيقة قبل إطلاق أي مشروع جديد.
الحاجة إلى حماية التوازن المالي
يرى اتحاد المقاولين أن معالجة الوضع تتطلب تفعيل آليات مراجعة الأسعار في العقود، بما يسمح بمراعاة التقلبات الكبيرة التي تطرأ على المواد الأولية والخدمات المرتبطة بها. فالمقاولة لا ينبغي أن تتحمل وحدها نتائج تحولات اقتصادية خارجة عن نطاق توقعاتها، خصوصاً في المشاريع الممتدة زمنياً.
وتبرز كذلك أهمية تسريع أداء المستحقات وتقليص آجال معالجة الفواتير، لأن السيولة تمثل عاملاً حاسماً في استمرار الورش. وكل تأخير في الأداء يرفع حاجة الشركة إلى القروض أو يدفعها إلى تأجيل أجور الموردين، بما يضاعف الضغط على مختلف حلقات النشاط.
ويطالب المهنيون أيضاً بتوفير رؤية أوضح بشأن البرامج العمومية المقبلة، حتى تتمكن المقاولات من التخطيط للاستثمار والتوظيف واقتناء المعدات. فوضوح الطلب يساعد على استقرار السوق، بينما يؤدي الغموض إلى قرارات حذرة قد تحد من توسع الشركات وقدرتها على خلق مناصب جديدة.
مؤشرات الضغط داخل القطاع
تظهر آثار غلاء المواد الأولية من خلال مجموعة من المؤشرات التي تتابعها المقاولات والمهنيون بشكل يومي:
- ارتفاع كلفة الإسمنت والحديد ومستلزمات العزل.
- تمدد آجال التوريد وتأخر وصول بعض المواد.
- تراجع هامش الربح في المشاريع ذات الأسعار الثابتة.
- زيادة الحاجة إلى التمويل لتغطية المصاريف الجارية.
وتتداخل هذه المؤشرات مع عوامل أخرى مرتبطة بالسوق المحلية، من بينها تراجع القدرة الشرائية لبعض الأسر وتباطؤ قرارات شراء السكن. وفي حال استمرار الارتفاع، قد تتجه الشركات إلى إعادة ترتيب أولوياتها والبحث عن مشاريع أقل مخاطرة وأكثر وضوحاً من الناحية المالية.
وتتطلب مواجهة الوضع تنسيقاً بين المقاولين والموردين والقطاع البنكي والجهات العمومية، مع اعتماد إجراءات تخفف أثر التقلبات وتحافظ على استمرارية الأوراش.
ومن بين التدابير التي يمكن أن تساعد على الحد من الخسائر:
- إدراج بنود مرنة لمراجعة الأسعار في العقود.
- تسريع صرف مستحقات المقاولات، خاصة الصغيرة.
- دعم التمويل الموجه إلى اقتناء المواد والمعدات.
- تشجيع الإنتاج المحلي وتقليص التبعية للتوريد.
مسارات الحفاظ على نشاط البناء
يرتبط مستقبل قطاع البناء في الشمال بمدى القدرة على تحقيق توازن بين كلفة الإنجاز وحاجات السوق. ويتطلب ذلك تشجيع المقاولات على تحسين التدبير، وتطوير آليات شراء جماعي، واعتماد حلول رقمية لتتبع المخزون والتكاليف ومواعيد التوريد. كما يمكن للتعاون بين الشركات أن يمنح المقاولات الصغيرة قدرة أكبر على التفاوض مع الموردين.
ويظل الاستثمار في التكوين والسلامة وجودة الأشغال ضرورياً، لأن تقليص المصاريف بطريقة عشوائية قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويزيد كلفة الإصلاحات والحوادث. لذلك ينبغي أن تستند أي معالجة إلى حماية جودة البناء وحقوق العمال، بالتوازي مع تخفيف الأعباء المالية عن الشركات.
إن استمرار غلاء المواد الأولية لا يمثل مشكلة محاسبية فقط، بل قضية تمس فرص العمل والسكن والدورة الاقتصادية في مدن الشمال. وما ينبغي تذكره هو أن حماية المقاولات من تقلبات الكلفة تساعد على استمرار الأوراش، وصون الوظائف، وضمان بناء أكثر استقراراً للمنطقة.