تطوان .. وأولى قلاع الحجر الصحي نهاية القرن الثامن عشر..

عبد السلام انويكًة

مركز ابن بري للدراسات والابحاث وحماية التراث

 

مقابل ما أحيطت به الرحلات الحجية من قِبل باحثين ومؤرخين، من عناية من خلال ابرازهم لِما جاء فيها من معطيات تاريخية واجتماعية وثقافية..، لم يحظ وضع الحجاج في أعمال هؤلاء العلمية بما هو شاف من دراسة وتحليل، لرصد ما كانوا عليه من مشاق وأخطار طبعت تنقلاتهم منها ما كانوا يتعرضون له من أوبئة، كثيراً ما كانت تؤرقهم في طريقهم ونزولهم وحجرهم الصحي. والحديث عن مسألة الوباء وحج مغاربة زمان بقدر ما هو انفتاح على تيمة تاريخية ومادة وثائقية جديدة، بقدر ما هو استحضار لجوانب بنيوية في تاريخ المغرب تجمع بين هوامش وزمن منسي مغيب وغير رسمي..، ومن هنا ما يمكن أن يسهم في توسيع وعاء تاريخ بلادنا الاجتماعي وتحقيق فهم أهم وأعمق لِما حصل في الماضي.

ويسجل أن مغرب القرن التاسع عشر كان بفترات من قلة مؤونة وجفاف مجاعة..، ما كان يسهل معه انشار أوبئة كانت تأتي على عدد كبير من الضحايا، وفي اطار الوقاية منها كان الأجانب على مستوى بعض المدن بدور في تغيير نظامها وتدابيرها المعتمدة بالمغرب، كما كانت لضغوط قنصليات أجنبية أثر في دفع المخزن لتبني اجراءات صحية وقائية. فمع انتشار وباء الكوليرا مثلاً خلال ستينات هذا القرن، تم منع نزول حجاج قادمين من الديار المقدسة بسبب ضغوط الدبلوماسيين الأجانب بطنجة، ليجبروا على قضاء حجر صحي بجزيرة الصويرة طيلة العقود اللاحقة، علماً أن كثيراً من هؤلاء كانوا يهلكون بها من شدة الحرمان وليس الوباء.

ويسجل أن ما كانت عليه سفن نقل الحجاج من تكدس بسبب تعطش أصحابها للأرباح، كان يشكل بيئة مناسبة لتفشي الوباء في صفوفهم مما دفع مختلف السلطات لإلزامهم بإجراءات صحية صارمة. وكان الحجاج المغاربة لهذا العهد ملزمين بعد أداء فريضتهم بقضاء حجر صحي أول في منطقة “طور” بسيناء، ثم حجر ثان في جزيرة الصويرة بالمغرب بعد عودتهم. وكانت القوانين الصحية الجاري بها العمل آنذاك تنص على التزام سفن حجاج مشكوك في حالتها الصحية، بالتوجه الى جزيرة الصويرة من أجل حجر صحي بها لمدة أسبوعين، ولعلها متاعب أخرى كانت تنضاف لِما كان يتعرض له الحجاج في تنقلاتهم عبر البحر وعلى متن سفن كانت بشروط غير مناسبة.

وبقدر ما كانت جزيرة الصويرة مناسبة طبيعياً لهذا الدور بقدر ما كانت بعيدة عن طنجة، باعتبارها نقطة أساسية لتفريق الحجاج باتجاه مدنهم ومناطقهم. ناهيك عما كان يتعرض له هؤلاء عند إنزالهم من السفن في ظروف بحرية طبيعية صعبة، بحيث لم يكن من السهل وصولهم الى الجزيرة فكثيراً ما كانوا يتعرضون لأدى صخور قال عنه أحد الأجانب:”إن أقسى القلوب لترق لرؤية هؤلاء الأشقياء والدم ينزف من سيقانهم العارية، يتسلقون الصخور كقطيع مضهد.”

