ظاهرة “انتحار الشباب” ومسؤولية المجتمع المدني

د. يوسف الحزيمري
د.يوسف الحزيمري

انتحار شاب بحي أحريق بمرتيل.‏
انتحار شاب بحي القابلية بمرتيل.
انتحار طالب شاب برمي نفسه من عمارة بمرتيل.
انتحار شاب بحي المحنش الثاني بتطوان.
انتحار شاب قرب سوق الإمام مالك بتطوان.
انتحار شاب بشنق نفسه بالقرب من عين خباز بتطوان.

أحداث متتابعة، تلقي بظلالها المؤسفة على المجتمع المدني برمته بمدينة تطوان، تتناقلها وسائل الإعلام المختلفة الورقية والإلكترونية بسرعة فائقة، تظل حديث الناس في المقاهي والمنتديات ووسائل النقل العمومية المختلفة.
في الحقيقة إنها عمليات انتحار متشابهة في المصير(الموت واحد كما يقال)، مختلفة في الوسيلة، متعددة الأسباب، ويبقى أكثر من سؤال مطروح على المجتمع المدني والمسؤولين بشتى قطاعات الدولة، وأهم هذه الأسئلة: لم انتحر هؤلاء الشباب؟.
قد تتعدد الإجابات، ولكن ينبغي أن نقتنع أننا أمام ظاهرة ينبغي التصدي لها، وليست أحداث نادرة هنا وهناك.
ظاهرة لم نسمع من حرّك ساكنا لمجابتها من قبل المجتمع المدني، ولو بندوة بل بمحاضرة بل بتوعية وتحسيس.
قد يقول البعض أن الأمر يتعلق بالوضع العام للمجتمع المغربي والمشاكل التي يعاني منها على المستوى الاقتصادي التنموي أو الاجتماعي، أو التربوي القيمي، أو….إلخ، فإذا صلح هذا الوضع كان علاجا لهذه الظاهرة.
هنا نريد أن نقف متسائلين مع هذا القائل، هل سنظل مكتوفي الأيدي، حتى يصلُح الوضع، وشبابنا يلقي بنفسه إلى التهلكة، يتحسّى سمّه بيده، ويقتل نفسه بحديدة، أو يشنق نفسه بحبل…؟
والجواب هنا؛ هو أن المجتمع المدني بجميع فعالياته والمسؤولين؛ مسؤولون عن هذا الشباب الذي ينتحر؛
ولربما نحن أمام “جريمة الترك والتسليم”، إذا تغاضينا عن هذه الظاهرة، وهو الأمر الذي نهانا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [1].
قال ابن الأَثير يقال: “أَسْلَمَ فلانٌ فلاناً إِذا أَلقاه في الهَلَكَة، ولم يَحْمِهِ من عدوِّه، وهو عامٌّ في كل مَنْ أَسْلَمَ إِلى شيء، لكن دخله التخصيص وغلب عليه الإِلقاء في الهَلَكَة.”[2]
وقد فسر علمائنا رحمهم الله، معنى التسليم في هذا الحديث، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “ولا يسلمه: أي لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون ذلك واجبا، وقد يكون مندوبا بحسب اختلاف الأحوال، وزاد الطبراني من طريق أخرى عن سالم: ولا يسلمه في مصيبة نزلت به”[3].
وقال ابن حزم رحمه الله: “مَنْ تَرَكَهُ يَجُوعُ وَيَعْرَى وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إطْعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ فَقَدْ أَسْلَمَهُ”[4].
وقال أيضا في الاستدلال بهذا الحديث: “كل ما كان ضررا في جسم، أو مال، أو توعد به المرء في ابنه، أو أبيه، أو أهله، أو أخيه المسلم، فهو كره، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه”[5].
