جائحة “كورونا” و سؤال “الأرشيف الإلكترونية

– بقلم : عزيز لعويسي

في ظل جائحة “كورونا” التي أربكت العالم، انخرط المغرب كغيره من الدول، في معركة حامية الوطيس للتصدي للوباء العنيد والحيلولة دون انتشار العدوى، وذلك عبر اتخاذ حزمـة من التدابير الاحترازية والوقائيـة، استلزمت فرض حالة الطوارئ الصحية وتشديد القيود على التحركات، وهي وضعية استثنائية، اقتضت استثمار كل الإمكانيات والقدرات التواصلية المتاحة، من أجل الإبقاء على استمرارية المرافق العامة والحرص على ديمومة دوران عجلة الكثير من القطاعات الإنتاجية، حرصا على ضمان الأمن الغذائي والاجتماعي،  وهو رهان لجأت إليه مجموعة من الإدارات العمومية التي تكيفت بسرعة مع طقــوس الجائحة، بالرهان على “الرقمنة” حرصا على استمرارية مهامها وخدماتها، فبرزت آلية “العمل عن بعد” كأسلوب عمل ناجع و لا مفر منه، لضمان استمرارية العمل، وكإجراء وقائي واحترازي من شأنه حماية صحة الموظفين والمرتفقين على حد سواء، وفي هذا الإطار برز “التعليم عن بعد” لضمان الاستمرارية البيداغوجية، و”التقاضي عن بعد” و”تقديم الخدمات الإدارية عن بعد” و”نسخ الكتب عن بعد” و”المعارض عن بعد”، و”الندوات والاجتماعات عن بعد” و”البرامج التلفزية عن بعد”، و”المجالس الحكومية عن بعد” و”الصحافة الورقية عن بعد” وغير ذلك من الأساليب التواصلية، التي امتدت حتى إلى القطاع الخاص.

 

ودون الخوض في تفاصيل هذه الأنماط التواصلية الإدارية، فما هو مؤكد، أنها فرضت وتفرض توجيــه البوصلة نحو ما تفرزه أو تنتجه من وثائق أرشيفيـة، ويتعلق الأمر بالأرشيف الإلكترونية التي تكون أو تنتج بشكل إلكتروني مقارنة مع الأرشيف الورقي (الوثائق الورقية)، وهذا يجعلنا أمام وثائق أرشيفية ذات “هوية إلكترونية” صرفـة، تنتج أو تكون من قبل المؤسسات والإدارات في إطار أنشطتها الاعتيادية، وتحفظ وتخزن إلكترونيـا بمساهمة تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وفي هذا الصدد، فإذا كانت “الأرشفة التقليدية” تسهر على رعاية “الوثائق الورقية” من لحظة ميلادها أو إنتاجها داخل المؤسسات والإدارات ومواكبتها وتتبعها، إلى حين تحديد مصيرها إما بالحفظ النهائي أو بالإتــلاف حسب خصوصياتها، فإن “الأرشفة الإلكترونية” تقطع نفس دورة الحياة، لكن على المسرح الآلي الحاسوبي، وفي هذا الصدد، نميز بين نوعين من الأرشيف الإلكترونية، نوع أول يرتبط بالأرشيف المنتج أو المكون إلكترونيـا عبر المنظومات والتجهيزات الإلكترونية، ونوع ثان يلامــس الأرشيف “الورقي” المحول إلى “الرقمي” (تصوير الوثائق الورقية بواسطة الماسحات الضوئية (سكانير))، والربط بين “كورونـا” و “الأرشيف الإلكترونية” في هذه الظرفية الاستثنائية، ليــس معناه أن الجائحة وقعت شهادة ميلاد نمط جديد من الأرشيف، من منطلق أن الممارسة الأرشيفية الإلكترونية تبقى حاضرة قبل الجائحة، بمستويات ودرجات مختلفة، كضــرورة أملتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال، ولكنها (الجائحة) أعادت “الأرشيف الإلكترونية” إلى الواجهة، في ظل حالة الطوارئ الصحية التي اقتضت الرهان على “الرقمنة” كآلية من آليات التكيف الاضطراري مع طقوس الوباء العنيد.

