تنبؤات القرآن والسنة: إعجاز أم عجز؟

محمد إنفي

ليس الهدف من هذا المقال الانخراط في الجدل القائم حول ما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة – فشخصيا، لست مؤهلا، نظريا وعلميا، للخوض في هذا الموضوع، سواء أردت التموقع في صف المدافعين عن الإعجاز أو في صف منتقدي هؤلاء – وإنما القصد، هو، من جهة، التساؤل عما إن كان ما هو إعجازا في مرحلة ما، يظل إعجازا حتى وإن وصل العلم التجريبي إلى كشف حقيقته وكنهه؛ وبمعنى آخر، هل الحقيقة العلمية المشار إليها في القرآن الكريم، تبقى إعجازية حتى بعد أن يُفصِّل فيها العلم الحديث؟ ومن جهة أخرى، أرغب في تقديم نظرة موجزة عما يمكن تسميته بالضجيج الإعلامي المثار حول الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: مؤتمرات، فيديوهات، مواقع إليكترونية، موسوعات، مقالات، مؤلفات…؛ وربما، الوقوف، وإن بشكل عرضي، عند أسباب ودوافع هذا الضجيج، أو على الأقل عند بعضها.

ما هو معروف يقينا، هو أن الإعجاز البلاغي والبياني في القرآن الكريم ظل دائما قائما؛ فقد أعجز السابقين (قريش) واللاحقين. لقد تحدى الله قريشا أن يأتوا بعشر سور من مثل سور القرآن الذي خص به قرشيا منهم، يعرفون حسبه ونسبه، كما يعرفون صدقه وأمانته؛ ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة فقط من مثله. كما تحدى الإنس والجن بقوله تعالى: “قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا” (الإسراء). وهو تعجيز صريح وإقرار واضح بالعجز التام للثقلين بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، حتى وإن تعاونوا فيما بينهما. وقد أثبت التاريخ هذا الأمر. بمعنى أن هذا التحدي لم يتم رفعه أبدا؛ وهكذا ظل (وسيظل) هذا الإعجاز قائما ما دامت السماوات والأرض.

في حين، لما قال الله عز وجل: ” وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ “، فإنما هذا القول يؤكد حقيقتين: واحدة ظرفية تقرر عناد الكفار والمشركين وإصرارهم على تكذيب الرسالة المحمدية؛ وفي طي هذه الحقيقة الظرفية حقيقة علمية لم يتم اكتشافها إلا مع غزو الفضاء، في أواخر القرن العشرين. وهكذا، لما صعد رواد الفضاء إلى القمر وتجاوزوا طبقة الهواء، صاح أحد هؤلاء الرواد: “لقد أصبحنا عميا لا نرى شيئا”؛ وهذا هو معنى عبارة “سُكِّرت أبصارنا ” في الآية الواردة في مطلع هذه الفقرة.

وباعتبار القرآن وحيا وكتاب هداية، وليس موسوعة علمية، فقد أمر الله الناس بالتفكر والتأمل والتدبر في ملكوت السماوات والأرض وفي أنفسهم حتى يدركوا، من خلال الآيات الموجودة في الكون وفي الإنسان، بأن لهذا العالم صانعا، هو الله تعالى. وحسب علمي المتواضع، فإن الله عز وجل لم يتحد البشر بأن يثبتوا أية حقيقة من الحقائق العلمية التي أشار إليها القرآن الكريم؛ بل أوردها كحقائق ثابتة؛ فمن شاء صدقها، ومن شاء كذبها. بالمقابل، فقد مهد، بصيغ مختلفة، للمجتهدين منهم السبيل للوصول إليها عقليا وتجريبيا تيسيرا لفهم القرآن وتأكيدا للجانب المُعجز فيه، وليس الإعجازي، والفرق بينهما بَيِّن.

