رأي في التعليم بين الجزار والنجار

في نفسي كيف اكتسب الجزار ثقة هذه الزبونة وقد علمتنا التجارب والحكايات انه لا ثقة بهذه المهنة ومحترفيها. تبادلنا الحديث حول مهنة التعليم والجزارة . قلت إنكم تعملون في أجواء من الراحة النفسية والاحترام والنظام عكس التعليم الذي يتطلب الصبر و الصحة النفسية والبدنية .
إن المدرس يجد نفسه بعد انتهاء الحصة متعبا متوترا مما يتسبب له في النسيان والكسل والقلق والانفعالات التي تؤدي إلى أمراض مزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم.
لم اسمع من قبل جوابا غير متوقع مثل هذا الجزار. انه يعاني من تحايل أشباه اللصوص كل يوم. لم افهم مضمون الكلام . فكان توضيحه كشكولا من الحالات التي صب من خلالها تهما لأسرة التعليم . كانت فرصة لاستعراض ما يكنه الجزار للتعليم مذكرا بحالة ابنه الذي يدرس بالتعليم الابتدائي ويدفع مبلغ 500 درهم مقابل الساعات الخصوصية وان جاره يدفع حوالي مليون لأستاذ بالتعليم العالي مقابل الساعات الخصوصية. وتعجب لجشع هؤلاء القوم وكل منهم يتقاضى أكثر من مليون شهريا داعيا لهم بالهداية لكن احد الحاضرين ادعى انه نجار اعترض على الدعاء بتلاوة الآية الكريمة ” إن الله لا يهدي القوم الظالمين” .
واستمر الجزار في حكاياته وشهاداته والحيرة والمرارة باديتان على محياه. أستاذ يمتلك شقة في الحي وشققا في أحياء أخرى اقتنى منه لحما بدين ولم يعد إليه. وأخر طلب منه وبعد أداء اليمين في ليلة من ليالي رمضان بأنه في حاجة لقدر من اللحم لان أهله محتا جون لوجبة السحور وهو لا يملك درهما. فلبى الجزار الطلب .ومنذ تلك الليلة ولمدة عدة أشهر لم يعد الرجل يتسوق منه . ولما التقاه الجزار صدفة طلب منه أداء الدين .استغرب الرجل وأزبد وأنكر . لكن الجزار ذكره باليوم والليلة والمبلغ . فدفع الرجل الدين وطلب من الجزار ألا يقبل منه طلبا مستقبلا بدون أداء. واقسم الاثنان على عدم اعتماد الدين في تعاملهما . وبعد أيام عاد الرجل يطلب اللحم بالدين . فذكره الجزار بالقسم , ولم يعطه لحما .
حاول النجار مرات عديدة الإدلاء بدلوه لكن سلطة الجزار بحكم الشفرة والمجزرة حالت دون طموحه. بينما كنت ارقب الجزار وهو يحضر القطع بدا الشوط الثاني مع حكايات النجار حيث قال إن العديد من الأساتذة أصبحوا مقاولين وتجارا وأرباب الأعمال بفضل المداخل التي تذرها عليهم الساعات الخصوصية. وهناك فئة من الطلبة حاصلون على شواهد عليا لم يقوموا بأي بحث أو مجهود فأصبحوا بقدرة قادر من ذوي الحقوق والفئات المتميزة التي يجب تشغيلها بشروط تكون أحيانا تعجيزي.
وروى النجار أن قريبا له يعمل بإحدى الدول الأوربية حضر مرة درسا لاجتياز الامتحان المهني. أعجب قريبه بالدرس اللغوي الذي قدمته أستاذة كانت غاية في الفصاحة و التبليغ والتجاوب مع التلاميذ. وبعد انتهاء الحصة تداولت اللجنة فيما بينها النقط الممنوحة للأستاذة. وكان قريبه متأكدا من نجاح الأستاذة . وفعلا تم التصريح بالنقط التي فاقت في اغلبها 15 على 20. لكن المنسق أعلن عن رسوب الأستاذة بسبب نقطة موجبة للرسوب. فطالب أعضاء اللجنة باطلاعهم على سلم التنقيط بالتفصيل . تدخل المسئول عن جانب التربية والقيم ليبرر النقطة التي فاجأت الجميع. لقد بالغت الأستاذة في التشويش على التلاميذ طوال الحصة بالنظر لحدائها و ترتيب شعرها بين كتفيها و….. ثم ذكرهم بميثاق التربية والقيم وان مثل هذه الأستاذة لا يليق بتربية الأجيال في بلد تتقدم الصدارة في التعليم والتكنولوجيا.
كان النجار والجزار يحاولان إقناع السامعين بآرائهما عبر الحكم والأمثال والرجوع بالذاكرة إلى أيام زمان عندما كان المدرس سيد قومه يستشهد الناس بقوله وسلوكه.كان قدوة لكل الفئات الاجتماعية ومشعلا في درب التوعية و التربية على القيم النبيلة.رغم انهم لم يدرسوا التربية وعلم النفس وانما كانت التربية تسكن نفوسهم والضمير المهني كان محركهم والقيم وقودهم والوطنية هدفهم .
وجدت نفسي فاقدا لشهية الغذاء .أحاور نفسي. هل أعود للجزار مرة أخرى أم أقاطعه بسبب المهانة التي أحسست بها .عندها راحت مذكرتي إلى حكايات الماضي وأغنية المرحوم السلاوي عن الجزار ومكره. إن المجتمع في حاجة للترميم فقد انهارت القيم والمبادئ و أصبح الضمير هو حب الشهوات والممتلكات بغض النظر عن الطريقة ما دامت الغاية تبرر الوسيلة. وإذا انعدمت الثقة في المدرس والمدرسة باعتبارهما مركزا للتربية قبل التعليم فيحق التساؤل عن الجهة التي يمكنها قيادة السفينة لإصلاح ما أفسده الدهر. لقد انعدمت الثقة بين مكونات المجتمع . هل نغرف من الماضي حيث صالت الأمة وجالت في ربوع العلوم والحضارة أم نقتني زخرفات الغرب لتزيين ما علق بنا من أدران.ولم أجد ما أواسي به نفسي إلا القول الحكيم ” خير الأمور أوسطها ” تلك المقولة التي كررها على مسامعنا احد أساتذتنا الأجلاء لكنه كان يضيف إليها عبارة ” إلا النار والطريق ” فوسطها خير من أطرافها.
أمران عبديل 8-12-2013

قد يعجبك ايضا
Loading...