من طواعين مغرب العصر الحديث التي أخلت الدور والقصور..

عبد السلام انويكًة

مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

 

كانت جوائح الطبيعة في تاريخ  المجتمعات دوماً مما يؤثر من عوامل في مساراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها..، وتاريخ المغاربة كما حال جهات باقي العالم في الماضي هو بمحطات آفات وحلقات وباء كانت بآثار عميقة على أكثر من مستوى. مع أهمية الاشارة الى أن الأبحاث والدراسات في هذا المجال كثيراً ما تصطدم بندرة المادة العلمية الحديثة، فضلاً عن محدودية معلومة تاريخية في مصادر تقليدية اهتمت وفق ما كان يسير عليه أمر الكتابة آنذاك بما هو سياسي وأهملت ما هو اجتماعي، من باب انصاف مؤرخينا القدامى حتى لا نحملهم ما لا يطاق.

ولعل من جملة ما عصف بالمغرب من آفات عبر تاريخه، وقد كانت بأمكنة وأزمنة ومساحة ودرجة تأثير وشدة متباينة، ارتأينا اطلالة على ما حصل خلال الزمن العلوي الأول وفترة مولاي اسماعيل وخلفه تحديداً، وما شهدته هذه الفترة من أزمات وشدائد كانت بإجراءات ومواقف رغم طول مدتها كانت بانفراجات من حين لآخر، علما أن ما هو آفات وأزمات كانت أمراً ملازماً لتطور المجتمع المغربي على الأقل منذ العصر الوسيط.

وكان ابن خلدون قد أورد في مقدمته حول الآفات وأسباب الموت بسبب الأوبئة والطواعين منذ العصر الوسيط، في علاقتها بنهجه ومنظومة عمرانه البشري قائلا: ” أما كثرة الموتان فلها أسباب المجاعات..أو كثرة الفتن لاختلال الدولة فيكثر الهرج والقتل أو وقوع الوباء وسببه..وفي الغالب فساد الهواء بكثرة العمران..فإذا كان الفساد قوياً وقع المرض في الرئة وهذه هي الطواعين وأمراضها مخصوصة بالرئة”.

وحول الطاعون وفق ما تحدث عنه ابن خلدون وأورده عنه منذ العصر الوسيط، ورد أنه تكرر وظهر بالبلاد خلال العصر الحديث عام 1089ه/ 1678م تحديداً بتطوان، وكان عدد قتلاه خمسون فرداً في اليوم، قبل أن ينتشر في مناطق مجاورة مثل القصر الكبير وبلغ عدد ضحاياه مائة وخمسون في اليوم، وتذكر المصادر المعاصرة أنه لما بلغ خبره لمولاي اسماعيل وجه عبيده الى وادي سبو وأمرهم الا يتركوا أحداً يعبره. ثم ظهر بفاس وكثر بها وخلت مدرستها واتسع نطاقه في قرى مجاوره حتى خليت، حيث أمر السلطان عبيده بإحراقها بعد أن أخلاها الطاعون فاحرقوها عن آخرها. وورد أن بسبب الوباء كثر عدد موتى فاس حتى بلغ عددهم ما بين أربعمائة وثمانمائة قتيل في اليوم، ثم ظهر بمكناس وبلغ عدد موتاها ثلاثمائة في اليوم وظهر بمراكش وبلغ موتاها ألفي في اليوم وأنه مات بسببه في مناطق أخرى من البلاد ما لا يحصى.

ومن جملة ما خلفه طاعون مغرب هذا العهد ما ورد في نص معاصر جاء فيه:” ففسد أمر المعاش..وخلت الدور والقصور وسكن الناس الوهاد وبلغت القلوب الحناجر ..وضاعت مكاسب العيال وفر المرء من أخيه وأمه وأبنه.. فلا ترى أحد يطمح يطمع بالحياة وما من الناس الا من يعد نفسه من الأموات.. حتى أفنى أكثر الخلق.” ومن خلال مذكرات أسير فرنسي بالمغرب خلال هذه الفترة وهو “مويط”، ولعلها من المصادر الأجنبية التي تعود الى القرن السابع عشر الميلادي وقد اعتمدها عدد من الباحثين والدارسين، ورد أن طاعون هذه السنة أهلك نصف المغاربة. ويتبين رغم ما يبدو في تقديره من مبالغة، أنها إشارات تدل على ما كان عليه حال البلاد من شدة وخطر، حيث قال:” لم ينج بعضنا أيضاً من ذلك الوباء، وأصيب من بين المائتي أسير نحو خمسين لم ينج منهم الا الثلث.” وفي شهر ماي من نفس هذه السنة ورد أن مولاي اسماعيل خرج مع زوجته وأولاده، الى جبال عالية بنهر ملوية تشكل قمماً من الأطلس المتوسط فراراً من العدوى.

