تازة .. خلال السنوات الحرجة للتهدئة بالمغرب..

تطوان بلوس

إن النظر لباطن التاريخ وحده يوجِز ما ينبغي للإنسان كُلِّ إنسانٍ أن يتعلّمه من حوادث وأحوال ماضيه وحاضره لهندسة مستقبله. وأن الباحث في تاريخ المغرب وخاصة الذي بتزامنيةِ ومعاصَرةِ يجد نفسه مُثقلاً بأسئلةٍ من قبيل كيف نأمَنُ من أن يكون التاريخُ عِبئاً ثقيلاً وعائقاً. بهذه العبارات استهل ورتب الباحث والمؤرخ سمير  بوزويتة عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية سايس فاس، تقديما عميقاً لكتاب صدر  مؤخراً عن مطبعة الرباط نت بدعم من وزارة الثقافة، للباحث عبد السلام انويكًة بعنوان” تازة خلال السنوات الحرجة للتهدئة بالمغرب”. مضيفاً أن المؤلَّف يدفع لطرح سؤال الهدف من قراءة ماضي المغرب والمغاربة وسبل قراءته قراءة مقرونة باستخلاص العِبَر منه فهماً لحاضر البلاد واستشرافاً لمستقبلها، وفق ما يقتضيه أمر الوعيٍ بالمسؤولية وتقديرٍ ما ينبغي رفعه من تحديات. مشيراً الى أن هذا السياق والتوجه، التاريخ فيه ليس مجردَ سردٍ لأحداث ووقائعَ مضتْ ولا أرشَفة وتدوين وتحرير وتقييد…، بل أداةً للعبر من أجل غدٍ أفضلَ بركائزِ تنميةِ حاضرٍ واستشراف الآتي، تفعيلاً للماضي في الحاضر وجعْلِ ما هو ماضي لا يمضي إنما يتفاعل بقوةٍ مع راهنِ، بجعله معبراً أساساً لفهم ألْغازِه ومُنعَرجاته وأسراره.

إن غايةُ التاريخ إدراك الماضي كما كان لا كما نتوهَّم أنه كان- يقول الدكتور سمير بوزويتة في تقديمه للمؤلف-، متسائلاً حول سبل قراءة فترة استعمار كزمن تاريخي وجعلها مصدرَ إلهامٍ لفهم تضحية ومقاومة وليس مطيةَ استبداد بالتاريخ وفرضَ قراءةٍ أُحادية له. وحول سبل قراءة تاريخ مقاومة وفق رؤية هادئة- إدراك الاستعمار في حقل فكر متخلصٍ من الاستعمار- كذا سبل تبنِّى هذا التصور والحالة أننا لا زلنا نحيى مخلفات فترة الاستعمار. أسئلة وغيرها – يضيف- اجتهد كتاب: تازة: خلال السنوات الحرجة للتهدئة بالمغرب على عهد الحماية، للإجابة عنها مستمداً أهميتَه من تداخل المجالي بالتاريخي لتشكيل هوية مجالية وهوية شخصية مغربية عامة وشخصية تازة خاصة. بحيث بقدر ما احتاج الاستعمار للجغرافيا بهدف الهيمنة بقدر ما استمدت منها ردود فعل تازة قوتَها وممانعَتها، طرح ينتصر اليه الكتاب ويعتبره مكونا أساسياً من أجل فهمٍ عميقٍ لفكرٍ عسكري فرنسي طبع هذه الفترة الحرجة. فتغدو الجغرافيا فضاءَ قتلِ وغلبةِ ومقاومة وأداةً لفهمِ شَرَكِ التوتر بين رغبة وخوف وسطو واستعمار وقهر وتشريد، وبين مقاومة في أدقِّ مساراتها حيث المجال ينطق مقاومةً لأنه مَجْبول على تقديس بيئته. إن مسألة إحياء هويةِ وتراث وذاكرةِ وتاريخ تازة في تماساتها زمن الحماية – يضيف- اقتضت رَصْدَ ما هو احتلال ومقاومة، مما جعل الكتاب يقف بإمعانٍ ويرصُدُ بدقة ما هو تكتيك وخطط حربية ولوجيستيك وتقنيات. الشيء الذي جعله بقيمة مضافة في حقل تاريخ المغرب وتازة خلال فترة الحماية تحديداً، تنضاف له قوة أسلوبٍ ودقة تعبيرٍ وعمقَ منهج ورؤية.

