أمسية رمضانية بتطوان تجمع فقهاء وفنانين من الشمال
احتضنت مدينة تطوان، خلال ليالي رمضان، أمسية ثقافية وروحية جمعت عدداً من الفقهاء والباحثين والفنانين القادمين من مدن الشمال. وجاء هذا اللقاء ليعيد إلى الواجهة تقليداً مغربياً راسخاً يقوم على اجتماع الكلمة الدينية، والتعبير الفني، والإنصات إلى قضايا المجتمع في أجواء يغلب عليها التأمل والتواصل.
وشكلت المناسبة فضاءً للحوار حول مكانة رمضان في الحياة اليومية، ودور الثقافة في تقوية الروابط بين الأجيال. كما استحضرت فقرات الأمسية جوانب من التراث التطواني والشمالي، من خلال الإنشاد والمديح والسماع، إلى جانب مداخلات تناولت القيم التي يرسخها الشهر الفضيل في السلوك الفردي والجماعي.
لقاء يفتح أبواب الحوار
توافد على فضاء الأمسية فقهاء وأساتذة وفاعلون جمعويون وفنانون من تطوان وطنجة وشفشاون ووزان، في مشهد عكس تنوع الحضور واهتمامه بالمواضيع التي تجمع بين الدين والثقافة. ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة احتفالية، بل تحول إلى مجلس مفتوح لتبادل الرؤى بشأن تحولات المجتمع، وحاجة الشباب إلى خطاب متوازن يربط المعرفة بالهوية والانفتاح.
وتوقفت الكلمات المقدمة عند أهمية المجالس الرمضانية باعتبارها مؤسسات اجتماعية غير رسمية، تسهم في تقريب وجهات النظر وبناء الثقة. وأكد المتدخلون أن النقاش الهادئ، حين يستند إلى العلم واحترام الاختلاف، يمكن أن يساعد على معالجة عدد من القضايا التي تشغل الأسر والطلبة والفاعلين في المجال الثقافي.
رمضان بين العبادة والمعرفة
ركزت المداخلات الدينية على المعاني الأخلاقية للشهر الكريم، مثل التضامن، وضبط النفس، وصون كرامة الإنسان، مع التأكيد على أن العبادة لا تنفصل عن المسؤولية تجاه المحيط الاجتماعي. وأوضح الفقهاء أن تجديد الخطاب الديني يمر عبر تبسيط المفاهيم، وربطها بالواقع، وإشراك الشباب في النقاش بدل الاكتفاء بالتواصل العمودي.
وتقاطعت هذه الأفكار مع نقاش أوسع حول المدرسة والجامعة ودورهما في بناء الوعي. وفي هذا السياق، يمكن متابعة قضايا التربية والتكوين عبر ملف التعليم المحلي، الذي يواكب أخبار المؤسسات التعليمية والبرامج المرتبطة بالمتعلمين في المنطقة. وقد اعتبر المشاركون أن الاستثمار في المعرفة يظل من أكثر السبل فاعلية لحماية الذاكرة الثقافية وتعزيز المشاركة المدنية.
الفن يستعيد ذاكرة الشمال
منحت الفقرات الفنية للأمسية طابعاً خاصاً، إذ قدمت فرق محلية وصلات من المديح والسماع والإنشاد الروحي، إلى جانب مقاطع مستوحاة من الملحون والطرب الأندلسي. واستعاد الحاضرون ألحاناً ارتبطت بليالي تطوان القديمة، حين كانت البيوت والزوايا والمساجد فضاءات للتعلم والإنشاد وتبادل الحكايات.
كما حضرت اللهجات والتعابير الفنية المتداولة في مدن الشمال، بما يعكس غنى المنطقة وتعدد روافدها. ورأى فنانون مشاركون أن الحفاظ على هذا الموروث لا يعني تجميده، بل تقديمه للأجيال الجديدة بلغة فنية قادرة على مخاطبة ذائقتها، مع احترام أصوله وسياقه التاريخي. وقد أضفى هذا التزاوج بين الأصالة والتجديد حيوية واضحة على فقرات السهرة.
