باحثة تقترح نموذجا تربويا بديلاً لإصلاح النظام التعليمي في المغرب

قالت حنان الديلال، الباحثة في حكامة المنظمات، إن “مفهوم التنمية عرف تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، لهذا أكد الملك محمد السادس، خلال خطابه بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية لشهر أكتوبر سنة 2017، ضرورة تجديد النموذج التنموي للاستجابة لتطلعات وطموحات المواطنين”.

وأضافت الديلال، في مقالة بعثت بها إلى هسبريس، تحت عنوان “المدخل إلى إصلاح التعليم في المغرب: مساهمة في تأسيس النموذج التنموي المغربي”، أن “الملك حثّ في الرسالة الموجهة إلى الملتقى البرلماني الثالث حول العدالة الاجتماعية على ضرورة انخراط الجميع من أجل التفكير في صياغة مقاربة وطنية للنهوض بمتطلبات هذا النموذج التنموي الجديد”.

وأوضحت الباحثة أنه “رغم كون بلادنا قطعت أشواطا مهمة في ما يخص تعميم التمدرس، إذ تبلغ نسبة تمدرس الأطفال في العمر المتراوح بين 6 و11 سنة 99.8 في المائة، فإن هذه النسبة تنخفض بالنسبة لتلامذة التعليم الثانوي، إذ تصل إلى 66.9 في المائة، ما يستلزم بذل المزيد من الجهود”.

وأوردت المقالة أن “للتعليم أهمية بالغة في تكوين شخصية المتلقي”، مشيرة إلى أن “العرض التربوي المغربي يتميز بنظام مزدوج؛ قطاع خاص وعام، حيث عرف القطاع الخاص نموا منقطع النظير نظرا لجودة الخدمات التي يوفرها”.

وأردفت الباحثة: “تبقى الميزة الأساسية التي تجعل العديد من الأسر تضطر إلى اللجوء إلى القطاع الخاص هي أهمية معدل التأطير البيداغوجي، إذ يبلغ في القطاع الخاص 6.2؛ ما يعني أستاذ لكل 6.2 تلميذ، أو 10 أساتذة لكل 62 تلميذا؛ بينما يبلغ التأطير البيداغوجي في المدرسة العمومية 54.951؛ أي أستاذ لكل 54.951 أو 10 أساتذة لكل 549.5 تلاميذ”.

وفي حديثها أيضا عن القطاع الخاص، أبرزت الكاتبة أنه يتميز بـ”تدبير الزمن المدرسي، إذ يعتمد التوقيت نفسه المعتمد في باقي المؤسسات؛ سواء الإدارية أو الخاصة، أو ما يعرف بالتوقيت الإداري، بينما تبقى ميزة القطاع العام مجانيته وكفاءة أطره التربوية والإدارية، وكذلك تغطيته لكافة التراب الوطني”.

وزادت الديلال: “تتبين لنا أهمية التعليم الخاص في المغرب؛ بحيث يمثل عدد المؤسسات الخاصة ما نسبته 35 في المائة من مجموع المؤسسات التعليمية، يدرس فيها حوالي 30 في المائة من التلاميذ، وتشغل ما مجموعه 60 في المائة من هيئة التدريس، كما أن عدد الحجرات الخاصة يشكل ما مجموعه 23 في المائة من مجموع الحجرات الكلي”.

كما رصدت الباحثة توزيع التلاميذ في القطاع الخاص حسب المستويات؛ إذ يشكل عدد التلاميذ المسجلين بالتعليم الابتدائي 17 في المائة من مجموع عدد المتمدرسين والمسجلين في التعليم الابتدائي، مع نسبة 10 في المائة بكل من التعليم الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي”، وتابعت: “يبقى أهم مؤشر لنجاح وجاذبية التعليم الخصوصي هو معدل التلاميذ في كل حجرة؛ إذ يصل في المدرسة الابتدائية العمومية إلى 40 تلميذا، بينما يصل في نظيرتها الخاصة إلى 22 تلميذا؛ وبالنسبة للتعليم الثانوي الإعدادي العمومي فإنه يصل إلى 43 تلميذا، بينما لا يتجاوز في نظيره الخاص 25. وفي المدرسة الثانوية التأهيلية العمومية فإن العدد هو 35 تلميذا، مقابل 26 تلميذا في نظيرتها الخاصة”.

هكذا، شددت الكاتبة على أنه “آن الأوان للدولة أن تعيد هندسة قطاع التعليم في المغرب، وتعمل على تنويع العرض التربوي، وتتدخل كفاعل أساسي في سوق التعليم الخاص؛ ذلك أن السوق بمفهومه الاقتصادي عبارة عن مجموعة من البائعين والمشترين الذين يرغبون في بيع وشراء سلعة معينة، وتبقى أهم مكوناته هي العرض والطلب”.

