الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي يحاضر في موضوع: “معجم الرهوني للغة العربية العامية، وقضايا اللغة العربية “

tetouanplus
واصل النشاط المنبري بمركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية، التابع للرابطة المحمدية للعلماء تحت إشراف الخبير بالرابطة الأستاذ الدكتور حسن الوراكلي، يوم الأربعاء التاسع محرم 1435 هـ الموافق 13 نونبر 2013 م أنشطته بمحاضرة بعنوان ” معجم الرهوني للغة العربية العامية، وقضايا اللغة العربية ” ألقاها الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان.
وكعادته في افتتاح النشاط المنبري قدم الدكتور محمد المعلمي رئيس المركز ورقة تقديمية بين يدي المحاضرة أشار فيها إلى أربع محطات بارزة في مسيرة اللغة العربية.
المحطة الأولى: تحدث فيها عن توسع حدود الدولة العربية وازدياد اختلاط العرب بالأعاجم والذي رافقه شيوع اللحن على ألسنة العجم المستعربين ثم على ألسنة من خالطهم من العرب فيما بعد، فكان الرد هو التفكير في وضع ضوابط ومبادئ عامة يهتدي بها العرب والمستعربون في ضبط الكلام العربي، ثم تطور الأمر إلى وضع علم النحو العربي بعد القيام بدراسة تحليلية واسعة للهجات العربية السائدة يومئذ في قبائل في الجزيرة العربية (الحجاز، تميم، هذيل، طئ).
والمحطة الثانية: تناول فيها إقبال علماء الغرب الإسلامي على اللغة العربية درسا وتدريسا، ويكفي التذكير في هذا المقام ـ يقول الدكتورـ ما عرفته حاضرة سبتة “بصرة المغرب” كما وصفها ابن الخطيب، من نشاط لغوي ونحوي كان من أبرز أعلامه أبو الحسين عبيد الله ابن أبي الربيع السبتي (599- 688هـ)، ولمن أراد الوقوف على المزيد من جهود علمائنا في خدمة لغتهم فليراجع كتاب أستاذنا فضيلة د.حسن الوراكلي ” شيوخ العلم وكتب الدرس في سبتة”.
أما المحطة الثالثة: فتحدث فيها عن إسهام علماء المغرب في تثبيت اللغة العربية واستعمالها في كتاباتهم ومخاطباتهم ومحاضراتهم مما جعلها حاضرة بقوة في كل اللهجات المغربية التي تتمتع كل واحدة منها بخصوصيتها المنبثقة من عوامل جغرافية واجتماعية وحضارية.
واستحضر الدكتور في هذا الصدد كتاب “إضاءة الراموس وإضافة الناموس لابن الطيب الفاسي الشركي (1110 – 1170هـ) وهو حاشية على القاموس المحيط للفيروزأبادي؛ غدا بعد ذلك أصلا من الأصول التي اعتمدها صاحب تاج العروس “الزبيدي”.
في هذا السياق تأتي المحطة الرابعة من هذه الورقة حيث يندرج موضوع محاضرة اليوم التي يتفضل بإلقائها مشكورا الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي”معجم الرهوني للغة العربية العامية التطوانية” والمحاضر يعمل أستاذا للتعليم العالي في كلية الآداب جامعة عبد الملك السعدي (كرسي الأدب المغربي والأسطورة)، ويتمتع بسيرة علمية حافلة بالمنجزات على الصعيد الجامعي والشأن الثقافي العام في نطاق موقعه داخل الجمعيات والمجالس، فهو رئيس اللجنة الثقافية في جمعية تطاون أسمير، وكاتب عام في الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية، ومنسق لجنة العمل الثقافي والاجتماعي بالمجلس العلمي المحلي بتطوان، وله مشاركات علمية وثقافية في ندوات وملتقيات داخل المغرب وخارجه، وله دراسات أدبية ونقدية وفكرية وتاريخية بالعربية والفرنسية والإسبانية، حقق أعمالا عديدة منها “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين”للرهوني (10 أجزاء)، وراجع أعمالا شتى منها “النعيم المقيم” للعلامة المرير (8 أجزاء)، وقدم عدة كتب منها “معجم الرهوني للغة العربية العامية التطوانية ” دراسة وتهذيب زينب ابن عبود.
بعدها أعطى الدكتور رئيس المركز الكلمة للأستاذ المحاضر لإلقاء محاضرته في موضوع: “معجم الرهوني للغة العربية العامية، وقضايا اللغة العربية “.
