كيف سيسعنا بيتنا الضيق في حجر “كورونا”؟؟

الحبيب عكي

كثيرون من تطرقوا – جزاهم الله خيرا- إلى كيف يمكن أن نقضي حجرنا الصحي في بيوتنا طوال هذه الأيام العصيبة لحماية أنفسنا من وباء “كورونا” دون كلل أو ملل أو ضجر وضيق،وقالوا في مقترحاتهم  وتوصيات برامجهم بالعديد من الأشياء المهمة كالمحافظة على الصلاة وقراءة القرآن والدعاء،وقالوا بالدراسة مع الأبناء والحوار معهم واللعب الجماعي،إلى قائل بالقراءة الحرة والكتابة المبدعة والتفرغ للبحث العلمي مع ممارسة الهوايات كالرياضة والطبخ وغيرها،دون نسيان الانخراط في الجهود التضامنية للمجتمع والسؤال عن الأهل والتكافل مع المحتاجين منهم..؟؟،وإذ أقر – كفاعل تربوي – بكل هذه المقترحات القيمة حسب ما يراه الناس ضروريا ولهم مناسبا،سأتناول الموضوع من زاوية أخرى اجتماعية ونفسية بالأساس،وأراها ضرورية لتحقيق ما سبق من مقترحات الإخوان والأخوات،وبالتالي لابد من:

 1- وضع الحجر الصحي الجبري في إطاره و وظيفته:

         وهي اتخاذ الأسباب العلمية والشرعية لتفادي وباء معدي ليس له دواء ولا لقاح إلا العزل الصحي لتقليل الخسائر والضحايا بين الناس، وباء أصاب كل العالم وأغلق بالقوة القاهرة كل الأبواب حتى أبواب المساجد والكنائس والمدارس والكليات والملاعب والأسواق والمقاهي والملاهي والمواني والمطارات، فكيف بأبواب البيوت والمحلات؟؟.

 2- استحضار أنماط العيش وإبداء المرونة في تقبلها:

فالرخاء لا يدوم،والشدة لا تدوم،قد يصبح المرء صحيحا ويغدو مريضا والعكس،دوام الحال من المحال،وتلك الأيام نداولها بين الناس،من سره زمان ساءته أزمان. ثم ما فائدة كل تراثنا الغني في أدب العزلة إذا لم يعنا اليوم :”من دخل بيته فهو آمن”،”الزم بيتك وابك على خطيئتك”،”وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى”،” وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا” الكهف / 25.فالحياة في أفكارها و طرق عيشها قبل إمكانياتها و فضاءاتها؟؟.

 3– تنظيم الوقت وتنويع البرامج وتوازنها:

         فالإنسان بطبعه ملول،ضعيف،لا يستطيع العيش على نمط واحد ونشاط وحيد،وسرعان ما يحب التغيير والحرية،أضف إلى ذلك تنوع حاجاته بين الجسدية والغذائية و الفكرية والروحية..،لذا على هذا التنظيم الزمني أن يراعي هذا الامتداد والتراكم وهذا التنوع واختلاف الحاجات والفئات والاهتمامات إلا ما قد يحصل بشأنه توافق غير مجبر؟؟.

4- حسن المعاملة واحترام الآخرين:

         لقوله (ص):”ليس منا من لم يحترم صغيرنا،ويوقر كبيرنا،ويعرف لعالمنا قدرا”،ومن الاحترام اعتماد التعايش والحوار والإقناع،وتجنب القيادة المفروضة والأوامر المستبدة،الحرص على ضمان الحقوق والواجبات وسط الأسرة، كما أن من الاحترام أيضا مراعاة بعض الفئات المحجورة في البيت من ذوي الاحتياجات الخاصة،والمسنين،وربما الأطفال والمراهقين والمعطلين والمدمنين والمختلين..،وكيف يمكن أن نستوعبهم ونكون لهم نحن الأقرباء رحمة أفضل من الشارع والغرباء؟؟.

5- تخفيف الضغط وتجنب المشاكل:

         ففيروس “كورونا” قد ضغط على الجميع بشكل أو بآخر،وسد الأبواب في وجه الجميع،سد أبواب الرزق عن الكثيرين وأقعدهم عن الشغل بل أفقدهم إياه،وسد أبواب المعاهد والكليات والملاعب والجمعيات،بل حتى أبواب المساجد والحج والعمرة والموانىء والمطارات،فلا بد من الابتعاد عن كل ما يمكن أن يزيد من الضغط على الناس أو يثير معهم المشاكل،وإلا انفجر الوضع وسادت الشحناء،واندلعت معركة “كورونا” الأسرية المادية والمعنوية،كما تنذر الناس ببعض الحالات:”زوجة ضيقت على زوجها بقيل وقال فتركها وهجرها في هذه الحالة العصيبة نحو المجهول”، و”زوج ضيق على زوجته بالتدخل في كل شيء فاستنجدت منه بالشرطة،قائلة لهم عن زوجها،أنقدوني من “كورونا” عندنا في البيت، بعينيه ورجليه يريد الفتك بنا”؟؟.

