المرأة المغربية من المقاومة المسلحة إلى النضال السياسي من أجل الاستقلال ( الجزء الثاني )

د:نضار الأندلسي
منذ مطلع ثلاثينات القرن الماضي، تحول نضال المغاربة ضد المستعمر المحتل للتراب الوطني من مقاومة مسلحة في البوادي والجبال إلى مقاومة إصلاحية في المدن، ومباشرة بعد صدور الظهير البربري سنة 1930 م خرجت الحشود في أول مجابهة، كانت المرأة المغربية حاضرة فيها بقوة، بل إن امرأة كانت تدعى “عائشة بنت الحاج علي زنيبر” بسلا، اعتقل الفرنسيون ابنها (عبد اللطيف الصبيحي)، فقد ثارت وخطبت في الحشود الحاضرة لمواساتها في مصابها وحثتهم على الجهاد في سبيل الدين والوطن، لتنطلق بعدها شرارة الاحتجاج بعدد من المدن .

فعلا فقد تعرضت المرأة أكثر من غيرها لشرخ عميق جراء الاستعمار ، فمن جهة، أقحمت صدمة الاستعمار المرأة المغربية في مجالات ظلت حكراعلى الرجال، ، أو لتعمل أجيرة في وحدات الإنتاج المحدثة في سياق توسع الاستعمار وتوطنه، كما أجبرت، من جهة أخرى، على البقاء سجينة تصورات النخبة الوطنية المشبعة بروح السلفية الموسومة بالتقليد والمحافظة، لكنها تحدت ذلك فنجد انها قامت بخطوات جريئة .
1. المرأة تنخرط في العمل السياسي والجمعوي
منذ عرفت الاحزاب في المغرب كان لوجود المرأة المحتشم دور فعال في تنشيط الحياة السياسية ، والاهتمام بالقضايا المسطرة في البرامج الحزبية وخصوصا منها ما يخص المرأة ولكن هذا الوجود على ضآلته اصبح يتقلص فعليا، وسنتوقف، في هذاالعرض، عند تجربة الجيل الأول، وخاصة مكونيه الأهم: الفرع النسائي لحزب الاستقلال، وجمعية أخوات الصفا المنتمية لحزب الشورى و الاستقلال.
كما تأسست بمدينة تطوان، الخاضعة للاستعمار الإسباني وقتئذ، جمعية أخوات الصفا”، كان من أهم أعضائها السيدة ” عالية لوقاش “

