الحلقة الثانية من رواية “التطاونيات”: حليمة المبدعة والمكافحة

لِحُسن حظ حليمة أنها تأقلمت مع غياب أمها ووفاة جدها بأقل الأضرار النفسية، و الفضل في ذلك راجع إلى التربية الخاصة التي تلقتها على يد أمها فطومة، المرأة الحكيمة، وكأنها كانت تعدها لهذه المرحلة. فبالإضافة إلى القراءة والكتابة والتربية والتكوين كانت تدمجها في الأعمال التطوعية التي تقوم بها  مع بعض الجمعيات التي تهتم بالمجال الشبابي والتنموي،  وتشجيعها للقيام برحلات منظمة من طرف دور الشباب وبعض المنظمات الكشفية الصارمة التنظيم إلى أماكن بعيدة ونائية لمساعدة الساكنة والقيام بأعمال متعبة وشاقة لكنها هادفة وممتعة. هكذا صارت حليمة تعتمد على نفسها في ترتيب شؤونها واعداد طعامها وجمع وترتيب ملابسها وحل مشاكلها بنفسها دون تدخل أمها فطومة أو أحد من عائلتها. فأصبحت حليمة شابة قوية الشخصية مستقلة بقراراتها مقتنعة بما تراه صوابا وتدافع عنه باستماته حتى يثبت لها العكس. كما علمتها حب الفقيرات والمستضعفات والمهمشات من نساء المدينة العتيقة فكانت تجعل منهن صديقات حميمات وتزورهن وترفع من معنوياتهن وتساعدهن على تعلم حِرف وملكات فنية تساعدهن على التخفيف من فقرهن ومواجهة تكاليف العيش من مأكل وملبس وتمدرس لأبنائهن وغيره.

كانت حليمة تشارك في أعمال ثقافية وفنية، خاصة وأن مدينة تطوان كانت تعرف آنذاك حركة ثقافية وفنية متنوعة ومتعددة حيث كان بالمدينة سبع قاعات للأنشطة الثقافية، ثلاث منها تجمع بين العرض المسرحي والسينمائي، منها المسرح الوطني الموجود بشارع “لونيطا”، ومسرح إسبانيول المتواجد بجانب ساحة الفدان، ومسرح “مونومنطال” الموجود بحي “الإنسانتشي”، وأربع قاعات خاصة بالعروض السينمائية كسينما “أبيندا”، وسينما “فيكتوريا” وسينما “وميسيون” وسينما “المنصور”. المثير للانتباه هو أنه كانت توجد بتطوان أربع قاعات سينمائية صيفية، يعني قاعات بدون سقف مما يجعل المتفرج مستريحا ولا يحس بالحرارة وكأنه في الهواء الطلق، ومن هذه القاعات قاعة “بارك “وقاعة “باهيا “وقاعة “مرحبا” وقاعة “طيراسا”. بالإضافة إلى بناء وتأسيس معهد للفنون الجميلة ومدرسة الصنائع من طرف الفنان الاسباني المشهور “بيرتوتشي”.  فالمسؤولون الاسبان في عهد الحماية رسموا استراتيجية واضحة لجعل مدينة تطوان عاصمة لهم في المغرب بمواصفات أوروبية واعتنوا بالتخطيط لتنمية ثقافية وتنموية بطريقة عصرية إسبانية أوروبية.

هذه الحركية الثقافية والفنية بتطوان دفعت حليمة للانخراط في جمعية مسرحية تدعى “جمعية المسرح التطاوني” وأصبحت عضوة نشيطة وممثلة مرموقة بتطوان. ولم تنس قط ذلك اليوم الذي شاركت فيه في مسرحية “مذكرات بريئة مدانة” التي كتبها أبوها “سي سلام”، وعند انتهاء العرض قدم لها أحد المسؤولين جائزة أحسن ممثلة والذي كان قد التحق قريبا بتطوان وهو من أخبرها أنه يعرف أمها فطومة وسألها عن حالها، وينحدر من مدينة فاس ويطلقون عليه “الفاسي”. كما أظهر إعجابه بها وأعطاها بطاقة بياناته لتتصل به كلما دعت الضرورة لذلك. إلا أن اختفاء أمها فطومة بعد أسبوع من هذا النجاح الفني جعلها تختفي عن الأنظار وغابت عن الحقل المسرحي.