وبمعنى آخر، فإن الاكتشافات العلمية الحديثة (علم الأجنة، اكتشاف الفضاء، على سبيل المثال) تساهم في فهم بعض التنبؤات أو الحقائق العلمية التي وردت في القرآن أو في الأحاديث النبوية؛ وبالتالي تساهم في تفسير القرآن تفسيرا يساير العصر؛ مما يؤكد أنه صالح لكل زمان. فالعلم الحديث قد يساهم في كشف بعض (وليس كل) أسرار القرآن وآياته التي ظلت خافية على السابقين. والتطور العلمي الذي لا يتوقف، قد يكشف أسرار أخرى. فكل اكتشاف علمي قد يفسر لنا آية أو عدة آيات قرآنية. وهذه الاكتشافات، إن كان لها ذكر في القرآن، فهي تقوم دليلا على أنه معجزة خالدة.

فالقرآن معجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وهي تختلف عن معجزات الأنبياء والرسل السابقين. فمعجزة هؤلاء كانت، في الغالب، حسية؛ ولذلك، كان مآلها الزوال؛ بينما معجزة نبي الإسلام عليه السلام، ليست حسية، بل هي عقلية وعلمية؛ ويمكن القول بأنها روحية، أيضا؛ فالقرآن يخاطب العقل والوجدان من خلال إخباره عما جرى للأمم الغابرة (سواء للعبرة أو للتثبيت) أو من خلال تأكيده عما هو مطلوب من البشرية لتحقيق سعادتها في الدنيا وفي الآخرة. وفي هذا الإطار، يأتي الحديث عن الغيب (الحساب والعقاب، الجنة والنار)؛ وذلك بأسلوب مُعجِز (من معجزة) في معناه أو إعجازي (من الإعجاز) في مبناه، ما دام التحدي في هذا الباب لم يتم رفعه أبدا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

وهذا ليس غريبا على الرسالة الخاتمة؛ فهي باقية، بعلم الله وتقديره، ما بقيت السماوات والأرض. فكما ضمن للقرآن الحفظ من التحريف (“إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”)، فقد ضمن له أيضا الديمومة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وتجدر الإشارة إلى أن الجدل حول الإعجاز في القرآن ليس وليد اليوم؛ بل يعود إلى قرون خلت. فقد بدأ البحث والكتابة في هذا الموضوع منذ القرن الثالث الهجري، ما لم يكن قبل ذلك.

وإذا كان القدماء قد اهتموا فقط بالإعجاز البلاغي والبياني، فإن المتأخرين (خصوصا في النصف الثاني من القرن الماضي وعُشريتي القرن الحالي) يتحدثون عن الإعجاز العلمي في القرآن، بعد أن ظهرت اكتشافات علمية حديثة حول ظواهر كونية تمت الإشارة إليها في القرآن الكريم؛ ولم يكتفوا بالقرآن؛ فقد أضافوا إليه السنة.

وقد أصبح لـ”الإعجاز العلمي في القرآن” تاريخ (انظر “عناية العلماء بإعجاز القرآن” في موقع “القرآن الكريم”)؛ كما أصبح له منهاج، وقد حددته الهيئة القائمة على شؤونه، وتسمى هيئة الإعجاز العلمي. وللبحث في هذا المجال، تم إحداث إدارة تسمى إدارة بحوث الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. وتُنظم باسم هذه الهيئات مؤتمرات وتقام ندوات حول هذا الموضوع. لكن، حسب علمي المتواضع، فليس هناك مختبر علمي واحد يبحث تجريبيا في التنبؤات العلمية التي يصادفها هؤلاء وهم يقرؤون القرآن أو السنة النبوية، إن كانوا يقرؤون حقا وفعلا، رغم أنهم يتوفرون، فيما أعتقد، على أموال طائلة، لكنها تصرف على المؤتمرات والندوات الباذخة حول الإعجاز، بدل صرفها في تشجيع البحث العلمي الحقيقي.