استهل المحاضر كلامه بالحديث عن “معجم الرهوني للغة العربية العامية” والأسباب التي دفعت الرهوني إلى وضع هذا المعجم وتضمينه في كتاب للتاريخ، معتبرا الأمر ظاهرة معقدة وليس من السهل تفسيرها، ما لم ندخل إلى عالم الرهوني المعجمي ومحاولة فهم تلك الأسباب ودوافعها.
بعدها تحدث المحاضر عن كون اللغة العربية هي لسان القرآن الكريم، وهي مذ كانت ذات طابع مزدوج (فصيح /عامي) حيث نجد في العصر الجاهلي ما سمي بـ: (الكَشْكَشة، والكسكسة، والفحفحة، والعجعجة…) وأن هناك لغات كثير من القبائل التي كانت مجاورة للأعاجم رفضت (لخم، غسان،…).
وقضية الازدواج اللغوي – يقول الدكتور- مسألة طبيعية موجودة في كل لغات العالم،{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } [الروم: 22]، ومن ثم لا ينبغي أن نخاف أو تقشعر أبداننا إذا ما هول من أمر الازدواج اللغوي.
ثم عرج المحاضر على عصر التدوين وكونه كان منصبا على خدمة القرآن الكريم باعتباره محرك الحضارة كلها، وعلى ما بذل من المجهود المعجمي في العصر العباسي والمملوكي والذي تمثل في خدمة وإعادة إنتاج معجم العين ورسائل الأصمعي إما تصحيحا أو استدراكا أو توثيقا له بالشواهد…
ويستمر حديث المحاضر تمهيدا للحديث عن “معجم الرهوني” عن ما عرفته اللغة العربية من تطور هائل لا يتصور من الأندلس حتى أفغانستان المسلمة، ومن مظاهر هذا التطور الاهتمام بدراسة المصطلحات حيث أنشئ لهذا معاجم في مختلف الموضوعات (الأسماء والأنساب والألقاب والكنى، والأماكن، ومعجم الصوفية، والفلسفة…).
لكن بقيت في هذا الإطار ثغرة كبيرة هي “اللغة العامية” وهو جانب ظل حسب الدكتور مغمورا لا يعبأ به على جلالته، ومن ثم تساءل: أين نجد التفكير في العامية؟ مجيبا: أننا نجده بشكل محدود في كتب الصيدلة والنباتات، حيث وضعت لها معاجم مزدوجة تروم شرح بعض العقاقير والنباتات بما يقابلها في لغة العوام، وهذا المجهود في هذا الجانب لا يحل الاشكالات العلمية القائمة بين الفصحى والعامية ومحاولة التقريب بينهما.
والغرب الإسلامي عرف أيضا تقصيرا في المعاجم المزدوجة، وحالة أبي الطيب الشركي هي حالة نادرة، فالمغاربة قصروا أيضا في هذا الجانب.
ونظرا للتقصير في هذه الثغرة اشتغل المستشرقون بهذا الجانب، فمنذ القرن التاسع عشر ظهرت معاجم مزدوجة بين العربية والعامية، أوعامية خالصة، باللغة الفرنسية أوالانجليزية، حيث نجد في هذا السياق معجم الأب لاتشوندي الذي كان يعيش بتطوان (1870م) وكان عميلا للمخابرات، وخصائص معاجم المستشرقين أنها انصبت على مصطلحات قطاعات معينة أو أماكن معينة بما يخدم الأهداف الاستعمارية…
ويدخل المحاضر إلى عالم الرهوني المعجمي، مصرحا أن الرهوني لم يطرح نفسه كأنه معجمي، بل هو مؤرخ يكتب التاريخ من منطلق الشفاهة والمنقبة، وأنه كان عبقريا وسابقا لزمانه حيث استوعب منهج شيخه جعفر الكتاني في “سلوة الأنفاس” وخرج عن حدوده المنهجية.
وعن تأليفه لمعجمه للعامية تسائل المحاضر: هل كان هذا التأليف بمبادرة شخصية؟ هل هو نبوغ مبكر؟ والإجابة عن هذا حسب المحاضر هي في قراءة الرسالة من كل جوانبها ظهرا وبطنا وبين السطور…
فالرهوني هو وريث التجربة المعجمية العربية، ووريث التجربة المغربية في المعاجم المزدوجة، عاش مرحلة النفوذ الاستعماري، وكان مشغولا بما يكتبه النصارى وغير النصارى عن المغرب، لم يكن غائبا عن عصره، وكان يُسأل باعتباره من أكبر علماء المدينة، وعاصر عصر النهضة في التأليف المعجمي بالعامية بلبنان ومصر.