بعد مرور شهرين على اختفاء فطومة وغياب حليمة عن المشهد الثقافي زار “الفاسي” مقر “جمعية المسرح التطاوني” برفقة ابنته الشقراء المسماة “غيثة” وطلب من رئيس الجمعية إمكانية انخراط ابنته في الجمعية موضحا أن لها موهبة رائعة في المسرح، كما سأل عن حليمة وعن سبب غيابها لأنه لم يرها منذ مدة. استغرب رئيس الجمعية هذا الاهتمام من طرف مسؤول كبير بحليمة الشابة البسيطة ابنة الأستاذ سي سلام. رحب بانخراط ابنته “غيثة” في الجمعية ثم قال له: كنا قد عزمنا القيام بزيارة حليمة في منزلها مع مجموعة من أعضاء الجمعية لنقترح عليها أن تمثل معنا في مسرحية “موت بائع متجول” للأديب والكاتب الأمريكي المعاصر “أرثر ميلر”. فحليمة تصلح لدور “ليندة” امرأة البائع المتجول. وبهذا نريد ضرب عصفورين بحجر واحد، أولا الحصول على موافقة حليمة للقيام بدور زوجة البائع المتجول “ليندة” وثانيا إخراجها من الدوامة التي أصبحت تعيشها والتخفيف عنها قليلا من آلام فراق أمها ومحاولة ارجاعها إلى نشاطها الفني والثقافي. أبدى “الفاسي” رغبته الشديدة في مرافقتهم لزيارة حليمة وألح على ذلك، فاستغرب رئيس الجمعية مرة أخرى هذا الاهتمام وهذا الاصرار. وعندما زاروا حليمة سلم عليها “الفاسي” سلاما حارا بدى وكأنه يريد أن يقول شيئا ما لحليمة لكنه لم يفعل. فرحبت بهم حليمة وأكرمتهم جميعا بما فيهم ابنته “غيثة” والتي ستصبح فيما بعد صديقة حميمة لحليمة.

صعب على حليمة أن تتخذ قرار لعب دور “ليندة” في مسرحية “موت بائع متجول” لكنها طلبت من رئيس الجمعية أن يمهلها بعضا من الوقت حتى تقرأ السيناريو وتخبره بقرارها النهائي. في الحقيقة حليمة لم تعط أهمية للموضوع، فقط أرادت مجاملتهم، لأنها كانت تمر بظروف صعبة لا تسمح لها بالابتعاد عن والدها المريض نفسانيا، فعندما خرج الجميع تركت أوراق السيناريو مطروحة على السرير وذهبت مسرعة إلى المطبخ لإعداد بعض الطعام لأبيها حتى يتأتى له أخذ الدواء.  لكن المفاجأة كانت مفجعة، فعندما فتحت عليه الباب وجدته مشنوقا بحبل مربوط بالثريا، اندهشت لهول ما رأت وبدأت تصيح ..أبي ..أبي.. ماذا فعلت بنفسك، وأخذت كرسيا وسكينا بسرعة وقطعت الحبل الذي كان ملفوفا حول عنقه، فسقط أرضا، فبدأت تساعده على التنفس بالإسعافات الأولية التي تعلمتها في المنظمات الكشفية. فلولا نباهة حليمة وتدخلها السريع لإنقاذه قبل أن تزهق روحه لكان في عداد الموتى. هكذا أصبحت حليمة تشعر في كل لحظة بأن أباها سيفعل شيئا ما سيئا بنفسه، فصارت تراقبه وتتبع خطواته عن قرب، كما كانت تجالسه وتتحدث معه كل يوم لتخفف من وطأة حزنه وعزلته القاسية بعد غياب فطومة ووفاة الأب الصديق سي عبد الصبور.