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله:” “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما عمادان من أعمدة الشريعة المطهرة، قد دل عليهما كتاب الله عز وجل في كثير من الآيات، ودلت عليها السنة المطهرة في الأحاديث المتواترة التي لا شك فيها، بل هذان العمادان هما أعظم أعمدة الدين، ثم أعظم أنواع هذين العمادين هو ما يرجع إلي حفظ نفوس المسلمين فمن ترك مسلما يغرق وهو يقدر على إنقاذه واستمر في صلاته فقد ارتكب أعظم المنكرات وترك أهم المعروفات فلا هو عمل بالأدلة الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا عمل بما ورد في حق المسلم على المسلم، ومنها: أن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، ومنها أن: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه”، وأي إسلام له أعظم من تركه يموت غرقا وهو بمرأى منه ومسمع…. وأي إسلام له أبلغ من أن يدعه يموت جوعا وهو يجد ما يسد رمقه ويبقى حياته”[6].
ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “ولا يسلمه: أي لا يخذله فى مجال، ولا يتركه وحده فى ميدان، بل يكون ظهيرا له حيث كان”[7].
ويقول الشيخ القرضاوي أيضا بهذا الخصوص: “وإذا ترك المسلم أخاه، أو ترك المجتمع المسلم فردًا منه، فريسة للمرض دون أن يعالجه، فقد أسلمه وخذله بلا شك”[8].
ونحن عندما نترك هؤلاء الشباب يقدمون على الانتحار وقتل أنفسهم، فلأننا لم نقم بالواجب حيالهم، لم نرفع الظلم عن المظلوم منهم، لم نتكافل مع الفقير منهم الذي قض مضجعه شظف العيش وهمّ اللقمة، لم نداوي المريض منهم نفسيا وعضويا، ومن ثم أسلمناهم لهذا الاختيار المرير، خذلناهم بعبارة الحديث النبوي، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِن امْرِىءٍ يَخْذُلُ امْرأً مُسْلِماً في مَوْضِعٍ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ الله في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتهُ…)[9].
ويقول على بن أبى طالب كرم الله وجهه: “إن الله تعالى فرض على الأغنياء فى أموالهم بقدر ما يكفى فقراءهم، فإن جاعوا أو عَروا وجَهَدُوا فَبِمَنْعِ الأغنياء، وحَقَّ على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه”[10].
وإن كنا مجتمعا مدنيا ومسؤولين بهذه السلبية والخذلان حيال هؤلاء الشباب، توجب علينا أن نلقي اللوم على أنفسنا ابتداء، وأن نفكر في استراتيجية تكافلية -بما نسميه في منابرنا اليوم “سياسة تشاركية”- تجعل من أهم أولوياتها النهوض بوضعية الإنسان أولاّ باعتباره محورَ وأساسَ التنميات الأخرى، لأن الحاصل أن شريعتنا المطهرة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، والموازنة بين أنواع المصالح وأنواع المفاسد، وتقديم الأهم منها على ما هو دونه، ومن لم يفهم هذا فهو لم يفهم الشريعة كما ينبغي…

الهوامش:
[1] أخرجه البخاري في المظالم، باب: لا يظلم المسلم ولا يسلمه، رقم: 2310. ومسلم في البرّ والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، رقم: 2580.
[2] لسان العرب، لابن منظور (3/ 2080).
[3] فتح الباري – ابن حجر (5/ 97).
[4] المحلى – لابن حزم (6/ 157).
[5] المحلى – لابن حزم (11/ 143).
[6] السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، (ص: 148-149)- (ص: 468) بتصرف.
[7] خطب الشيخ محمد الغزالي (1/ 94).
[8] فقه الزكاة – يوسف القرضاوي (2/ 34).
[9] سنن أبي داود، كتاب: الأدب، باب: الرجل يذب عن عرض أخيه (4884)، وحسنه الشيخ الألباني، ينظر: صحيح الجامع الصغير، 2/992، ح:5690.
[10] انظر: حقوق الإنسان، محمد الغزالي (ص: 161).

قد يعجبك ايضا
Loading...