حضور المجتمع وقضايا الجيل الجديد
لم يقتصر الحضور على المختصين والمهتمين بالثقافة، فقد شاركت أسر وشباب وطلبة وأعضاء جمعيات مدنية، وهو ما منح الأمسية بعداً مجتمعياً واسعاً. وتبادل الحاضرون النقاش حول قضايا الشباب، من صعوبة الولوج إلى فرص العمل، إلى الحاجة إلى فضاءات آمنة للفن والتعبير والتطوع.
وأبرز عدد من المتدخلين أن الفعاليات الرمضانية تكتسب قيمتها حين تلامس انشغالات الناس اليومية. لذلك جرى التشديد على ضرورة فتح المجال أمام المبادرات المحلية، وتشجيع الشباب على تنظيم ورشات في الموسيقى والقراءة والتوثيق، وربطها ببرامج تربوية وثقافية مستمرة طوال السنة.
وفي سياق الحديث عن البحث والمعرفة، استشهد أحد المشاركين بأهمية المبادرات الأكاديمية التي تدرس التحولات المجالية والاجتماعية في القرى والمدن، ومنها دراسة جامعية جديدة تتناول منطقة سنايت في الجامعة القروية بني حسان. ويؤكد هذا النوع من الأعمال أن الثقافة المحلية تحتاج إلى التوثيق العلمي بقدر حاجتها إلى الحضور الفني.
مبادرات تجعل الأثر مستمراً
اتفق المشاركون على أن نجاح مثل هذه اللقاءات يرتبط بقدرتها على الانتقال من الاحتفاء الموسمي إلى العمل المستمر. فالأمسية يمكن أن تكون بداية لشراكات بين المساجد والمؤسسات التعليمية والجمعيات الفنية، بما يسمح بتنظيم أنشطة ذات مضمون معرفي وتربوي، ويمنح المواهب الناشئة فرصة الظهور والتعلم.
ومن بين المقترحات التي جرى تداولها:
- تنظيم مجالس شهرية تجمع الوعاظ والباحثين والفنانين.
- تخصيص ورشات للشباب في الإنشاد والموسيقى الأندلسية.
- توثيق شهادات كبار السن حول عادات رمضان في تطوان.
- إشراك المدارس والجمعيات في إعداد البرامج الثقافية.
- دعم الفرق المحلية للحفاظ على الموروث الشفهي.
- إنشاء أرشيف رقمي للصور والتسجيلات والوثائق القديمة.
وتحتاج هذه المبادرات إلى تنسيق واضح وتمويل مناسب، حتى لا تبقى مجرد أفكار مرتبطة بمناسبة عابرة. كما أن إشراك الفاعلين المحليين منذ مرحلة التخطيط يساعد على اختيار مواضيع قريبة من انتظارات السكان، ويعزز الإحساس بملكية المجتمع لهذه المشاريع.
من سهرة رمضانية إلى ذاكرة جماعية
كشفت الأمسية عن قدرة الثقافة المحلية على جمع فئات مختلفة حول قيم مشتركة، من دون إلغاء التنوع في الآراء أو أساليب التعبير. فالفقهاء قدموا قراءة أخلاقية وروحية للشهر، بينما منح الفن هذه القيم صوراً وألحاناً قريبة من الوجدان، وجعل النقاش أكثر انفتاحاً على التجربة اليومية للناس.
وتظل تطوان، بما راكمته من تراث ديني وفني وعمراني، مؤهلة لاحتضان مزيد من المبادرات التي تربط الماضي بالحاضر. ويمنح حضور مدن الشمال في هذه المناسبات فرصة لبناء شبكة ثقافية جهوية، تتعاون في حفظ الذاكرة وتطوير الفنون وتشجيع البحث في تاريخ المنطقة.
ومع نهاية اللقاء، غادر الحاضرون المكان وهم يحملون انطباعاً بأن رمضان يمكن أن يكون مساحة للتعبد والمعرفة والفن في آن واحد. والخطوة العملية التالية هي عقد اجتماع تنسيقي خلال الأسبوع المقبل بين الجمعيات المشاركة لإعداد برنامج ثقافي مشترك يمتد إلى ما بعد شهر رمضان.