حديث في ذكرى وفاة الملك محمد الخامس

-بقلم : عزيز لعويسي

 

تحل اليوم (10 رمضان) ذكرى وفاة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، وهي فرصة سانحة للسفر خارج زمن “كورونا” والتموقع في صلب زمن الحماية، لاستحضار ما بذله الملك الراحل من تضحيات جسام ومن صبر وصمود وتباث على المبدأ ونكران للذات، في معركة المقاومة والتحرير، وما قدمه من تعاون ودعم ومساندة لنضالات الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، وما أبداه من مواقف بطولية مدافعة عن الوحدة والسيادة الوطنية، وما عبر عنه من تصريحات علنية معادية للاستعمار في عدد من المحطات التاريخية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، خطاب طنجة (1947) و خطاب العرش (1952)…

وهي مواقف نضالية وطنية، أحرجت السلطات الاستعمارية الفرنسية، التي لم تجد -حينها- خيارا، سوى تدبير مؤامرة نفي السلطان الشرعي والأسرة الملكية إلى جزيرة كورسيكا ومنها إلى مدغشقر، والتعجيل بتنصيب سلطان بديل، في محاولة منها لكسر شوكة الحركة الوطنية وفك العروة الوثقى بين الملك والشعب، إلا أن الشعب المغربي بكل أطيافه، بادل التضحية بالتضحية و رد الوفاء بالوفاء، وأشعل شرارة ثورة 20 غشت 1953م (ثورة الملك والشعب) التي أطلقت العنان للعمل المسلح والعمليات الفدائية ضد المصالح الاستعمارية، احتجاجا على مخططات سلطات الحماية ودسائسها، وفي ظل اشتداد حدة الكفاح الوطني، اضطرت فرنسا إلى السماح بعودة السلطان من منفاه، وبعودته، تم إعلان انتهاء عهد الحجر والحماية وبـــزوغ فجر الحرية والاستقلال.

لم تتوقف عجلة الكفاح عند حدود نيل الاستقلال، بل استمرت في الدوران لكسب رهانات الجهاد الأكبر، عبر استعجال إرساء ما تسلتزمه الدولة المستقلة والحديثة من بنيات سياسية واقتصادية وإدارية وعسكرية وأمنية وتعليمية وغيرها، والانخراط التلقائي في مسار استكمال الوحدة الترابية لاسترجاع الأراضي التي ظلت – وقتها – خاضعة للاستعمار الإسباني، وفي هذا الصدد، فإذا كان الملك محمد الخامس قدس الله روحه، قد كسب رهان الاستقلال بمعية الحركة الوطنية، ورفع الدعامات الأولى لمغرب ما بعد الاستقلال، قبل أن يسلم الروح إلى بارئها في العاشر من رمضان  من سنة 1380 هجرية (26 فبراير1961م)، فإن خلفه الملك الحسن الثاني رحمه الله، يسجل له التاريخ بناء المغرب الحديث واستكمال الوحدة الترابية وهندسة ملحمة المسيرة الخضــراء التي مكنت من استرجاع الصحراء المغربية، ليتحمل خلفه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، مسؤوليـة التحديث والإصلاح والإقلاع الاقتصادي والتنموي وصون لحمة الوحدة الترابية.

وإذا كانت ثورة الملك والشعب التي اندلعت شرارتها الأولى بنفي السلطان محمد بن يوسف والأسرة الملكية، قد شكلت منعرجا أخيرا في اتجاه الحرية والاستقلال واستكمال الوحدة الترابية وبناء أسس الدولة الحديثة، فنحن في حاجة ماسة اليوم، إلى ثورة جديدة للملك والشعب، لمواجهة الفقر والهشاشة ومحاربة كل ممارسات الريع والعبث والتهور وانعدام المسؤولية، والفساد والمساس بسلطة القانون والإفلات من العقاب، وفاء وتقديرا لرجالات ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الحرية والاستقلال، ومن أجل أجيال لاحقة، من مسؤولياتنا الجماعية، أن نبني لهم وطنا حرا ينعم بالأمن والطمأنينة والتنمية والرخاء والازدهار.