مر أسبوع على حادثة محاولة انتحار الأب، وبينما حليمة تتحدث مع أبيها تذكرت سيناريو المسرحية الذي مازال مطروحا على السرير كما تركته عندما تسلمته من يد رئيس جمعية المسرح “التطاوني”، وأن عليها أن تخبره بعدم استطاعتها القيام بالدور المطلوب منها لأن وضعها أصبح أكثر تأزما. اتخذت حليمة هذا القرار بدون تفكير وبدون قراءة السيناريو. وبينما هي جالسة مع أبيها في القاعة مر وقت طويل ولم تجد ما تنشط به الجلسة لتؤنس أباها، فأخذت السيناريو الموجود بجانبها وبدأت تقرأه عليه. لم تكن حليمة تتوقع أنها ستتأثر بهذه المسرحية هي وأباها وسيتفاعلان معها حتى النهاية.  فكلمات وحوارات مسرحية “موت بائع متجول” ذكرتهما بآلام مدفونة بذاكرتهما ومنقوشة على أسوار المدينة العتيقة، وعلى كل باب من أبوابها السبع، وعلى كل درب من دروبها الملتوية والجميلة، وكل زقاق من أزقتها البديعة.  كما ذكرت حليمة بصديقاتها الفقيرات والمطلقات، والأطفال المشردين والشباب العاطل. فأصبح يسيطر عليها حب عميق لهذه المسرحية. لم تستطع حليمة لحظة واحدة، خلال قراءتها للمسرحية أن تجد فرقا بين الواقع الذي تعيشه بالمدينة العتيقة ووقائع المسرحية. بحيث هناك تطابق كبير بين هموم شخصيات المسرحية وهموم حليمة.

سأل سي سلام ابنته: إن هذه المسرحية رغم أنها أمريكية تحمل نفس المشاعر المؤلمة والإحساس الحزين الذي نشعر به هنا، يا ترى ما سر هذا التطابق؟

أجابت حليمة: الشعور بالظلم ولو كان على الآخرين يبقى ظلم عظيم، وكما قال نيلسون مانديلا: “ليس حرا من يهان أمامه إنسان ولا يشعر بالإهانة”.

قال سي سلام: صحيح يا ابنتي، الظلم ظلمات يوم القيامة، مهما كانت جنسية المظلوم أو نسبه أو عرقه أو معتقداته. لكن ما هو سبب هذه القساوة التي تشرد أسرا بكاملها وتدفع بآباء مقهورين ومظلومين إلى ارتكاب أبشع الجرائم.

قالت: إن النفوس الحية لا تطيق الظلم يا أبتاه، فكلما تقاطعت معه تصارعه وإن لم تستطع فهي ترفضه ولو على مستوى الشعور بالألم والاحساس بالحزن. بالخصوص إذا كنت في مكان بدون حماية عادلة، تُعينك على ظلم الحياة بدل أن تُعين ظلم الحياة عليك.

قال سي سلام: من خلال حوار هذه المسرحية تبين لي انها تصل إلى عمق الوجود والألم الإنساني بمتعة فلسفية. ورغم أنني أستاذ اللغة العربية ومهتم بالرواية والمسرحيات لا اخفيك يا ابنتي أنني لم أستطع تصنيف هذه المسرحية المتعددة المشارب والأبعاد الثقافية.

في هذه الظروف الصعبة التي تعيشها حليمة، غياب أمها ومحاولة انتحار أبيها وجدت نفسها منسجمة مع دور “ليندة” امرأة البائع المتجول المدمرة نفسانيا بسبب المشاكل التي تعيشها مع طموحات أبنائها وقلة حيلة زوجها المسن المتعب البائع المتجول، ورغم كل هذا يجب عليها أن تكون متفائلة وأن تخفي حزنها لكي لا يؤثر ذلك على أبنائها.

من كتاب “التطاونيات” لكاتبه عبد الوهاب إيد الحاج

موعدنا مع الحلقة القادمة قريبا إن شاء الله

قد يعجبك ايضا
Loading...