كما أحدث حزب الاستقلال عام 1944 أولى الخلايا النسوية. وهنا نسجل الحضور البارز للمرأة السيدة “مليكة الفاسي” ضمن أول تنظيم سياسي، التي انضمت إلى تنظيم «الطائفة سنة 1930 ثم إلى كتلة العمل الوطني والحزب الوطني بعدها. إحدى المبادِرات وأهم المنشطات لهذا الفرع، كما كانت من أول الأقلام الصحفية النسائية التي كانت تكتب في جريدة الرأي ، وكانت هي المرأة الوحيدة التي حظيت بشرف التوقيع على وثيقة الاستقلال، وهو ما يدل على وزنها وتأثيرها .
وهكذا فقد انخرطت المرأة بمكتب الحركة النسوية الحزبية مسجلة حضورها في التخطيط والتأسيس والتنفيذ، حيث كانت النساء يجتمعن في خلايا سرية نسوية بالمنازل أو الخيريات أو المؤسسات التعليمية أيام العطل رغم الخطر الذي يحف هذا العمل، من أجل توعية النساء اجتماعيا وسياسيا وتعبئتهن لتحرير الوطن. كما انخرطت النساء في تنظيمات حزبية، وقد اهتمت مكونات الحركة من أجل حقوق المرأة بالعديد من المجالات، كان أهمها:
• تعليم الفتيات :
لقد فتح التمدرس على محدوديته، وتواضع رقعة اتساعه، عيون النساءعلى أهمية التعليم بالنسبة لقضية المرأة وإمكانيات تحررها. فعلى الرغم من تأخر المغرب قياسا بالمشرق، في الدعوة إلى تحرر المرأة وتأسيس الجمعيات الداعمة لها ، فقد ظلت نخبته غير بعيدة عن نداءات مفكري النهضة حول تعليم البنات وتخليصها من التقاليد البالية المكبلة لطاقاتها.
وقد شكل تعليم الفتيات إحدى القضايا التي شهدت تعبئة قوية لهذا الفرع بشأنها. لكن يجب التذكير بأن حق استفادة الفتيات من التعليم كان من وراء المطالبة به في البداية (في العشرينات والثلاثينات) بعض المثقفين، من بينهم العالم الحجوي، الذي تميز بموقف جد متقدم بالمقارنة مع عصره المطبوع بالمعارضة التي عبر عنها بعض كبار الشخصيات وممثلو النخبة المغربية، وخاصة بمقاومة الأهالي الذين لم يكونوا ينظرون بعين الرضا إلى خروج الفتيات من البيت ومثل الفرع النسائي لحزب الشورى والاستقلال.
اهتمت جمعية “أخوات الصفا” بتعليم الفتيات. وأعلن موقف هذين المكونين القطيعة التامة مع المقترح الذي دافع عنه بعض مسؤولي اللجان التي وضعها السلطان بغية إصلاح التعليم والتي انحصرت في التعليم الأولي بهدف الاقتصار على تمديد الدور التقليدي للنساء.. وقد شهدت سنوات الأربعينات تعبئة مختلف الفاعلين الحاضرين حول موضوع تعليم الفتيات، بما في ذلك:منها المؤسسة الملكية، مع تعبئة قوية لصاحبة السمو الملكي الأميرة للاعائشة، التي كانت رائدة في مجال تحرر المرأة.ومختلف مكونات الحركة الوطنية المغربية من خلال إنشاء مدارس حرة، كان جلالة الملك يدشن المخصصة منها للفتيات. طبعا بالإضافة إلى مكونات الحركة النسائية، بما فيها الفرع النسوي لحزب الاستقلال وجمعية “أخوات الصفا”.
وتمثلت إحدى أقوى اللحظات في هذا المجال في المعركة التي خاضها الفرع النسوي لحزب الاستقلال من أجل فتح السلك العالي بجامعة القرويين المرموقة في وجه النساء، وهو ما شكل حدثا رمزيا في حد ذاته، ذلك أن الأمر يتعلق بمؤسسة لتدريس علوم الشريعة المقتصرة على الرجال وحدهم.
وفي السنوات الأخيرة من الأربعينات، وصل الوعي النسائي مرحلة أصبح معها التقدم خطوات أخرى إلى الأمام، فاتخذ نضال المرأة المغربية لأول مرة شكلا منظما، فرض نفسه لعدة متغيرات على الساحة الوطنية، وتشكلت تنظيمات نسائية مثل جمعية” فتاة المغرب” بفاس و”الجمعية النسائية المغربية” بالدار البيضاء.
و في منطقة الشمال تمثل الفرق الوحيد في كون النساء لم يكن بإمكانهن الاختلاط بالرجال، حيث لم يكن ذلك معمولا به بعد، ومن هنا جاءت ضرورة وضع بنية خاصة.وهو فرع تشكل من نساء منحدرات من الطبقة البورجوازية الحضرية، خاصة المتعلمة منها.
نضال المرأة التطوانية من أجل تعليم الفتاة
• مشاركة المناضلات في النشاط الأدبي :
لم يتوقف نشاط المقاومات المغربيات إبان الاستعمار عند السياسة، بل أبدعن في مجال الأدب عبر نشر مقالات (زهور الزرقاء)، وكتابة مؤلفات وأشعار وقصص للأطفال (ثريا السقاط). ومن النساء المقاومات أيضا من كانت تنقل رأيها عبر وسائل الإعلام المتاحة للتعبير عن رغبات النساء كمليكة الفاسي التي تُعد رائدة الصحافة والكتابة النسائية وأول صحافية مغربية تنشر مقالا سنة 1935 باسم «فتاة»، كما نشير الى أسماء نسائية وازنة أخرى نشطت في مجال الكتابة مثل السيدة زهور لزرق والسيدة رشيدة بن مسعود والسيدة حبيبة كسوس، بالإضافة إلى أسماء لمعت في مجال الكتابة الصحفية مثل السيدة لطيفة اسكيرج والسيدة لينة بن جلون السعدية إضافة إلى السيدة بناني واللائحة طويلة ، اللواتي شاركن بمقالات تفعم بالوطنية ضمن أنشطة أسبوعية نشرت في عدد من الجرائد الوطنية .
• دور المرأة المناضلة في الأعمال الاجتماعية :
إلى جانب الأنشطة السياسية والأدبية، قامت المرأة المقاومة بأعمال اجتماعية وثقافية لما لها من تأثير بالغ في الفكر الإنساني، وفي توعيته وتحريره من مخلفات النوايا الاستعمارية. وسعت إلى مساعدة المضطهدين وإعانة الأسر المشردة، وجمع التبرعات المادية والعينية لمساعدة أسر المسجونين أو المنفيين وتمويل الحركة الوطنية، وتفقد ذوي الحاجات والأطفال والمعوزين بالمؤسسات الخيرية والمدارس النائية بالبوادي، ومؤازرة العجزة والأيتام والأسر الفقيرة. كما انخرطت في ورش محو الأمية وتأطير النساء، وفي جمعيات لتوعية المواطنين والمواطنات بواجبهم نحو وطنهم للدفاع عنه. كما دعت إلى الاهتمام بتربية النشء وتعليم المرأة وتثقيفها ومشاركتها في مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية.
وبعد الاستقلال، انغمس هؤلاء المقاومات في العمل الاجتماعي كرعاية الطفولة والعجزة والمرضى، وبرزن أيضا في المشهد السياسي والنسيج المجتمعي.
كما عملت النساء المناضلات على التأطير والتوعية في مجتمعاتهن ومحاربة الأمية في صفوف النساء سواء داخل الحواضر أو القرى باعتبارها عملا سياسيا ووجها من وجوه مقاومة الجهل والعوائد الفاسدة والتقاليد البالية .
ولا ننكر مجهودات المرأة المغربية البسيطة التي لا تنتمي الى أي حزب سياسي التي انخرطت بدورها في مواجهة المستعمر والكفاح من اجل تحقيق الوحدة والكرامة لوطنها ، وقامت بأعمال تناقلتها الرواية الشفوية، فقد وزعت المرأة المنشورات السرية المناهضة للاستعمار، كما أوصلت رسائل التهديد الكتابية الموجهة للمستعمرين ورسائل الشفهية إلى المناضلين السريين ، وهذا ما كان يجعلها تتعرض للاستنطاق في مخافر الشرطة مرفوق بالتهديد والضرب و لكل أشكال المهانة، كما كانت تعمل على عرقلة تحركات جنود الاستعمار ، وذلك بصب الماء الساخن والزيت المغلي من أعلى سطوح المنازل، أو تتطوع لتوعية النساء وتحفيزهن وتشجيعهن للمشاركة في المظاهرات الحاشدة ، كما دبرت أماكن آمنة لإخفاء السلاح وبطرق مختلفة، وفي هذا الإطار نذكر بالمواقف البطولية للسيدة “عيدة بويقبة”، ثم عملت النساء على توزيع السلاح بين المناضلين بذكائها ومراوغتها للمستعمر وبعضهن ساهمن في تنفيذ العمليات الفدائية ودعم عمل الفدائيين المسلح .