وما يميز المهتمين بهذا الموضوع (موضوع الإعجاز العلمي)، هو هرولتهم إلى إعلان السبق، فرحين، فخورين، مهللين ومكبرين (وأحيانا، متكبرين)، كلما تم اكتشاف حقيقة علمية في الغرب، ولها ذكر أو إشارة في القران الكريم أو السنة المطهرة؛ فهم لا يجدون حرجا، ولا يشعرون بخجل، ولا ينتابهم شعور بالنقص إزاء الجهة المكتشفة، وهم يعلنون بأعلى صوتهم أن الإسلام قد سبقهم إلى هذا الاكتشاف منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، مؤكدين بهذا الإعلان قصورهم الفكري وعجزهم المعرفي وضيق أفقهم العلمي.

ويكفي أن تكتب في “جوجل” كلمة إعجاز لِتُمْطَرَ بالفيديوهات التي تتحدث عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة؛ منها التي تخلط بين المعجزة والإعجاز، ومنها التي ترى الإعجاز في كل شيء؛ فهناك من يتحدث عن الإعجاز النفسي والإعجاز الطبي والإعجاز العددي والإعجاز الرقمي والإعجاز القصصي والإعجاز التشريعي وغيره؛ وبذلك، أصبح الإعجاز إعجازات؛ ففقدت الكلمة بريقها.

ومما يلاحظ، هو وجود بعض الأشخاص الذين يتحدثون، في كل هذا وغيره، ومسار دراستهم الجامعية قد يكون بعيدا إما عن كل الفروع المعرفية هذه أو عن أغلبها. فلا غرابة، والحالة هذه، أن يقحم مهندس بترول فوائد بعض الثمار (أو الأطعمة) المذكورة في القرآن والسنة – التي اكتشفها (أي الفوائد) علم التغذية الحديث – ضمن الإعجاز العلمي، كما هو الشأن بالنسبة لثمرة “شجرة” اليقطين (القرع) مثلا، والتي ذكرت في القرآن مرة واحدة في قصة سيدنا يونس عليه السلام، وفي سياق لا علاقة له بالتغذية؛ وبالتالي، فإقحامها في الإعجاز العلمي أمر مثير للسخرية والاستهزاء.

وقد تصاب بالدهشة أو الحيرة، وأنت ترى على شريط فيديو، قبل تشغيله، صورة للمصحف وأمامها، مكتوب “معجزات أذهلت العالم”، وتحت الشريط تقرأ: “20 إعجاز علمي في القرآن الكريم أذهل علماء أمريكا وأروبا…. وبعدها كانت المفاجأة…”

أليس الأجدر بالذهول الذين يشتغلون على القرآن وبالقرآن؟ ألا يتبادر إلى الذهن هذا السؤال البسيط والعميق في نفس الآن: لماذا هذه الإعجازات لم ينتبه إليها المسلمون، وأولهم العلماء والمروجون للإعجاز العلمي في القرآن والسنة؟ الجواب بسيط أيضا ومعبِّر: فإذا كان المسلمون هم الأولى، نظريا، بالبحث في الظواهر والحقائق العلمية التي أشار إليها القرآن- خاصة وأنه يدعوهم إلى التدبر والتأمل في ملكوت السماوات والأرض وفي أنفسهم؛ أي في أسرار الكون والطّبيعة وجسم الإنسان – فإن تخلفهم الفكري وتأخرهم العلمي ما كان إلا ليحول بينهم وبين الأسرار الكامنة في النص القرآني. وبمعنى أخر، ما كان لتعطيل الفكر النظري “العلمي الفلسفي الديني” (محمد عابد الجابري) الذي كان سائدا في أوج الحضارة الإسلامية، إلا أن يحجب ملكة التفكر في الآيات الكونية والبحث في أسرارها، لِيُفسحَ المجال أمام الفكر الغيبي الذي وجدت فيه الخرافة أرضيتها الخصبة.  فلا غرابة، إذن، في أن ينشغل المسلمون بالفكر الخرافي، فتنعدم مساهمتهم في التطورات العلمية التي يشهدها العصر ويتخلفون بذلك عن مواكبة الركب الحضاري.

