الفندق الكبير

إسماعيل عمران

بعد عناء السفر والزيارات يــــأوي السائح إلى فندقه ليستريح وقد تمتع بمـــا قدم إليه من خدمات وما استمتع به من زيارات ، وكذلك جعل الله سبحانه الأرض ليسيح  الإنسان فيها ويستمتع بما فيها من نعم على هدى من الله وسنن رسله ثم يحاسبه الله عز وجل بعد الموت إما جنات النعيم إن كان عمله صالحا أو سواء الجحيم إن كان عمله طالحا . جاء في حديث قدسي” أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر[1] تدل عليه الآية الكريمة (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِـــنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [2] .

إن تحمل مسؤولية الاستخلاف في الأرض خافت منها مخلوقات أقوى من الإنسان  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَـــــهُولا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُــــنَافِقَاتِ َوالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْـــــرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَـــــلَى   الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) [3] .

تبين لنا آيات القرآن الكريم أن تحمل الأمـــــانة يستوجب القول السديد والعمل الصالح الدؤوب والصـــبر الجميل وتحمل مشاق العبادة والطاعة ، كما جاء في قوله سبحانه ( لقَدْ خَــلَقْنَا الإِنسَــانَ فِي كَبَدٍ )[4] ، وقوله (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ )[5] .إن تحمل الأمانة عبء ثقيل نظرا لضعف الإنسان وكثرة شهوات الدنيا ومـــــا فيها من ابتلاءات وأعداء يثنونه عن طـــــاعة الله . جاء عن النبي  صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ: “حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَوَاتِ[6].

إن حب الدنيا والبقاء فيها والتمتع بشهواتها هي من أعظم الابتلاءات ، كحب المال والذهب والسلطة والتكبر والرياء والنفاق الخ. أما الأعداء فهم : شياطين الجن والإنس وهوى النفس (إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [7]، (يا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا) [8] ، وهوى النفس الأمارة بالسوء (وَمَا أُبَرِّئُ َفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ )[9]، وفتنة بعض الأزواج والأولاد الذين يدفعون أزواجهم وآباءهم إلى عصيان الله وفعل المحرمات والمنكرات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [10] .

إن أصحاب النار هم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ويعتقدون أنهم يحسنون صنعا ، خسروا أنفسهم وأهليهم يوم الحساب:كفروا بالله ولم يطيعوه واتخذوا آياته هزؤا، وكانوا يسعون في الأرض فسادا ، جزاؤهم العذاب المقيم ، ولباسُهم وسرابيلهم من قطران، وطعامهم من غسلين وضّريع وحميم وتقلب وجوههم في النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبـــــُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَـــــوَاء الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ) [11].

أما أصحاب الجنة فتحيتهم يوم يلقون ربهم سلام وأعد لهم أجرا عظيما. (يا عِبَادِ لاخَوْفٌ عَلَيْكُمُ  الْيَوْمَ وَلا أَنتُمْ  تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[12] ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ . كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهـَا بِكــــُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ  الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .) [13] .

جاءت أحاديث نبوية كثيرة تصف الجنة والحياة فيها وأحوال اصحابها منها مثلا : إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة ؟ وتنجنا من النار؟، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [14] . وتدل عليه الآية الكريمة ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ  إِلَى رَبِّهَا نَاظِرة ) [15] .

إن أسمى ما يمكن أن يدركه إنسان في حياته الدنيا هو عبادة الله وطاعته ليذوق حلاوة الإيمان كما جاء ذلك في القرآن الكريم وكما بلغه رسوله صلى الله عليه وسلم بقول وعمل، وإذا أخطأ الإنسان بتغافل أو نسيان أو نزغ من الشيطان فلا يحزن فلقد خلق الإنسان ضعيفا فما عليه إلا أن يعود إلى الله ويستغفره ويتوب توبة نصوحا .

يقول صلى الله عليه وسلم “إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها[16]. ويقول صلى الله عليه وسلم ( لَلّهُ أشدُّ فْرَحا بتوبةِ عبده من أحدِكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ فَانْفَلَتتْ وعليها طعامُه وشرابهُ فَأَيسَ منها ، فأتَى شَجرة فاضطَجَع في ظِلِّها قد أيسَ من راحلته فبينا هو كذلك ، إذا هو بها قائمةٌ عنده ، فأخذ بخِطامِها ثم قال من شِدَّة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربكَ – أخطأ من شدة الفرح)[17] .

إن الله سبحانه وتعالى ، الغفور الرحيم ، يريد أن يتوب على عباده ويخفف عنهم ويحثهم على ذلك لأنه هو الحليم  الكريم ، ويقول في كتابه عز وجل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا توبوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّــــكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي من  تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)[18] .ويقول سبحانه ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [19] .

إن الله الرحمن الرحيم لا يغفر فقط لعباده المذنبين بل يبدل سيئاتهم حسنات إن هم تابوا توبة نصوحا (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) [20] . قال النبي صلى الله عليه وسلم ” كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، قيل يا رسول الله ومن يأبى ؟ ، قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى” ويشهد على ذلك قول الله سبحانه (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا )[21].

وهكذا يتبين لنا أن كل المؤمنين يدخلون الجنة كما قال النبي صلى الله إلا من أبى ، فما علينا نحن المسلمين إلا أن نرجع إلى الله سبحانه ونعمل بما أنزله في كتابه وبينه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله وعمله لنسعد في حياتنا الدنيا ونفوز في الآخرة مصداقا لقول الحق سبحانه ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) [22] .. والحمد لله رب العالمين .

ismailemran@gmail.com

 

[1]  حديث قدسي مشهور

[2]  سورة السجدة 17

[3]  سورة الأحزاب 70/73

[4]  سورة البلد

[5]  سورة الانشقاق 6

 رواه البخاري ومسلم          fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=show fatwa…Id [6]

[7]  سورة فاطر 6

[8]  سورة الفرقان 28/29

[9]  سورة يوسف 53

[10]  سورة التغابن 14

[11]  سورة الزخرف 68/70

[12]  سورة الزخرف 70/72

[13] سورة الدخان 43/57

[14]  حديث رواه مسلم                                                                                                         Idem.

[15]  سورة القيامة 22/23

[16]  حديث في صحيح مسلم        https://akhawat.islamway.net/forum/index.php?showtopic=238751

[17] http://www.nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=12499

[18]  سورة التحريم 8

[19] سورة الزمر الآية : 53

[20]  سورة الفرقان 70

[21]  سورة النساء 80

[22]  سورة النحل الآية 89

قد يعجبك ايضا
Loading...