 

ونحن نحاول إيجاد توليفة بين “كورونا” و”الأرشيف الإلكترونية”، كان من الضروري الرجوع الذي لا محيدة عنه، إلى القانون رقم 69.99 المتعلق بالأرشيف، والصادر بتنفيذه الظهير رقم 167.07.1 في 30 نونبر 2007، وباستقراء مواده وفقراته، لم يتـم التوقف عند أي مفهوم أو دلالة  للأرشيــف الإلكترونية، ما عدا إشارة وردت في المـادة 11 التي نصت في فقرتها الأولى على ما يلي : “يجب تسليم الأرشيف النهائية إلى “أرشيف المغرب”، ويتعيـن على الهيئات المنتجة لهذه الأرشيــف القيام بحفظها تدريجيا في شكل أرشيف إلكترونيـة”، واستقراء لهذه الفقرة، يمكن التساؤل : هل القانون الأرشيفي يخاطب ويستوعب جميــع الوثائق الأرشيفية مهما كان مصدرها أو شكلها بما فيها “الإلكترونيــــة” ؟ أم يستوعب فقط الأرشيف التقليدية (الورقيـــة)؟ .

 

بالرجوع إلى مقتضى المادة الأولى، فقد عرف المشرع “الأرشيف” باعتبارها “جميع الوثائق كيفما كان تاريخها وشكلها وحاملها المادي الذي ينتجها أو يتسلمها كل شخص طبيعي أو معنــوي وكل مصلحة أو هيئـة عامة أو خاصة خلال مزاولة نشاطهم”(1)، واستقراء لهذه الفقرة، يتبين أن ” القانون الأرشيفي” يخاطب جميــع الوثائق، بما في ذلك الوثائق الإلكترونية “المنشأ”، لكن بالمقابل، لماذا لم يشر “المشرع”  بشكل صريــح إلى “الأرشيف الإلكترونية”، واكتفى فقط بدعوة الهيئات المنتجة للوثائق لحفظ أرشيفها تدريجيـا في شكل “أرشيف الكترونية” كما ورد في المادة 11، وهذا معناه أن الأصل هو “الأرشيف التقليدية” (الورقية) وهي المعني بشكل مباشر بمقتضيات قانون الأرشيف ومرسومه التطبيقي، بدليل دعوة الهيئات المنتجة للوثائق الأرشيفية إلى “التــدرج” في حفظ الأرشيف “إلكترونيا”، وما يزكي هذا الطرح، هو المادة 9 التي تلــزم الأشخاص والمؤسسات والهيئات، بإعداد وتحيين جدول زمني للحفظ، يحـدد آجال حفظ الأرشيف العادية والأرشيف الوسيطـة ومآلها النهائي، وما ورد في المادة 10 التي أشارت إلى تحديد قائمـة بالوثائق التي يتعين إتــلافها، وكذا شروط إتــلافها باتفاق مشترك بين الهيئـة التي أنتجتها أو تسلمتها و “أرشيف المغرب”، وهي إجراءات وتدابير تخاطب بشكل جوهــري “الوثيقة الورقية” دون غيرها.

 