فبعد أن كانوا سادة العالم، خلال الفترة الذهبيَّة من تاريخ الإسلام، بفضل ما أنشِئَوا من مدارس – “في مُختلِف البلاد الإسلاميَّة شرقًا وغربًا، وكثرت المكتبات، وامتلأَتْ بالمؤلَّفات في مختلِف العلوم، حتَّى إنَّ مكتبة خلفاء الأندلس، اشتملَتْ وحدها على سِتِّمائة ألف مجلَّد، وقد كان بالأندلس سبعون مكتبة عامَّة إلى جانبِ الكثير والكثير مِن المكتبات الخاصَّة، وقد اجتذبت هذه المكتباتُ الباحثين عن المعرفة من مَنابع العالَم المختلِفة ينهلون من علوم العرب ومؤلَّفاتهم” (“البحث العلمي في الإسلام”، شبكة الألوكة بتاريخ 30 يناير 2012)- أصبح المسلمون اليوم يتسولون المعرفة عند الآخرين، وبالأخص لدى الغرب، ليس لفهم الكتاب والسنة؛ بل لتبرير عجزهم الفكري والعلمي والمعرفي بالاختباء وراء ما يسمونه “الإعجاز العلمي في القرآن والسنة”.

فيوم كان لنا “جابر بن حيان” و”ابن سينا” و”ابن النفيس” و”ابن رشد” و”ابن الهيثم” و”ابن خلدون” و”الرازي” و”الطبري” (الطبيب) و”الخوارزمي” و”الزهراوي”، وغيرهم كثير وكثير، كان العالم الإسلامي يقود الحركة العلمية في كل المجالات: في الطب والهندسة والفلك والرياضيات والجغرافيا والفلسفة وعلم الاجتماع وغيره، فتبوأ بذلك الصدارة في قيادة الحضارة الإنسانية.

ويشهد التاريخ بأثر الحضارة الإسلاميَّة على الحضارة الغربية؛ ويقر بهذا كثيرٌ من الأوروبيين الذين يعتبرون العلماء العرب والمسلمين أساتذة أوروبا في جميع فروع المعرفة؛ ولا سيما في مجال العلوم وتطبيقاتها. فقد علَّموا الغرب طريقة البحث العلميِّ الصحيح التي مهَّدَت أمامه أسلوبَ كشف أسرار الطَّبيعة والسيطرة عليها (انظر المرجع السابق: “البحث العلمي في الإسلام”).

فلما كان البحث العلمي نشيطا في كل أصناف العلوم والمعارف، لم يكن العالم الإسلامي يشغل باله بالبحث عن الدلائل في القرآن والسنة ليبرر بها هذا الصنف من العلم أو ذلك أو هذا المبحث أو ذاك. فالقرآن الكريم دعا إلى إعمال العقل للوصول إلى الحقائق العلمية، النظرية والتطبيقية، حتى ينتفع بها الإنسان بصفة عامة. وكان هذا هو نهج العلماء المسلمين الذين خلَّدوا في التاريخ شيئا اسمه الحضارة الإسلامية.

لكن العالم الإسلامي اليوم الذي يشكو الوهن على جميع الأصعدة، رغم ثراء بعض بلدانه بفضل الطفرة النفطية، لا هو في العير ولا في النفير فيما يتصل بالاكتشافات العلمية. وحتى لا أعمم الكلام على العالم الإسلامي (الذي أجهل الشيء الكثير عن بلدانه غير العربية)، أقصر حديثي عن العالم العربي.