6- إشاعة المحبة والجو الأسري الدافىء:

         بأن يظهر الأب محبته لأبنائه وأمهم،بالقرب والثناء والتشجيع والبسمة،وتظهر الأم محبتها لأسرتها باعتبار زوجها – على كل حال – وسماع أبنائها ومساعدتهم والقدرة على تنظيم أوقاتهم وحل خلافاتهم وتفهمها،ويظهر الأبناء شعورهم بالانتماء إلى البيت وتحمل بعض المسؤولية فيه،ولا يستنكفوا عن ذلك بهواتفهم وحواسيبهم والانعزال في غرفهم عن آبائهم وإخوانهم،لابد من تقديم مقدورهم من الخدمات وعدم التسخط على الوجبات وإثارة الخصومات؟؟.

7- الانخراط في المعركة الوطنية ودعم ملحمتها:

         بدء من الالتزام الصارم بالتعليمات والقرارات الاحترازية الصادرة عن الجهات الرسمية،شروط النظافة والوقاية العامة،الحجر الصحي وتجنب الخروج والتجمعات والجولان..،نشر الايجابية والتفاؤل والاعتصام بالله تعالى،القيام بالواجبات المدرسية والأعمال الإدارية الممكنة عن بعد،والانخراط في الأعمال التضامنية الممكنة وبالأشكال الممكنة،ولنتذكر أننا كلنا في سفينة الوطن،وقوم منا أصابوا قيادتها وقوم ركوبها،ولا حق لأي كان أن يخرقها ويغرقها،لابد من إيقافه عن ذلك،”..فإن هم تركوهم هلكوا وهلكوا جميعا..وإن هم منعوهم نجوا ونجوا جميعا”؟؟.

8- احترام الخصوصيات والاختيارات والهوايات:

         اللهم ما كان محل توافق بين المعنيين،كقراءة أو قيام جماعي أو لعب وترفيه جماعي أو مساعدة في مهام بيت ودراسة،أو تعلم مهارات أو لغات وتخطيط مشاريع،أو تحلق حول حكايات الأمهات والجدات،أو جلسات تبديد مخاوف الأطفال من المرض بالعلم ونفي الإشاعة وحول الدراسة بالمتابعة والمساعدة وحول الأصدقاء بالتمكين من السؤال والتواصل معهم،وغير ذلك مما الناس فيه أوعى بحيثياتهم ودوافعهم؟؟.

9- التزام الآداب الشرعية للمخالطة والعيش الجماعي:

         خاصة لمن يضم بيتهم بعض المحارم والأغراب ممن اضطرتهم “كورونا” للحجز الجماعي مع غيرهم،وأكيد سيضطر البعض للتنقل بين الغرفات،والمرافق الصحية،والتنظيف والخدمات..،فليكن كل شيء بآداب..،آداب اللباس والاستئذان،والجلوس والحوار والأكل أو الترفيه الجماعي،ولا ينبغي أن تسلمنا “كورونا” الأجساد والأبدان إلى “كورونا” الأخلاق والأديان؟؟.

10- الصبر و الدعاء واحتساب الأجر عند الله تعــــالى:

         قال تعالى:”أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء”النمل/62 ، وقال عمر رضي الله عنه:”لو نزلت صاعقة من السماء،ما أصابت مستغفر”،وقال الرئيس الإيطالي:”لقد انتهت حلول الأرض،ولم تبقى إلا حلول السماء”؟؟،وحلول السماء تكون باللجوء إلى رب السماء وحسن الظن به والرضا بقضائه وقدره،والتوبة إليه ففي الأثر:”ما نزل بلاء إلا بمعصية،وما رفع إلا بتوبة”،وحسن التوكل بذل قصارى الجهد في اتخاذ الأسباب و الإلحاح في الدعاء على رب الأسباب؟؟.والحمد لله على حجرنا،لازلنا فيه قادرين على الوضوء والصلاة والذكر والدعاء،ولازال لدينا فيه الماء والكهرباء والمؤونة والهاتف والتلفاز والانترنيت،نجوب عبرهم كل العالم ونحن في بيوتنا، والحمد لله – كما يقال – أنه حجرا وليست حربا،طعاما وليس جوعا،بيوتا وليس لجوء،وأمنا وليس خوفا،وإن شاء الله،كلها أيام وسنفرح بفضل الله..بفضل الله..رغم أنف “كورونا”؟؟.

 

قد يعجبك ايضا
Loading...