كل الأيام العالمية كذبة سوداء

كل الأيام العالمية (اليوم العالمي لحقوق الإنسان، اليوم العالمي للمرأة، اليوم العالمي للمدرس، اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، اليوم العالمي للطفل…)، وتوأمتها الوطنية، أضحت مناسبات للضحك على الذقون وامتصاص الغضب والسعي الى تقليص درجات الاحتقان. إن كل يوم من هذه الأيام صار كباقي الأيام العادية أسودا، وللدقة كذبة سوداء. فالجهة التي صنعت هذه الأيام، أي الأمم المتحدة، تسيء اليها وتكرس هيمنة أسيادها، أي الامبريالية؛ وتفسح المجال أمام الأنظمة الرجعية للإجهاز على المكتسبات المنتزعة بفضل التضحيات الجسيمة، ولتنزيل المخططات الطبقية المدمرة، ومنها استهداف الوظيفة والمدرسة العموميتين والحق في الإضراب وباقي أشكال وقلع المقاومة…
لنقترب أكثر من المدرسات والمدرسين، بماذا نفسر تهنئة الوزارة الوصية سنويا لنساء ورجال التربية والتكوين بمناسبة اليوم العالمي للمدرس، 05 أكتوبر (ذكرى إصدار التوصية المشتركة بين اليونيسكو ومنظمة العمل الدولية حول أوضاع المدرس سنة 1966)، وهي المسؤولة (بالنيابة) عن تعميق معاناتهم وآلامهم (التقاعد، التعاقد، شروط الاشتغال…) والإجهاز على مكتسباتهم؟!! من المسؤل عن مرسوم تجميد الترقيات، مثلا؟!!
من يُفصل “الملفات” تفصيلا، أي فرق تسد (الإدارة التربوية، الترقي بالشهادات، المكلفون خارج سلكهم، أطر التوجيه والتخطيط، دكاترة التربية الوطنية، المساعدون التقنيون والمساعدون الإداريون، المقصيون من خارج السلم ومن الدرجة الجديدة، الملحقون التربويون، ملحقو الاقتصاد والإدارة، المبرزون والمستبرزون، المفتشون، أطر التسيير المالي والإداري…؟!!
ما دلالة شعار الأمم المتحدة لهذه السنة “المدرسون: القيادة في أوقات الأزمات وإعادة تصور المستقبل”؟!!
هل الأمر يعني فعلا الشغيلة التعليمية المغربية المقموعة والغارقة في مخططات الذل والإهانات؟!! لا أعتقد أن هذا الشعار يتلاءم وواقعنا المر الذي يغيب فيه الاعتراف والتحفيز والمسؤولية والمحاسبة، ويسود فيه بالمقابل الفساد والإفلات من العقاب..
هل لشعار وزارتنا الوصية هذا الموسم “من أجل مدرسة متجددة ومنصفة ومواطنة ودامجة” أثر ملموس داخل مؤسساتنا التعليمية؟!!
شعار “جميل” يكثف معاني الحكامة والنضج؛ لكن، لا طعم ولا لون له على أرض الواقع..!!
كفى من “استبلاد” المدرس/ة ومن خلاله بنات وأبناء شعبنا..!!
فواقع التعليم ببلادنا، كما الصحة والتشغيل والسكن…، مؤشرات تفضح إمعان النظام في تفقير وتجهيل شعبنا لضمان استمراريته. إن الأوضاع المزرية للمدرسات والمدرسين لا تخفى على أحد ولا تختلف عن أوضاع الشغيلة عموما بمختلف القطاعات. وقد تفاقمت بفعل الوضع الوبائي الحالي كمشجب لتبرير الإقصاء ومصادرة الحق في الاحتجاج والرفض، وبالمقابل فرض الأمر الواقع المزري والبئيس.