وحول آفة أخرى عصفت بالبلاد بعد ستة عقود عن الأول، ورد أن الطاعون ظهر هذه المرة ببلاد كتامة ووزان ومات بسببه عدد لا يحصى من المغاربة. كما فشى بفاس ومكناس وزرهون وعم جميع جهات البلاد، وكثر الموت وماتت خلائق كثيرة حتى قيل أن قتلاه من أهل القصر الكبير بلغ أربعة عشرة ألف وأن حكام الريف هربوا منه. وفي هذه السنة أي 1155ه 1742م تحدثت مصادر مغربية أن جل أهل فاس باعوا ديارهم من شدة الجوع، وخرجوا من بلادهم وتفرقوا في بلاد القصر ووزان والعرائش وتطوان وطنجة بعيالهم، ، وأنهم كانوا يتكففون ويسعون القوت من أبواب الديار. وورد أيضاً أنه خلال هذه الفترة كثر الهرج والجوع والوباء والموت والرحيل لا سيما أهل فاس، الذين كانوا في شدة عيش وضيق كبير بحيث باعوا ديارهم وأصولهم وحليهم لتوفير أكلهم ولم ينفهم ذلك في شيء.

وبسبب اشتداد حدة الوباء خلال يونيو من السنة نفسها حيث كان يموت يومياً مائة شخص وأكثر، خرج السلطان(المستضيء بن اسماعيل) الى البادية مع جيشه ونصب خيامه ومنع أي أحد من الجيش والمسيحيين الموجودين معه من الذهاب الى المدينة(مكناس). وفي مذكرات أسيرة هولندية كانت بمكناس لهذا العهد أوردت حول هذا الوباء: ” كان كل يوم يقتل مائة شخص وأكثر، وكان يموت الكل من الطاعون..وفي اليوم الذي أطلق السلطان سراحنا كان في مدينة مكناس أربعة وعشرون ألف ميت.. وعند سفرنا مروراً بعدد من القرى والدواوير وقد انمحت من الموت..” وبحسب ما جاء عند أبو مدين الدرعي عندما مر بمكناس خلال هذه الفترة، فإن عدد الأموات في ثلاث سنوات كان حوالي ستة وعشرين ألف، وأن أهل الذمة مات منهم حوالي سبعة  عشرة ألف نفس.

وورد أنه  مع نهاية صيف هذه السنة عصفت رياح هوجاء بالبلاد حيث انهارت بسببها دور عظيمة وأشجار، وكانت مصحوبة بأمطار طوفانيه لمدة تجاوزت الشهر فاضت على إثرها الأودية واجتاح سيل عظيم فاس، وهي الفترة التي تفشى فيها الطاعون في زرهون ومكناس وأحوازها وعم جميع البلاد. وحول مواطن انطلاق هذا الوباء متسرباً من شرق البلاد، تمت الاشارة الى مدينة تازة باعتبارها محطة وممراً لتجارة القوافل العابرة من تلمسان باتجاه فاس.

ولعل من أوصاف وباء هذه الفترة من العصر الحديث والذي ضرب المغرب، شعور المرء بالدوران مع قيئ ثم موت، وفي حالة تجاوز هذه الوضعية كان المرء يصاب بحمى مرتفعة وانهيار تام وعطش كبير، فضلاً عن تصلب في الساقين وظهور دماميل في الابط والعنق والقفا. كلها أوصاف وعلامات تعني أن ما أصاب البلاد خلال هذه الفترة من الزمن العلوي الأول كان هو الطاعون الرئوي وفق ما ذكره ابن خلدون في مقدمته منذ العصر الوسيط، وأنه إذا كان التجار قد تسببوا في تسرب الوباء الى البلاد من الشرق خلال العصر العلوي الأول فإن جيش المخزن وحملاته كان هو من ساهم في انتشاره.

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا
Loading...