وتشير المقالة إلى أن التدخل اللازم يتمثل في “تنويع العرض، وذلك بإنشاء مدرسة بديلة تتموقع ما بين القطاع العام والقطاع الخاص؛ بحيث يتم إدماج الميزة التي تميز القطاع الخاص، وهي تدبير الزمن المدرسي، والميزة التي تميز القطاع العام، وهي كفاءة الأطر التربوية”.

وأوردت الباحثة: “لا يقصد من إنشاء المدرسة البديلة الاستغناء عن القطاع العام ولا عن القطاع الخاص، وإنما يهدف إلى تنويع وتجويد العرض التربوي من أجل إلغاء الفوارق ما بين المدرسة العمومية والمدرسة الخاصة، قصد تكريس مبدأ المساواة ما بين جميع شرائح المجتمع”.

“تهدف هذه الرؤية الإصلاحية إلى خلق المنافسة بما هو في صالح التلميذ والمجتمع المغربي، على أساس تنزيل هذا النظام بطريقة تدريجية”، تورد المقالة، مردفة: “ستنطلق العملية في مدينتي الرباط والدار البيضاء ليتم تعميمها في باقي التراب الوطني، نظرا للطلب الحاد على التعليم في القطاع الخاص، إذ نجد أن متوسط عدد التلاميذ في كل حجرة درس يفوق المعدل الوطني المتمثل في 22 تلميذا”.

واستطردت الباحثة: “ستشمل المدرسة البديلة جميع المستويات، خصوصا التعليم الأولي والابتدائي، وبهذا الإجراء ستتدخل الدولة في سوق التعليم كطرف عارض (عرض وتسويق خدمة التعليم)؛ فأي سوق كيف ما كانت نوعية السلعة أو الخدمة يخضع لقانون العرض والطلب، وحسب هذا الأخير فإذا ازداد العرض نقص الثمن، إلى أن يصبح ثمن السوق مقاربا لثمن التوازن”.

هكذا، فعند دخول المدرسة البديلة إلى السوق ستنتقل كمية من الطلب الذي كان يلبي حاجته من التعليم في القطاع الخاص إلى المدرسة البديلة، نظرا لانخفاض الثمن، تبعا للمقالة، وبالتالي فإن انخفاض الطلب سيؤدي حتما إلى انخفاض الثمن بطريقة تلقائية.

وفي المقابل، ستجذب المدرسة البديلة قسما من الطلب الذي كان يلبي حاجته إلى التعليم من المدرسة العمومية، حسَب كاتبة المقالة، التي مضت قائلة: “وهو القسم الذي كان يجد صعوبة في مواكبة الزمن المدرسي، لكنه لا يستطيع أداء الثمن الذي تقترحه المدرسة الخاصة، ما سيخفف الضغط الحاصل على المدرسة العمومية”.

وبشأن خصائص النظام التربوي البديل، تقترح المتحدثة “مدرسة بديلة بوصفها مؤسسة عمومية ذات هدف غير ربحي، لا تهدف إلى تحقيق الربح المادي، وإنما إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير تعليم لائق للجميع، وكذا نظام أجور سيتكون من الأجر المعتمد في المدرسة العمومية، والتحفيزات حسب ساعات العمل من أجل تحفيز الأطر”.

ووفق هذه الرؤية التي سردتها الباحثة سيتم “توظيف الأطر التربوية بنفس طريقة التوظيف المعتمدة بالنسبة للمدرسة العمومية، أي الانتقاء والتكوين في مراكز تكوين المعلمين والأساتذة، نظرا لنجاعة التكوين الأكاديمي والبيداغوجي الذي يتوزع خلال فترات التدريب؛ كما يمكن اختيار الأساتذة من الأطر المزاولين في القطاع العمومي، بحيث يتم انتقاؤهم بناء على الأقدمية في المدرسة العمومية والكفاءة”.

ويبقى أهم مورد لهذه المدرسة هو أداء مصاريف الدراسة بالنسبة للتلاميذ المسجلين فيها، تبعا للباحثة، بحيث “يحتسب بنسبة 50 في المائة من الثمن المرجعي المعتمد في القطاع الخاص حسب كل مدينة.. ويعرف هذا الأخير تفاوتا كبيرا من مدينة إلى أخرى”، بتعبيرها.

أما بخصوص التوقيت الزمني فسيتم اعتماد التوقيت المستمر من 8 صباحا إلى 4 والنصف مساءً، واعتماد نفس الأنشطة التربوية الموازية المعتمدة في القطاع الخاص. ويعهد إلى المدرسة تدبير النقل والمطعم، مثلما ورد في المقالة، التي أشارت إلى “تزويد المدرسة البديلة بالأطر المساعدة المؤهلة، وذلك عن طريق خلق مسالك في التكوين المهني من أجل تكوين الأطر شبه التربوية (مربيات)، يكون عبارة عن تكوين أساسي مدته ما بين 6 أشهر إلى سنة، هدفه إمداد المدرسة البديلة بالأطر المساعدة في العملية التربوية”.

قد يعجبك ايضا
Loading...