إنه بدل الأسلوب التقليدي للإشادة الفارغة والعاطفية وبدل إطلاق المبادرات والمشاريع المرتجلة والمستحيلة بدون متابعة أو تقييم (البكالوريا المهنية والمسار المهني مثلا، حيث نستغرب كيف فُصلا على مقاس التعليم العمومي فقط) وبدون محاسبة (البرنامج الاستعجالي مثلا)، المطلوب الاستجابة الواقعية لأبسط المطالب العادلة والمشروعة. فنجاح أي مبادرة أو مشروع تربوي (جماعات الممارسات المهنية مثلا أو ما يتصل بها كمشروع المؤسسة أو الأستاذ/ة الرئيس/ة أو منسق/ة الحياة المدرسية أو apt2c…) رهين بتوفير الشروط اللازمة للتحفيز والتنزيل، وفي مقدمتها الاستجابة الفورية للمطالب المستحقة.
إن المدرس/ة لا يحتاج الى الكلام المنمق من طرف الوزير أو غيره، كما لا يحتاج الى الشعارات البراقة من طرف من يدعي الدفاع عنه. لقد “شبع” الكلام المنمق والشعارات الفارغة، والوعود أيضا. وصار مثخنا بجراح التهميش والإهمال ومتخما من مسلسلات “الإصلاح” التي لا تنتهي، وآخرها “الرؤية الاستراتيجية”..
نتفهم التخليد الرمزي لهذه المحطات من طرف المعنيين والمتضامنين معهم، كتعبير عن تسجيل الاعتزاز وإعلان الحضور الإيجابي والمنتج من جهة، وكلحظة حميمية لتقاسم الحزن والفرح من جهة أخرى. لكن ما لم تتحول هذه المناسبات الى بؤر تعبوية حارقة لمواصلة النضال المنظم، ودائما من طرف المعنيين وليس بالوكالة، فلن يكون هناك اعتزاز ولا اعتراف ولا حضور، ولا تقاسم حتى…
إن الأيام الدولية ليست أعراسا للاحتفال، كما ليست مآتم للتباكي..
ومن بين نقط ضعف الشغيلة التعليمية اليوم ضعف الذاكرة النضالية وفقدان الثقة في العمل النقابي والسياسي والجمعوي والسقوط في الفئوية (التشرذم النقابي) والأنانية المفرطة وتسلط قيادات انتهازية غارقة في وحل المساومة والرضوخ للأمر الواقع المسطر من طرف المؤسسات المالية الدولية، صندوق النقد الدولي والبنك العالمي..
لا بديل عن العمل النقابي المؤطر، لكن ليس بمعنى تمجيد الإطارات الميتة والقيادات والرموز البيروقراطية وتغذية أطماعها المادية والمعنوية، والتعايش مع تواطؤها وقبول مهادنتها الماكرة وأساليب عملها القائمة على الكولسة والغموض والتضليل؛ والأخطر “الاجتهاد” والسعي الحثيث الى تبرير كل ذلك الإرث الثقيل من التخاذل والإساءة الى الشغيلة وعموم شعبنا. إننا مع العمل النقابي المكافح كآلية ميدانية وواجهة نضالية لانتزاع المكتسبات بالنسبة لكافة الشغيلة، وخاصة العمالية. علما أن مسؤولية المدرس/ة قائمة فيما يخص الانخراط الفعلي والمستمر في المعارك النضالية في شموليتها والمساهمة في رقيها وتطويرها رغم إكراه الواقع السياسي الموبوء. وللشغيلة التعليمية رصيد نضالي تاريخي (تضحيات وبطولات 1979 مثلا، وما ترتب عنها من توقيف وطرد واعتقال…)، لابد من صيانته وتخصيبه وتلميعه بمزيد من التضحيات والبطولات…
إنها معركة متواصلة.. فما حك جلدك مثل ظفرك…
كل التحية والتقدير لنساء ورجال التربية والتكوين..

قد يعجبك ايضا
Loading...