وبما أن الذكرى تزامنت هذه السنة مع جائحة وباء “كورونا”، فهي فرصة، لاستثمار ما قدمته وتقدمه الجائحة العنيدة من دروس وعبر، في مقدمتها الرهان على التعليم “الناجع” و”الفعال” لبناء الإنسان/المواطن الذي تتوفر فيه شروط الوعي والمواطنة والالتزام والانضباط، لأن تجربة “الكوفيد المرعب”، أبانت بما لايدع مجالا للشك، أن أكبر “كوفيد” يهدد حياتنا، هو “كوفيد الجهل” وما يرتبط به من عبث وتهور وأنانية مفرطة، ومن عناد ونعرات وتشرذم وشتات، وهي فرصة لدعوة “اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي” لاستخلاص الدروس “الكورونية”، ليس فقط لاستثمارها في بلورة هوية “النموذج التنموي المرتقب”، بل لأن “مغرب ما قبل كورونا” لن يكون قطعا هو “مغرب ما بعد كورونا”، والذي لا يمكن تصوره، إلا في إطار مفردات المواطنة الحقة والشفافية والمسؤولية والمحاسبة، والانضباط والالتزام واحترام القانون، والتضامن ومحاربة الريع والفساد، وكل ممارسات التسيب والانفلات.

وقبل الختم، نترحم على فقيد الأمة وبطل التحرير الملك محمد الخامس وخلفه الملك الحسن الثاني طيب الله ثراهما، وعلى شهداء الوطن من أفراد المقاومة وأعضاء جيش التحرير وقدماء المحاربين، مقدرين ومنوهين بكل أفراد القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والقوات المساعدة المرابطة في الحدود دفاعا عن الوطن ووحدته الترابية، وبكل القوات الأمنية التي تسهر على حماية الأمن الداخلي والخارجي، كما ننوه بكل المواطنين الصادقين والنزهاء في الداخل والخارج، الذين لا يدخرون جهدا من أجل الإسهام في بناء وإشعاع وطن، يعد “بيتنا المشترك” الذي يحمينا من حر التشرذم وقساوة الشتات …

وبما أن “كورونا” لازالت ضيفا ثقيلا بين ظهرانينا، فمن واجبنا المحافظة على وحدة الصف والتعبئة الجماعية والتحلي بالمواطنة ونكران الذات واستحضار المصلحة العامة، لنتصـدى للكوفيد العنيد وندبر بنجاعة ما أفرزه من تداعيات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية متعددة المستويات، وفي نفس الآن، نواجه بروح وطنية، ما يحاك ضدنا من تحرشات واستفزازات خارجية غير بريئة، ونختم بالقول أن اللحظة، تقتضي القطع مع مشاهد العناد والحسابات والنعرات، وتفادي تنزيل الممارسات أو القرارات التي من شأنها إحداث الجدل  وتكريس “كوفيد” العناد والخلاف والانقسام، في زمن جائحة استثنائية، لا تقبل إلا بالمسؤولية والالتزام وعمق الرؤية ووحدة الصف، بعيدا عن اللخبطة والارتباك … عسى أن ترحل الجائحة التي بالقدر ما أربكت العالم وبعثرت أوراقه، بالقدر ما يلزم استثمار معطياتها، لتجويد الممارسة وتحسين السلوك وإعادة ترتيب الأولويات وإحياء ما نتقاسم من قيم ومبادئ إنسانية مشتركة، مع تحية تقدير لكل من يتواجه في الجبهة الأمامية  للحرب الشرسة الجارية ضد وباء “كورونا”، وعلى رأسهم الجيش الأبيض من الأطباء والممرضين وتقنيي الصحة والوقاية المدنية والأمن الوطني والقوات المساعدة ورجال وأعوان السلطة وعمال النظافة، والجنود المرابطين خلف الشاشات (نساء ورجال التعليم) حرصا على ضمان “الاستمرارية البيداغوجية” في إطار “التعليم عن بعد”… ومسك الختام .. نترحم على كل ضحايا الفيروس المجهري عبر العالم، وإنا لله وإنا إليه راجعون …

laaouissiaziz1@gmail.com

قد يعجبك ايضا
Loading...