من جانبه يذكر الأستاذ عبد السلام انويكًة في مقدمة مؤلفه هذا أنه ليس بالشيء الغريب أن تكون مدن ممرات المجال المغربي الشهيرة والاستراتيجية قبلة لأبحاث وباحثين، لِما كانت عليه من توجيه في ما شهده زمن المغرب من تفاعلات ووقائع. مضيفاً أنه بقدر خلفية هذه المدن بقدر ما كانت بحرص للسيطرة عليها منذ القدم، كما بالنسبة لتازة التي لم ترتبط فقط بنشأة كيانات سياسية مغربية منذ العصر الوسيط، بل بما أحيطت به من عناية بالغة الأهمية في إطار مشروع فرنسا الاستعماري مطلع القرن الماضي، كمجال فاصل بين شرق البلاد وغربها ما اعتبرته قياداتها سنداً هاماً بأولوية للتوغل في البلاد. مشيراً الى أن تازة شكلت هدفاً وعقدة مجالية لدى “ليوطي” لتميز موقعها ضمن المجال المغربي، ومن هنا ما حظيت به من عناية خاصة في جل ما تم إعداده من أبحاث إن قبل أو بعد فرض الحماية على البلاد. إذ لم يتم إغفال الحديث عنها في جل ما تناولته التقارير الأجنبية حول تاريخ البلاد ومشروع التوغل فيها، وأن هذا هو ما جعل وقائع تازة وجوارها تتأطر بما هو عسكري خلال فترة ما عُرف بالتهدئة.

وكتاب” تازة: خلال السنوات الحرجة للتهدئة بالمغرب 1912- 1925″ كعمل ونص تاريخي مونوغرافي، توزع على أحداث هامة تخص مدينة بممر جبلي كان بأثر عميق أثناء التوغل الفرنسي بالمغرب بعد فرض الحماية. وعلى ما ارتبط بهذه المدينة من تمركز عسكري فرنسي بعمران لا يزال شاهداً، بقدر ما يعني درجة تعبئة وانشغال القوات الفرنسية بهذا المجال، بقدر ما يعكس قوة مقاومةٍ محليةٍ كانت بتأثير قوي على خطط استعمار، جعلت المنطقة مسرحاً لمعارك هي بموقع خاص في ذاكرة وأرشيف فرنسا العسكري. ففي محور أول منه تمت مقاربة أساليب ومراحل توغل القوات الفرنسية بتازة، خاصة ما يتعلق أولا بعمل الاستعلامات والأنشطة الطبية التي اعتبرت ذات أولوية من أجل تسرب سلمي دون تكلفة بشرية، وثانياً بخطة إشراك المخزن والأعيان والأهالي ما اعتُمِد في عملية الاحتلال في إطار سياسة مغربة الحرب، وثالثاً بما أُحدِثَ من منشآت عسكرية على شكل أحزمة أمامية بالمنطقة. ورابعاً بما كان لـ”ليوطي” من استعجال تجاه ممر تازة، وهو الذي اعتمد استراتيجية توغل مرحلية تباينت بين فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى وما حصل خلالها وما جاء بعدها إلى غاية 1925.

وبحكم خبرته وإدراكه لحجم صعاب التهدئة بممر تازة ومنطقتها تبنى “ليوطي” خطة بآليات تدبيرٍ ثلاثة للعمليات، ما عمل الباحث على إبرازه في محور ثانٍ من خلال مقاربته لما هو تكتيك. وفيما يتعلق بما هو لوجستي إمدادي للعمليات توجه بعنايته لابراز دور وسائل النقل في تموين الجبهات، كذا بنية ما تم اعتماده من قوات فرنسية بهذا المجال خلال هذه الفترة الدقيقة من زمن مغرب الحماية. بحديثه عن قوات نظامية جمعت فرقاً متنقلة ومشاة وقناصةً وفرق هندسة ومدفعية ودبابات، كذا طيران حربي أسهم به في تسهيل التوغل اضافة لقوات احتياطية ضمت الكًوم والمحلة والمتعاونين والمخزن.

وحول ما هو استباقي استنزافي للمقاومة تحدث صاحب المؤلف عن أسلوب التحكم في موارد القبائل، من خلال ضرب مجالها الحيوي وتضييق الخناق عليها واحتلال مجالها تدريجياً مع إحكام رقابة على أسواقها باعادة توجيه مواقعها أمنياً. مشيراً في اطار التماس الترابي الى أن القيادة العسكرية الفرنسية اعتبرت عملياتها ضد محمد بن عبد الكريم غير بعيد عن تازة، مرحلة ثانية في توغلها لرسم حدود نهائية بينها وبين اسبانيا بالمغرب. وأن استراتيجية احتلال تازة وممرها ومحيطها تأثرت بردود فعل قبلية قوية، مستفيدة من بيئة محلية ومن متغيرات جعلت عملية التوغل بكلفة زمنية وبشرية وسياسية عالية. وهذا ما تحدث عنه في محور ثالث من الكتاب ركز فيه على استراتيجية المقاومة خلال هذه الفترة، من خلال رصد علاقتها بوقائع داخلية إلى غاية احتلال تازة مروراً بأيام فاس الدامية وحدث فرض الحماية على البلاد.