فرغم أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فإن المسلمين العرب، بسبب تخلف بلدانهم وضعف البحث العلمي فيها، إن لم نقل بانعدامه، أصبحوا عاجزين عن المساهمة في الاكتشافات العلمية الحديثة الكفيلة بتوضيح بعض معاني القرآن التي ظلت خافية أو غامضة على السابقين واللاحقين. لذلك، تجدهم يتسابقون على التهليل والتطبيل بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة – رغم أن من بينهم الكثير ممن لا يتورعون عن الدعوة إلى العودة إلى عصر الخلفاء الراشدين، وكأن البشرية لم تعرف أي تطور والحياة لم يطرأ عليها أي تغيير- كلما تم اكتشاف علمي في الغرب وله إشارة في القران الكريم أو في السنة المطهرة.

ويذكرني هؤلاء المهللون بكل حقيقة علمية تم اكتشافها في الغرب، ولها ذكر أو إشارة في القران أو في السنة، فيفخرون بأن القرآن سبقهم إلى هذا منذ ألف وأرع مائة عام؛ أقول يذكرونني بزميل لي في الدراسة في إحدى سنوات التعليم الإعدادي. وقد كان هذا الزميل وحده من يتوفر على كتاب الرياضيات في قسمنا (ربما بسبب سعره المرتفع، خاصة وأنه كان مستوردا من فرنسا وكانت طبعته أنيقة جدا: لقد كنا ندرس المواد العلمية باللغة الفرنسية، بما في ذلك التاريخ والجغرافيا). وبما أنه كان ضعيفا في هذه المادة، فلم ينفعه كتابه في شيء، رغم أنه كان يحفظ عن ظهر قلب بعض القواعد والمعادلات الرياضية. وكان يحفظ حتى حلول بعض التمارين؛ لكنه كان عاجزا عن حل أدنى معادلة رياضية أو إنجاز أي تمرين دون مساعدة.

فكلما كان أحدنا أو مجموعة منا تنجز تمرينا رياضيا في السبورة تحت إشراف الأستاذ وتحت أنظار باقي التلاميذ، كان التلميذ صاحب الكتاب يراقب ما يحدث على السبورة باهتمام كبير، وكتابه الأنيق موضوع فوق الطاولة؛ لكنه، لم يكن يستوعب ما يحدث على السبورة. وكان كلما تم الانتهاء من التمرين وتسجيل الحل في خانة خاصة على السبورة، إلا ويضرب بيده اليمنى في كف يده اليسرى، مستغربا من كون النتيجة التي تم التوصل إليها، هي نفسها الموجودة في كتابه، فيقسم بالله العظيم بأنها موجودة عنده في الكتاب.

وهذا هو حال بعض الذين “تخصصوا” في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. فهمهم ينحصر في تتبع أخبار الاكتشافات العلمية الحديثة ليبحثوا لها عن إشارة، حتى وإن كانت ضعيفة وغير واضحة، وردت في القرآن أو في السنة، ليعلنوا أن نبينا الكريم قد سبقهم إلى ذلك منذ أزيد من أربعة عشر قرنا.

ودون البحث عن تنويع الأمثلة، وهي كثيرة على كل حال، سوف أكتفي بالمسمى عبد الدائم الكحيل، نظرا لحضوره الملفت والمثير بواسطة أشرطته السمعية البصرية التي تملأ “اليوتيوب” وكل الشبكات الاجتماعية. فهو صاحب موقع في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وصاحب موسوعة حول نفس الموضوع. وما يميز شرائطه حول هذا الموضوع، هو إصراره على جعل الإعجاز العلمي حاضرا في كل شيء (في الشعائر الدينية من قبيل الآذان والوضوء والصوم وغيره، وفي الأطعمة المذكورة في القرآن أو في الأحاديث النبوية وفي غير ذاك) لدرجة أصبحت معها كلمة إعجاز فاقدة للمعنى. فأن يرى الإعجاز العلمي، مثلا، حتى في فوائد ثمرة اليقطين (القرع)، التي اكتشفها (والضمير يعود على الفوائد) علم التغذية الحديث، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لهو، في نهاية التحليل، نوع من الدجل الذي لا يختلف عن ذلك الذي يمارسه الرقاة والوعاظ والدعاة وغيرهم من الذين يسترزقون بالدين ويحولونه إلى بضاعة يسوقونها بمقابل مادي أو سياسي.