بل وخلال فترات رديئة مناخياً كان يتعذر الاتصال بهذه الجزيرة، وهو ما كان يعرض حياة من هم بها من حجاج للجوع، علماً أنها لم تكن قادرة على استقبال أكثر من ألف حاج نظراً لعدم استواء سطحها. وغالباً ما لم يكن يتم الالتزام بهذا العدد الذي كان يصل أحياناً الى أربعة آلاف حاج مقيم بها، ومن هنا ما كان بها من وباء وقلة تغذية وقد حصل أن انتشر بها وباء كوليرا في بداية تسعينات القرن التاسع عشر. وممن كان مكلفاً بدراسة تنظيم محاجر خاصة بحجاج عائدين بطنجة، هناك “لوسيان رونو” بتكليف من قِبل وزارة الخارجية الفرنسية، وقد استغل هذه الفترة لجمع معطيات كثيرة حول وضع الحجر الصحي بالمغرب مكنته من تأثيث تقارير ودراسات عدة له في هذا الشأن.

وكانت جزيرة الصويرة قد تحولت الى محجر صحي بموافقة السلطان محمد بن عبد الرحمن بموجب ظهير، والأمر كان يخص فقط حجاج موبوئين لا غير وهو ما ظل العمل سارياً به الى غاية فترة حكم السلطان الحسن الأول. بل تقرر من قِبل المجلس الصحي بطنجة في عهد خلفه اغلاق ميناءها وباقي موانئ البلاد نهائياً، في وجه سفن الحجاج العائدة وعدم الترخيص لها بإنزال ركابها سوى في جزيرة الصويرة. ما استنكره السلطان عبد العزيز من خلال رسالة وجهها لنائبه محمد الطريس بطنجة، الا أن المجلس الصحي تشبت بقراره لدرجة دفعت مولاي عبد العزيز للتهديد بمنع الحج نهائياً لهذا السبب.

وكان قرار سلطان المغرب هذا وراء جملة أخذ ورد بين المخزن والمجلس الصحي، انتهى بقبول منع الحجاج المغاربة من أداء الفريضة وهو ما أورد حوله مولاي عبد العزيز قائلاً:” فإن لم يسلموا ما تضمنه كتابنا الصادر لك صريحاً في تقييد النزول بالجزيرة وتعيين الطبيب بالسنة الوخيمة، فلا سبيل في لانتهاك حرمات الدين بتعمد الاقدام على اسلام المسلمين ليفعل بهم في ديارهم ما لا وجه لإباحته. ويتعين حينئد ارتكاب أحد أمرين إما المنع من الركوب الى الحج أصالة بعد بنائه على أساس شرعي..وإما أن يرجع للوجه الذي وقع الاتفاق عليه أولاً، بأن تكون تكتب لوكيل مصر ليعلمك عند ايابهم.. بحال الحجاج  بحيث اذا كان فيهم مرض وخم تعلم به أنت خدامنا أمناء الصويرة ليهيئوا تنظيف المحل، وتعيين الطبيب واحداً أو إثنين والماء والقوت ومن يقابلهم بالجزيرة حتى يخرجوا منها.”

ويتبين من الرسالة أن سلطان المغرب كان عازماً على منع الحج خلال هذه الفترة من نهاية القرن التاسع عشر في حالة تمادي مجلس طنجة الصحي في تحديه، غير أن هذا الأخير علم بظهور الطاعون في الهند ودعاه لمنع الحج، وهو ما استجاب له مولاي عبد العزيز بعد موافقة علماء مراكش حيث تم أمر عمال المدن والمراسي بمنع الناس من التوجه للمشرق عام 1897. مع أهمية الاشارة في هذا السياق الى أن أولى محاولات إحداث محاجر صحية بالمغرب، تعود الى نهاية القرن الثامن عشر عندما وقع الاختيار على عدة أبراج قرب تطوان وطنجة وسبتة، قبل الاتفاق على الصويرة أواسط القرن التاسع عشر لاتخاذها مركزاً دائماً لحجر صحي خاص بالحجاج بموجب ظهير شريف.

 

قد يعجبك ايضا
Loading...