لنصوت ضد العبث !

رغم ما أصبح عليه المشهد السياسي ببلادنا من بؤس وضبابية يبعثان على التقزز والاشمئزاز، من حيث انحراف الفعل السياسي عن أبعاده النبيلة في خدمة الفرد والمجتمع، وما صار عليه بعض السياسيين من انتهازية وتذبذب في المواقف وتنكر للمبادئ والقيم الفاضلة، مرجحين مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة على المصلحة العليا للوطن وأبنائه، مازالت هناك فئة من المواطنين على قلتها حريصة على المشاركة الدائمة في الاستحقاقات الانتخابية والتصويت الحر، متمسكة بالأمل في أن يأتي يوم تنفرج فيه الغيوم وتشرق شمس التغيير.

بيد أنه في المقابل هناك شرائح اجتماعية واسعة خاصة الشباب منهم، يصرون بقوة على مقاطعة الانتخابات بعد أن أصيبوا بالإحباط وخاب ظنهم في المنتخبين، حيث أنهم سئموا انتظار تحسن الأحوال وفقدوا الثقة في جميع الأحزاب السياسية التي تخلت عن دورها التأطيري، الذي تتلقى مقابله دعما ماليا هاما من أموال الشعب، وآثروا التفرج من بعيد على ما يجري حولهم من ميوعة، تتمثل في تدني مستوى الخطاب السياسي، المزايدات السياسوية وتصفية الحسابات والتهافت على المناصب والمكاسب، وهو ما يفسر هذا العزوف السياسي الكبير وتناقص نسبة المشاركة الانتخابية.

وإذ نربأ بأنفسنا عن التدخل في قناعات هؤلاء المواطنين وعدم مؤاخذتهم على مواقفهم، باعتبارها مسألة خاصة تندرج في إطار حريتهم الشخصية التي لا يحق لأي كان انتهاكها مهما كانت سلبية، أو هي إعلان صريح منهم عن رفضهم للواقع السياسي المتردي، الذي اختلط فيه الحابل بالنابل وأضحى معه العمل السياسي مجرد جسر للعبور نحو الاغتناء الفاحش، وبعيدا عما يشاع عن إمكانية اللجوء إلى اعتماد إلزامية التصويت، للحد من ظاهرة العزوف الانتخابي.

فإن الغيرة الوطنية تحتم علينا وقفة تأمل عميقة ومراجعة الذات، لإيقاف هذا المسلسل من العبث، باستحضار روح المواطنة الخالصة والانخراط في بناء مغرب جديد يتسع لكل أبنائه دون إقصاء أحد، مغرب الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. التصدي لكل أشكال الفساد والريع واستنزاف خيرات البلاد من قبل بعض الشخصيات والأسر النافذة، وإغلاق جميع السبل أمام الكائنات السياسية وسماسرة الانتخابات، الذين لا يجدون غضاضة في الانقضاض على أصوات ضحاياهم من الناخبات والناخبين، مستعملين كل أساليب الإغواء سواء عبر الخطاب الديني أو المال الفاسد…

إذ كيف لمن يحب وطنه ويعتز بانتمائه للمغرب، أن يراه أسيرا في قبضة العابثين دون أن يهب لإنقاذه، متغاضيا عما يتعرض إليه من بهدلة وامتصاص دماء أبنائه من قبل الانتهازيين والمقامرين، ومكتفيا فقط بالانتقادات اللامجدية من داخل المقاهي ومواقع التواصل الاجتماعي وعلى صفحات الجرائد الورقية وسواها، ناسيا أن شرفاء الوطن قدموا تضحيات عظيمة واسترخصوا أرواحهم من أجل استقلاله ورفعته؟ فمن المرفوض الاستمرار في الاستكانة للذل والتهميش والتغاضي عما كشفت عنه جائحة “كوفيد -19” من تواضع البنية التحتية الصحية وضعف المنظومة التعليمية وغير ذلك من الاختلالات والمطبات، بفعل الارتجال والقرارات اللاشعبية وسوء التدبير وغياب الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتفشي الفساد، خاصة في عهد حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، القائد للحكومة لولايتين متتاليتين منذ عام 2012.

فالبيجيدي جاء للسلطة رافعا شعارات براقة، متوعدا المفسدين بالويل والثبور وواعدا المواطنين بتخليق الحياة العامة والارتقاء بجودة الخدمات الاجتماعية، بإصلاح الإدارة ومنظومتي التعليم والصحة، رفع معدل النمو الاقتصادي، تشجيع الاستثمار وتحسين ظروف العيش، الحد من نسب الفقر والأمية والبطالة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. وكانت جميع شروط النجاح في تدبير الشأن العام مهيأة له على كافة المستويات، من حيث الإرادة الملكية، الوثيقة الدستورية، الدعم الشعبي والاستقرار. لكن سرعان ما اتضح أن العقلية الرجعية لقادته وفي مقدمتهم أمينه العام السابق ابن كيران، لم تسمح لهم عدا بالتلاعب بالعقول ودغدغة العواطف لتمرير القرارات والقوانين المجحفة وتنفيذ توصيات المؤسسات المالية، مستخدمين كل أساليب الدهاء غير مبالين بانتظارات الجماهير الشعبية. وها هو خلفه العثماني يسير على خطاه في اتجاه طمس ما تبقى من حقوق وحريات ومكاسب اجتماعية. هل هي إغراءات المناصب والامتيازات، أم هو ضعف الخبرة والافتقار إلى مشروع مجتمعي واضح ونموذج تنموي حقيقي، أم هي أشياء خفية أم  كل هذه العوامل مجتمعة؟

وبصرف النظر عن أسباب فشل “الإخوان” في إدارة الشأن العام، سواء في حكومة ذي أكبر معاش استثنائي، الذي خلصنا الوباء من خرجاته الاستفزازية أو في حكومة “البكماني”، فالمغاربة لن ينسوا أبدا ما تم في عهدهما من  فضائح متوالية وإجهاز على أهم المكتسبات: تقاعد، إضراب، وظيفة عمومية… ضرب القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة، التضييق على الحريات وقمع التظاهرات السلمية، تفاحش الفساد والريع وتفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية، ارتفاع معدلات المديونية والفقر والأمية والبطالة والهدر المدرسي، وتصاعد موجة الحركات الاحتجاجية والتوتر، مما بات يهدد الاستقرار.

ولأن العزوف الانتخابي لن يخدم إلا مصلحة “الباجدة”، فإن الضرورة تستلزم وضع حد للامبالاة، وطي صفحة الحزب الذي حول حياتنا إلى جحيم، جاعلا من ازدواجية الخطاب والمظلومية ونظرية المؤامرة والعمل الإحساني المتواصل و”الذباب الإلكتروني”، أسلحة “فتاكة” في تدمير العقول وكسب المعارك الانتخابية أمام أحزاب أنهكتها الصراعات الداخلية والانشقاقات، والاستيلاء على أهم المناصب والمكاسب. وليس هناك من وسيلة أفضل للتخلص منه عدا التصويت العقابي ضد مرشحيه، لفائدة نخب جديدة قادرة على تحمل المسؤولية والنهوض بأوضاع البلاد والعباد…

اسماعيل الحلوتي

قد يعجبك ايضا
Loading...