ويكفي الاطلاع على ما يقوله صاحبنا على كورونا، لإدراك نوع الفكر الذي يتحكم في تفكيره وفي نوع المعرفة التي يسعى إلى ترويجها. فصاحب الموقع الخاص بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة، يتحرك في حيز إيديولوجي ضيق يحكم فكره وتفكيره؛ وهو ما يجعله بعيدا كل البعد عن العلم بمفهومه التجريبي؛ لكنه لا يكف عن التحدث باسم العلم لكونه يرتضيه غطاء للفكر الإيديولوجي الذي يحركه. وهكذا يحدث الخلط بين العلم والإيديولوجيا؛ ومن هنا ينشأ الدجل وينتشر التدليس.

فما يقوله الكحيل عن كوبيد- 19، لا يختلف عما يقوله أصحاب النعيق والنهيق والزعيق. فهو، أيضا، يجعل من كوبيد- 19 جندا من جنود الله. وهو، بهذا، يقدم لنا نموذجا واضحا من الخلط بين العلم والإيديولوجيا. وهذا الخلط هو الذي ينعش الدجل في العالم الإسلامي (انظر محمد إنفي، “انتعاش الدجل من الخلط بين العلم والإيديولوجيا في زمن كورونا”، موقع “أزيلال أو لاين” بتاريخ 27 أبريل 2020).

وبعد أن قدم لنا كوبيد- 19 على أنه جند من جنود الله، لم يجد حرجا في إدخاله ضمن الإعجاز النبوي، بعد أن وقع على مقال لباحث أمريكي. وقد كتب مهللا وبالبنط العريض “باحث أمريكي يتحدث عن الإعجاز العلمي في علاج كورونا“، مضيفا: “لنتأمل ماذا يقول علماء الغرب اليوم عن الإعجاز النبوي في الوقاية من الأوبئة…”؛ ثم يستطرد قائلا: ” لم أكن أتصور أن أقرأ مقالة عن الإعجاز العلمي في السنة المطهرة في صحيفة غربية وبقلم بروفسور أمريكي” الذي قال، حسب الكحيل: “تسعى حكومات العالم لتطبيق الحجر الصحي لمواجهة الوباء.. هل تعلم من سبقهم لهذا الأمر؟ إنه نبي الإسلام محمد قبل أكثر من 1400 سنة! قال عن الأوبئة مثل كوفيد-19: ‘فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها عليه، وإذا دخلها عليكم فلا تخرجوا فراراً منه'” [البخاري].

فأين نحن، هنا، من كون كوفيد-19 جندا من جنود الله؟ فمن رفع هذه الصفة عن فيروس كورونا وأوقع صاحبنا في تناقض واضح؟ هل الباحث الأمريكي أم البخاري أم غباء صاحب القولة؟ وما قيمة سؤاله الذي يكاد يكون لازمة، يختم بها أقواله حول الإعجاز: “…مَن الذي أخبر محمداً صلى الله عليه وآله سلم بهذه الحقائق…؟” (لقد تركت السؤال على هيئته، باستثناء نقط الحذف، فهي من عندي).

خلاصة القول، الإعجاز العلمي بالشكل الذي يقدم لنا لا يدل إلا على حقيقة واحدة؛ هي العجز البين لدى أصحابه قبل غيرهم. فهم يعتمدون على الاكتشافات العلمية التي يقوم بها الغرب، ليعطوا لأنفسهم، من خلالها، مشروعية الحديث عن القرآن والسنة. ويعتقدون أنهم بذلك يخدمونهما، بينما هم، في الواقع، يسيئون إليهما.  ويتضح هذا الأمر بجلاء خاصة عند الذين يرون الإعجاز في كل شيء. وأوضح مثال على هذا يقدمه لنا عبد الدائم الكحيل.

مكناس في 14 يوليوز 2020

 

قد يعجبك ايضا
Loading...