كتاب “تازة خلال السنوات الحرجة للتهدئة بالمغرب”، والذي يشكل قيمة مضافة للخزانة التاريخية المحلية والجهوية ومعهما الوطنية، جاء غنياً بعشرات الصور عن الأرشيف الفرنسي الاستعماري بإحالات هامة ذات علاقة بزمن المدينة خلال هذه الفترة الدقيقة من الحماية. ناهيك عن ببليوغرافيا غنية بنصوص ووثائق باللغتين العربية والفرنسية بحوالي ثلاثمائة عنوان، فضلاً عن فهرس لأسماء الأماكن والأعلام البشرية. وقد انتهى المؤلف في خلاصة عمله الى أن دراسة ما حصل من وقائع وتطورات سواء تعلق الأمر بمدن أو بوادي المغرب خلال زمن ما عُرف بالتهدئة، هو بحاجة لمادة وثائقية علمية واختبار ما ورد بها من وصف وحقائق وكرونولوجيا. وأن دراسة تاريخ المغرب في إطار منوغرافي محلي وجهوي لا يزال بحاجة لمزيد من الاهتمام والعناية من قبل الباحثين والدارسين مادام أنه خيار منهجي بأثر في معرفة ماضي البلاد، وأن تعميق العناية بهذا التوجه من شأنه رسم معالم ما هو شامل وعام وتحقيق مزيد من التراكم. وأن هذا الكتاب الذي يروم إثراء معرفة تاريخ المغرب المحلي وتاريخ تازة تحديداً كمدينة ممر من الممرات الجبلية الفاصلة المغربية، استهدف تلمس أجوبة لأسئلة متداخلة من قبيل خيار القوات الفرنسية لجهة الغرب عوض الشرق من أجل بلوغ فاس1912. وما كان للتوغل بتازة من كلفة مادية وزمنية أخرت سياسة ما عُرف بتهدئة ليوطي، اضافة لِما حصل من تعديل في خطط العمليات بسبب طبيعة مجال وقبائل مستوطنة.

وعلى أساس ما يطبع تازة وما يميزها من مناعة طبيعية ومن قبائل بتقاليد حربية- يضيف في خلاصته-، يتبين سبب منشأ حركات مناوئة للمخزن كالتي قادها الفقيه الزرهوني مطلع ق20م، وبروز زعامات قادت المقاومة بها بعد فرض الحماية الفرنسية على البلاد. ورغم تحول تازة بعد احتلالها إلى قاعدة عسكرية على إثر ما تركز بها من معسكرات وقيادة، فإن هذا الإجراء الاستراتيجي لم يمنع من عدم استقرار الوضع بها الى غاية نهاية حرب الريف. مشيراً الى أن خاصية مجال تازة لم يكن عاملا مؤثراً وموجها لوقائع عسكرية وأساس ما استهدفه وخلفه بن عبد الكريم من تهديد وتخوف فقط، بل أيضاً قاعدة خلفية احتياطية هامة لمقاومة محلية مسلحة ضمن قتال غير متكافئ عُدة وعتاداً وتخطيطاً وتدبيراً خلال فترة ما عُرف بالتهدئة. وأن فرنسا لم تكن مستعدة للتخلي عن تازة وممرها على أساس أن أي تدخل فيه كان من شأنه إحداث خلل في الاتصال، ليس فقط بين شرق البلاد وغربها بل في العلاقة بينها وبين الجزائر. لدرجة استعدادها للقيام بكل شيء من أجل ممر حيوي بما في ذلك استعمال ما هو غير عاد من الأسلحة، كقناعة وخيار انتهى اليه ليوطي بفاس بعد مشاورات تم فيها تداول الوضع مع قادته العسكريين. وقد اتضح أن تخوف فرنسا حول ممر تازة خلال هذه الفترة هو ما انبنى عليه تنسيقها مع اسبانيا لإنهاء حرب الريف، ونقل زعيمها بعد استسلامه إلى تازة مرحليا ومؤقتا بهدف توجيه إشاراتها لما كان لا يزال قائما بجوارها من مقاومة. إن ما جاء في كتاب “تازة خلال السنوات الحرجة للتهدئة بالمغرب”- يقول المؤلف- لا يعني أنه استنفد وقائع تازة خلال فترة ما عُرف بالتهدئة، وأن عمل البحث في حقل التاريخ أمر مستمر متجدد بتجدد الوثائق والمقاربات والأسئلة.

يبقى الاصدار  بحق قيمة مضافة بدرجة عالية من القيمة والمضافة والأهمية لفائدة المكتبة التاريخية المغربية، في ارتباط بمدينة هي بتاريخ وشواهد وتراث مادي ورمزي غني (تازة)، وفي ارتباط ايضاً بممر استراتيجي شهير في المجال المغربي بممر تازة الذي يصل شرق البلاد بغربها حيث يلتقي الأطلس المتوسط جنوباً بجبال الريف شمالاً ضمن أعالي وادي ايناون.

 

قد يعجبك ايضا
Loading...