انتخابات الغرف المهنية بشمال المغرب تفتح نقاشاً سياسياً واسعاً
تعود انتخابات الغرف المهنية في شمال المغرب إلى واجهة النقاش العام مع اقتراب الاستحقاقات المرتبطة بتمثيل التجار والصناع والفلاحيين والمهنيين. وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة في جهات طنجة تطوان الحسيمة، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع رهانات التنمية المحلية وتدبير الملفات الاجتماعية.
ولا يقتصر الجدل الدائر على أسماء المرشحين أو التحالفات الحزبية، بل يمتد إلى طبيعة الدور الذي تؤديه هذه المؤسسات في الدفاع عن مصالح المهنيين. فالغرف المهنية يفترض أن تكون فضاءً للتشاور والاقتراح، غير أن فاعلين عدة يرون أن حضورها ما زال دون مستوى الانتظارات.
في مدن مثل تطوان وطنجة والعرائش وشفشاون، ترتبط الانتخابات بأسئلة أوسع تتعلق بفرص الشغل، وتنظيم الأسواق، ودعم المقاولات الصغيرة، وتيسير الولوج إلى التمويل. لذلك يتابع المهنيون هذه الاستحقاقات باعتبارها اختباراً للتمثيلية والقدرة على تحويل الوعود إلى برامج قابلة للتنفيذ.
سياق انتخابي يتجاوز الصناديق
تأتي هذه الانتخابات في مرحلة تعرف فيها القطاعات المهنية ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والمواد الأولية. كما يواجه التجار وأصحاب الحرف منافسة قوية من الاقتصاد غير المهيكل والمنصات الرقمية، ما يجعل اختيار ممثليهم مرتبطاً بانتظارات عملية وليست رمزية فقط.
ويمنح القانون للغرف المهنية أدواراً في إبداء الرأي بشأن السياسات العمومية والمساهمة في التأطير والتكوين. غير أن ضعف التواصل مع القاعدة المهنية، وتعقيد المساطر، وبطء تنفيذ بعض المقترحات، كلها عوامل تغذي الشكوك حول فعالية هذه المؤسسات وقدرتها على التأثير.
الأحزاب والمهنيون في معادلة واحدة
تسعى الأحزاب السياسية إلى تعزيز حضورها داخل الغرف المهنية، باعتبارها مدخلاً للتأثير في النخب المحلية وبناء شبكات انتخابية تمتد إلى الاستحقاقات الجماعية والتشريعية. ويظهر ذلك من خلال استقطاب أعيان مهنيين وشخصيات وازنة داخل الأسواق والقطاعات الإنتاجية.
في المقابل، يصر مرشحون مستقلون على أن الغرف يجب أن تظل بعيدة عن الحسابات الحزبية الضيقة. ويقدم هؤلاء أنفسهم باعتبارهم صوتاً مباشراً للتجار والحرفيين والفلاحين، مع التركيز على الملفات اليومية مثل الضرائب، والرخص، والتكوين، وتوفير فضاءات مهنية ملائمة.
ويكشف هذا التداخل بين السياسي والمهني عن صعوبة الفصل الكامل بين التمثيلية الاقتصادية والتنافس الانتخابي. فقد تتحول المطالب المهنية إلى شعارات انتخابية، بينما تظل قدرة الفائزين على تنفيذها رهينة بالتنسيق مع الإدارات والسلطات والمنتخبين المحليين.
رهانات طنجة وتطوان والشمال
تفرض خصوصية الاقتصاد الشمالي أجندة مختلفة عن مناطق أخرى، بسبب وجود الموانئ والمناطق الصناعية والسياحة والتجارة الحدودية. ويحتاج المهنيون إلى تمثيلية قادرة على مواكبة التحولات المرتبطة بالاستثمار، وسلاسل التوريد، والرقمنة، والربط بين المقاولات المحلية والمشاريع الكبرى.
وقد ساهمت الزيارات الحكومية والبرامج الاستثمارية في رفع سقف التوقعات لدى الفاعلين الاقتصاديين، كما يظهر في تغطية مشاريع طنجة الكبرى، غير أن هذه المشاريع تطرح في الوقت نفسه سؤال استفادة المقاولات الصغيرة والمهنيين المحليين منها.
أما تطوان، فتواجه تحديات مرتبطة بتنشيط النسيج التجاري والحرفي، وتعزيز السياحة الثقافية، وحماية المدينة العتيقة من التراجع الاقتصادي. ويترقب الفاعلون أن تطرح الغرفة المهنية برامج واضحة للدعم والتكوين، بدل الاكتفاء ببيانات عامة أو لقاءات ظرفية.
