دفاعا عن حرمة المؤسسات:

رسالة إلى أولي الأمر وإلى أهل الاختصاص في شأن وزر نازلة التسريب غير المشروع

بعد التحية البروتوكولية لكل من يعنيه الأمر، أود أن أثير في هذه الرسالة المفتوحة مسألة الزوبعة التي أحدثها تسريب مذكرة السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، الأستاذ المصطفى الرميد، خاصة في هذا الظرف الوطني الحساس، المتسم بالتعبئة الشاملة لكل مؤسسات الدولة وبانخراط الشعب المغربي في التدابير الاحترازية التي اتخذتها السلطات العمومية بكل وطنية ومسؤولية.

فإذا كان في التسريب ما هو مشروع وما هو غير مشروع، كما فصَّل ذلك الأستاذ عبد الكبير طبيح، المحامي بهيئة الدار البيضاء، في مقال تحليلي لواقعة تسريب مشروع قانون   22.20 (أنظر أنوار بريس بتاريخ فاتح ماي 2020)، فإن فعل التسريب أصبح يكتسي صفة الخرق والتجاوز (وأعتذر لأهل الاختصاص عن لغتي غير القانونية)؛ وبالتالي، فهو فعل يقتضي المساءلة والمحاسبة القانونية، حسب رأيي المتواضع وغير المختص.

شخصيا، أرى أننا أمام واقعة تمس بحرمة مؤسسة دستورية، اسمها الحكومة. ولا شك أن لهذه المؤسسة قانون تنظيمي. فهل ما قام به وزير الدولة، يعتبر خرقا للقانون التنظيمي للحكومة؟  وإذا كان الأمر كذلك، فهل يعقل أن يتم السكوت عن هذا الخرق؟ أليس هناك جهة (أو جهات) دستورية، دورها أن تحرص على احترام القوانين؟ ألا تدخل القوانين التنظيمية في اختصاص هذه الجهات؟ أليس واجب التحفظ من أوجب الواجبات حين يتعلق الأمر بمؤسسة من المؤسسات الدستورية؟…

هذه مجموعة من الأسئلة، أملتها علي الظرفية الاجتماعية التي تعيشها بلادنا والضجة الإعلامية التي أحدثتها مذكرة وزير الدولة؛ وأوجه هذه الأسئلة إلى ذوي الاختصاص وإلى أولي الأمر، انسجاما مع احترامي لحرمة المؤسسات الدستورية وغيرة على التلاحم الوطني وتقديرا للرأي العام الذي تم تحويل اهتمامه وانشغاله، مع الأسف، إلى ما أصبح يعرف بـ”مشروع قانون الكمامة”، لدرجة أصبح معها من المستحيل أن يقرأ المتتبع كل ما يكتب من مقالات حول مشروع قانون 22.20.

وأتحدث عن المقالات، ولا أتحدث عن التدوينات والتعليقات والتفاعلات في الفيسبوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا في حد ذاته أمر محمود لكونه يدل على يقظة الرأي العام وصناع هذا الرأي العام، وإن كان فيما يُكتب الغث والسمين، كما هي العادة؛ ذلك أن البعض لا يتورع عن تدبيج مقال حول المشروع دون أن يطلع عليه ودون أن يتحرى صحة ما ينشره، ناهيك عن الضحالة الفكرية والركاكة اللغوية التي تتسم بها بعض هذه المقالات المتهافتة.

شخصيا، لن أقبل أن يزايد علي أحد في اتحاديتي أو في وطنيتي أو في غيرتي على ما تحقق في بلادنا من مكتسبات في مجال حرية الفكر والرأي والتعبير؛ خاصة وأنني أعرف حق المعرفة ما قدمه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من تضحيات جسام كمساهمة قوية وريادية في تحقيق هذه المكتسبات.

لذلك، لن أقبل على نفسي أن أشارك في نصب مقصلة سياسية لمناضل اتحادي، وزيرا كان أو غفيرا، دون شركائه في جريرته.

أكيد أن الأخ محمد بنعبد القادر، وزير العدل، قد ارتكب خرقا للدستور بتقديمه لمشروع القانون 22.20 المتعلق بتنظيم المواقع الإليكترونية وما يدخل في حكمها، دون طلب رأي المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ودون استشارة القطاعات المهنية ذات الصلة.

لكن مسؤولية وزير العدل تنتهي عند تبني الحكومة للمشروع المذكور، وأصبحت الكرة في ملعب مؤسستين دستوريتين: الأمانة العامة للحكومة ورئاسة الحكومة. لذلك، لا أفهم ولا أتفهم التركيز، كل التركيز، سواء من داخل صوف الاتحاد الاشتراكي أو من خارجها، عن الأخ بنعبد القادر، ويتم التغاضي على مسؤولية رئاسة الحكومة والأمانة العامة للحكومة، ناهيك عن الخرق السافر لوزير الدولة لواجب التحفظ.

نعرف جميعا دور الأمانة العامة للحكومة، التي كانت توصف بثلاجة القوانين؛ فليس هناك مشروع قانون لا يمر عبر هذه المؤسسة التي تعتبر المؤطر والمستشار القانوني للحكومة؛ فمهمتها أن تدقق في الجوانب القانونية. ثم إن رئيس الحكومة، هو المسؤول عن جدول أعمال مجلس الحكومة، وليس بنعبد القادر. فهذا الأخير لم يقحم المشروع المذكور في جدول أعمال المجلس؛ بل مسؤولية ذلك تعود لرئيس الحكومة وللأمين العام للحكومة.

ولذلك، أرى أن لا معنى لصمت الأخ بنعبد القادر، رغم احترامي لرأيه، بعد أن كثر اللغط والهرج والمرج حول هذا الموضوع. فلا يمكن أن نتذرع بالأخلاق وواجب التحفظ مع من لا يقيم وزنا لهذه القيم.

في الخلاصة، أرى أن على حزبنا، ما لم يتم إنصافه والاعتذار إليه، أن يراجع موقفه من المشاركة في حكومة لا تشكو الضعف فقط، بل تفتقد حتى إلى الحد الأدنى من التضامن الحكومي بسبب تصرفات أعضاء الحزب الأغلبي الذي لا يتورع عن خلق البلبلة لخلط الأوراق والركوب على الأحداث لاستغلالها انتخابيا قبل الأوان؛ ذلك أن عينهم دائما على صناديق الاقتراع وريع هذه الصناديق، ما لم يكن هناك مآرب أخرى تفوق كل هذا.

محمد إنفي، مكناس في 4 ماي 2020

 

قد يعجبك ايضا
Loading...