لكن وحتى إذا ما سلمنا أن المخاطب المباشر هو “الوثيقة الورقية”، يمكن التساؤل مجددا عن الطبيعة القانونية للوثائق الأرشيفية التي تم حفظها تدريجيا في شكل “أرشيف إلكترونيـــة”، وهل هذا يعد إجراء من باب “تحصيل الحاصل” أو نوعا من “الترف الرقمي” في ظل تواجد “الأصول الورقية” لهــذه الوثائـق، وأيضا، في ظل غياب أي “مقتضى إلزامي” يلزم “الهيئات المعنية” بحفظ أرشيفها “إلكترونيا”، وحتى في هذا المستوى من النقاش، سنكـون أمام نوعين من الأرشيف، أحدهما “أرشيف ورقية” خالصة، وثانيهما “أرشيف إلكترونية” من أصل “ورقي”، وهذا سيجعلنا أمام نمط أرشيفي  “غير أصيل”، فلا هو حافظ على “أصالته الورقية” ولا هو “منتوج إلكتروني خالص”، وفي جميــع الحالات، فسواء تعلق الأمر بالوثائق الأرشيفية التي تم  حفظها إلكترونيا في شكل “أرشيف إلكترونية”، أو بالوثائق الإلكترونية “المنشأ”، وفي ظل وباء “كورونا” الذي جعل من “الرقمنة” أمرا لا مفر منه، في زمن ما بعد الجائحة، نـرى أن “القانون الأرشيفي” تعتريه بعض مشاهد القصور والمحدودية، بشكل يجعله غير مستوعب لمجموعة من المتغيرات والتطورات، من قبيل “الجهوية المتقدمة” (التنصيص على خلق مؤسسات أو مراكز جهوية للأرشيف)، الأرشيف الإلكترونية، الجريمة الإلكترونية وغيرها، وهذا يفرض إعادة النظر في هذا القانون بعد مضي 13 سنة من دخوله حيز التنفيذ، بتعديل بعض مواده وفقراته، بشكل يستوعب بشكل صريح “الأرشيف الإلكترونية” من حيث المفهوم والحفظ والمخالفات (الجرائم الماسة بالوثيقة الأرشيفية الإلكترونية).

 

وقبل الختم، نؤكـد أن “الرقمنة” باتت ضرورة ملحة في زمن “ما بعد كورونــا”، والجائحة المرعبة، بالقدر ما أربكت العالم وبعثرت أوراق الساسة وعطلت عجلة الحياة، بالقـدر، ما جادت بــدروس وعبر، لا يمكن لمنكر إنكارها، سواء بالنسبة للدول أو المجتمعات أو المؤسسات والهيئات العامة والخاصة أو الأشخــاص، وبالنسبة لمؤسسة “أرشيف المغرب” الحضن القانوني والمؤسساتي للأرشيف العامة، فهــي مطالبة بالتقاط إشارات “كورونا” وربطها بالشأن الأرشيفي بما يضمن التجدد “المستدام”، ولعل من أبرز الإشارات هي فتح نقاش بخصوص القانون الأرشيفي بشكل يجعله مستوعبا للمتغيرات والتحولات الرقمية، خاصة فيما يتعلق بالأرشيف الإلكترونية التي آن الأوان لضبطها وتأطيرها قانونا، لأن “الإلكتروني” سيزحف على “الورقي” في قادم السنوات، واستثمار معطيات “الأزمة الكورونية” في التفكير في السبل الممكنـة، لخلق “بوابـة إلكترونيـة” لتقديم خدمة “أرشيف القرب” على مستوى تقريب الوثائق الأرشيفية من المرتفقين دون حاجة التنقل إلى المؤسسة، وتنظيم المعارض والندوات واللقاء “عن بعد” وغيرها من الممارسات الافتراضيــة، ونختم بالقول،  إلى أنه وقبل تحرير هذا المقال، كنا نظــن أننا طوينا ملف “أرشيف المغرب” بعد أن خصصنا له جملة من المقالات العاكسة لرؤيتنا لحقل أرشيفي لازال خارج دائرة التفكير الرسمي والشعبي، لكن “الكوفيد العنيد” أبـى إلا أن يعيدنا مجددا  إلى “عالم الأرشيف”، وهذه المرة عبر بوابــة “الأرشيف الإلكترونية” التي تحتاج إلى الضابط القانوني والتنظيمي في زمن “الرقمنة” بامتيـاز.. إنه سحر الجائحة، التي تفرض علينا قسرا، تملك آليــات التفكير والخلق والإبــداع والابتكار والاستشراف في “زمن الوبـاء” .. في “زمـن الاستثنـــاء”…

Laaouissiaziz1@gmail.com

 

هوامش :

(1) حددت “الأرشيف العامة” حسب مقتضيات المادة3، في “جميع الوثائق التي تكونها في إطار مزاولة نشاطها: الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العامة، الهيئات الخاصة المكلفة بإدارة مرفق من المرافق العامة، في ما يتعلق بالأرشيف الناتجة عن نشاط هذا المرفق، الأصول والفهارس التي يكونها الموثقون والعدول وسجلات الحالة المدنية وسجلات مصلحة التسجيل.

 

قد يعجبك ايضا
Loading...