النزاهة والتمثيلية تحت المجهر
يثير تنظيم الحملات الانتخابية أسئلة حول تكافؤ الفرص، واستعمال النفوذ، وطرق التواصل مع الناخبين المهنيين. ويطالب عدد من المتابعين بتوضيح لوائح الناخبين، وضبط شروط الترشيح، وضمان وصول المعلومات إلى مختلف الفئات، خصوصاً في المناطق القروية والأسواق البعيدة.
وتزداد أهمية هذه المطالب مع ضعف مشاركة بعض المهنيين في الاستحقاقات السابقة. فحين يشعر الناخب بأن صوته لا يغير شيئاً، تتراجع الثقة وتصبح الانتخابات مجالاً محدوداً لنخب منظمة، بدل أن تكون آلية واسعة للتعبير عن مختلف القطاعات.
وتبقى مراقبة الخطاب الانتخابي عاملاً أساسياً في تقييم المتنافسين. فالمعيار لا يرتبط بعدد الوعود، بل بمدى ارتباطها باختصاصات الغرف وإمكانات تنفيذها، وبقدرة المرشح على تقديم برنامج محدد يتضمن آجالاً وشركاء ومؤشرات قياس.
التنمية المحلية في قلب المنافسة
ترتبط شرعية الغرف المهنية بقدرتها على الإسهام في التنمية المحلية، عبر اقتراح حلول واقعية وتوجيه المهنيين نحو فرص الاستثمار والتكوين. وتحتاج المنطقة إلى مبادرات تدمج الشباب والنساء وأصحاب المشاريع الصغيرة في الدورة الاقتصادية، خصوصاً في القطاعات الحرفية والخدماتية.
كما أن النقاش حول التنمية لا ينفصل عن قضايا التخطيط الترابي. وقد سلطت لقاءات محلية الضوء على تحديات التنمية المحلية، ومنها ضعف التنسيق بين المؤسسات وتفاوت الاستفادة من المشاريع بين المراكز الحضرية والمناطق القروية.
ومن المنتظر أن يختبر المهنيون الفائزين في ملفات ملموسة: تحسين الولوج إلى الأسواق، تسهيل التكوين، الدفاع عن المنتجات المحلية، وتشجيع التحول الرقمي. فالمهني لا يقيس أداء ممثله بعدد الاجتماعات، بل بما يلمسه من تحسن في شروط العمل والدخل والاستقرار.
مؤشرات تستحق المتابعة
ستحدد الحملة الانتخابية طبيعة النقاش العام، كما ستكشف مدى قدرة المرشحين على تقديم برامج قابلة للمقارنة. وتبرز مجموعة من المؤشرات التي يمكن للناخبين والفاعلين المدنيين اعتمادها عند تقييم الخطابات والالتزامات.
أهم ما ينبغي رصده خلال المرحلة الانتخابية:
- وضوح البرامج وارتباطها باختصاصات الغرف.
- حضور قضايا الشباب والنساء والمناطق القروية.
- مستوى الشفافية في عرض مصادر الدعم والتمويل.
- قدرة المرشحين على التواصل مع القاعدة المهنية.
وبعد إعلان النتائج، ستصبح متابعة الأداء أكثر أهمية من متابعة الحملة نفسها، لأن الوعود لا تكتسب قيمتها إلا عبر التنفيذ والتقييم العلني.
ومن المؤشرات المرتبطة بالمرحلة اللاحقة:
- انتظام اللقاءات مع المهنيين ونشر خلاصاتها.
- عدد المقترحات المرفوعة إلى الإدارات والجهات.
- البرامج المنجزة في التكوين والمواكبة.
- معالجة شكايات الأسواق والحرف والمقاولات الصغيرة.
| المجال | ما ينتظره المهنيون | معيار التقييم |
|---|---|---|
| التمثيلية | حضور مختلف القطاعات والمناطق | تنوع المنتخبين وانتظام التشاور |
| التكوين | برامج عملية مرتبطة بسوق الشغل | عدد المستفيدين وجودة النتائج |
| التمويل | مواكبة المشاريع الصغيرة | اتفاقيات واضحة وسهولة الولوج |
| الأسواق | تنظيم أفضل ومحاربة المنافسة غير المشروعة | إجراءات قابلة للقياس |
| التنمية | ربط الغرف بالمشاريع الجهوية | استفادة المقاولات المحلية |
ما بعد النتائج ومسؤولية التتبع
ستكشف النتائج حجم التأثير الحزبي داخل الغرف، ومدى حضور المستقلين، وطبيعة التوازنات بين القطاعات المهنية. لكن دلالة الاستحقاق لن تتحدد بالنتائج وحدها، بل بطريقة اشتغال المجالس المنتخبة وقدرتها على بناء علاقة منتظمة مع الناخبين.
الخطوة العملية التالية هي مقارنة البرامج المعلنة بمحاضر الاجتماعات وقرارات الغرف خلال الأشهر الأولى من الولاية، وتوثيق ما تحقق وما تأخر في سجل علني يبدأ من أول دورة للمجالس المنتخبة.