كما برعن بإتقان في إخفاء المقاومين المطارَدين من المستعمر، و عملن على تنفيذ الأوامر بنقلها بين الفدائيين وتبليغ المعلومات عن تحركات المستعمر، ونذكر هنا ببطولات السيدة “خديجة المذكوري” ، التي اشتهرت بشجاعتها في مجابهة المستعمر الفرنسي ودعم الفدائيين ماديا ومعنويا .
وبذلك أثبتت المرأة المغربية المقاومة بلا منازع حضورها الفعال في ساحة الوغى وميدان الشرف والنضال وفي صميم وعمق الحركة الوطنية والمقاومة من أجل الحرية والاستقلال، فقدمت صورا مشرقة ورائعة في المشاركة النوعية بأوجه الكفاح الوطني إلى جانب الرجل بروح نضالية عالية في المداشر والحواضر والقرى، حاملة للسلاح أو محتضنة لرجال المقاومة أو تأمين تحركاتهم ، مؤتمنة على خطط المقاومين، كما برهنت بالملموس عن حضورها الوازن واندماجها في الكفاح من أجل نيل من أجل الحرية والاستقلال والوحدة.
ورغم كل هذه البطولات التي ابانت عن حنكة المرأة وبراعتها في العمل النضالي والذي يمكن ان يسهم في الكشف عن خطاب متوغل في معركة الكفاح الوطني، إلا أننا نجد قلة من يحتفي بمواقفها البطولية التي ساهمت إلى جانب الرجل من أجل تحقيق وطن الحرية والكرامة، ولا نصادف شارعا أو مؤسسة تعليمية أو جمعيات المجتمع المدني تحمل اسم مقاومة أو مناضلة مغربية عملت بشق الأنفس لدعم الكفاح الوطني ، وهنا نتساءل ألم يحن الوقت بعد أن تتبوأ المرأة المغربية المقاومة والمناضلة بالنسبة للجهات الرسمية المكانة المنوطة بها بالرغم من كل مظاهر تمثيل المرأة لمراكز إدارية مرموقة ؟ .
أليس هناك شوارع ومؤسسات تعليمية وجمعيات المجتمع المدني جديرة بحمل أسماء مقاومات ومناضلات سجلن أسمائهن في ملحمة تاريخنا الوطني بحبر من ذهب ؟

قد يعجبك ايضا
Loading...