يَفترض المحاضر أنه ربما أوحي له أو قدح زناد تفكيره أن يؤلف معجما للعامية التطوانية في سياق التفاعلات اللغوية والثقافية بين الشرق والمغرب.
ومن ثم وضع الرهوني أول معجم مغربي للغة العامية شمل الأنساب والألقاب العائلية….، وجمع فيه من أبشع وأفحش الألفاظ العامية إلى أرقاها.
وهو في عمله هذا لم يكن يخدم العامية بقدر ما يخدم الفصحى، أي أنه كان يفكر في العامية من خلال الفصحى ورد العامية إليها، وهو بنفسه اعترف بالبون الشائع بين العربية والعامية بتطوان التي ضمت مزيجا من الأندلس والبربر ويهود ومسيحين، حتى غدت العامية بتطوان بحسب الرهوني:” لغة مستقلة بذاتها محتاجة إلى مترجم عنها بالعربية الفصحى…خدمة للمصلحة العامة وحفظا لتراث الأسلاف”.
والرهوني في وضعه لمعجم العامية التطوانية، واعي بعمله هذا، حيث انتهج منهج التأصيل، وهو ما نجده متجليا في معجمه من خلال رده للعامي إلى الفصيح، فإذا لم يجد له أصلا قال: هذا مولد بمعنى أنه جديد مخترع، أو أنه تركي، أو إفرنجي…، كما وظف مجموعة من المفاهيم من مثل النحت والاشتقاق والمجاز والحقيقة…، وأنتج مفاهيم جديدة من مثل قوله: القاعدة البربرية أو القاعدة الإفرنجية، وهو كثير الاستشهاد بالأمثال العامية في توثيق معاني الألفاظ العامية.
ولم يعمل في معجمه هذا – حسب المحاضر- على هندسة الخليل بن أحمد، وإنما اشتغل بطريقة توارد الخواطر وبعمل انتقائي، و لم يكن تركيزه على كل اللهجة العامية، وإنما على ما يستشكله الناس من الحوشي والسوقي والرديء والغريب، فيبحث عن أصول ذلك وكأنه يضع تكملة للمعجم الفصيح العربي.
وقد قارن المحاضر عمل الرهوني المعجمي بعمل محمد الصبيحي السلاوي في معجمه “إرجاع الدارج إلى حظيرة أصله العربي” (كتب 1936م) مشيرا إلى تحكم خلفية إرجاع الدارج إلى حظيرة أصله العربي في العملين معا.
وبعمل الرهوني هذا يكون قد افتتح ودشن توجها جديدا إلى خدمة اللغة العربية بالمغرب، وهو توجه في حاجة إلى جهود كبيرة من قبل المعاهد العلمية المختصة بهذا المجال، والتي يظل عملها الآن محدودا جدا ولو على المستوى الدعائي، فاللغة العامية الآن إذا تركنا لها الباب مفتوحا طغت وتجبرت على العربية الفصيحة بالألفاظ المستبشعة والسوقية، وستصبح لغة مستقلة، وهذا ما يحدث بالمغرب الآن وترافقه دعوات إحلالها بالعربية.
وهذه الدعوات التي اعتبرها المحاضر “انتحارا حضاريا” إنما تجرأت في غياب مشروع تقريبي بين الفصيح والعامي، فالتقريب ليس فيه إلا الخير، ومشكلتنا الحقيقية إنهما هي في الفجوة وليس في الازدواج اللغوي، ومن ثم توجب علينا – يقول المحاضر- إعادة النظر في المعاجم العامية والانطلاق من منظورها، للتقريب بين العامية والفصحى وإرجاعها إلى حظيرتها، وذلك بتذويب الفروق بين العاميات المستعملة، وتنقيتها من الأعجمية، وتقويم ظواهرها الشاذة والسوقي منها لنخلق عامية أقرب ما تكون من الفصيحة، والعواطف في هذا المجال لا تكفي ولا تنفع، وإنما يتوجب التخطيط والعمل {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
متابعة: د.يوسف الحزيمري

قد يعجبك ايضا
Loading...