وظيفة العمر

الحسن بنونة
كنّا صغارا في الابتدائية وكان معلمونا يعلموننا الأخلاق قبل العلم ، و كان على جدران قسمنا لوحات معلقة أتذكر من بينها ما كان مكتوب عليها ، ” العلم نور ونبراس وهاج ” و أخرى” إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم ذهبت أخلاقـهم ذهبــواً “
حينها ما زلنا نتعلم الكلمات و تركيب الجمل ، إذ طرح علينا أحد المعلمين رحمه الله سؤالا لم نجد الإجابة عليه ولو أنه أعطانا إجابتين فقط للاختيار بينهما ، كنّا نخاف أن لا نجيب الجواب الصحيح ، السؤال يقول : العلم وسيلة أم غاية ؟ و بعد و نحن في قسم الشهادة طرح علينا نفس السؤال معلم آخر رحمه الله ، فأجاب بعض التلاميذ أنه وسيلة للتوظيف والعمل و تحسين ظروف العيش في المستقبل ، لكنه قال :إن كان العلم وسيلة فلا بأس وهذا مطلوب ، ‘إنما الواقع يجب أن يكون لكم العلم غاية ، لأن العلم هو الذي سيعرفك على نفسك وعلى خالقك و سيوجهك إلى الطريق الصحيح حتى تنجى إلى بر الأمان في الدنيا والآخرة ، ترسخ الكلام في أذهن الكثير منّا ، ولكننا لم نستوعب المضمون الحقيقي للمفهوم . ومع ذلك مرت الأيام و صرنا رجالا و اليوم شيوخا وما زلنا نجعل من العلم وسيلة للوصول إلى وظيفة أو عمل ، متناسين ما أكده أساتذتنا لنا رحمهم الله ، فما قلناه لأبنائنا و هم ما زالوا صغارا و ما نقوله اليوم لأحفادنا هو : اجتهد وادرس كي تكون كذا أو كذا …أي وسيلة لطلب العيش.
و في الواقع العلم ضروري لأداء وظيفة مهمة و كبيرة – وظيفة العمر – وحتى بدونه سنؤدي هذه الوظيفة أنا و أنت وهو وهي رغما عنّا ،لكننا بالعلم سنؤديها أحسن تأدية ، فنحن قبل أن نبحث عن وظيفة أو عمل ما لنستفيد بالأجر عليه ، نقوم بوظيفة طوال حياتنا إلى غاية الموت و سنأجر عليها كذلك ، لكن هيهات… هيهات ! الأجر يختلف اختلافا كبيرا ، فأجر عمل ما ، يمكن أن يبلغ إلى ملايين الدراهم ، لكن أجر وظيفة العمر يمكن أن يصل إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت و لا خطر على بال بشر ..جنات عرضها السموات والأرض ، – يا إلهي ….أملاك تصل إلى هذا الحجم أكبر حتى من الأرض ؟- أمر لا يصدقه العقل ، لكن عقل المؤمن يصدق بل هو على يقين أن لله له أكبر من ذلك و أوسع و أن الله على كل شيء قدير .
وظيفتنا الحتمية هي الدعوة إلى الله ، والدعوة بعلم وافر أفضل بكثير من الدعوة بعلم أقل وفرة ، و بدون علم هي أقل بكثير من علم قليل .
فأنت داعية بالقول أو العمل أو السلوك أو بالمال أو الجوارح ، شئت أم أبيت .. إما داعية إلى الله العلي القدير استجابة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بلغوا عنّي ولو آية )) البخاري وغيره . أو داعية لمنهج آخر ، فاختر لنفسك لمن تدعو ، فالراشي و المرتشي دعاة للرشوة ، و شارب الخمر داعية لأم الخبائث ، والمدخن داعية للتدخين ومن يتخذ منهاجا غير الإسلام يكون حتما داعية لمنهجه وهكذا …..و المؤمن عليه أن يدعو إلى ما وصله من خير ،عن أني بن مالك رضي الله عنه: قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) متفق عليه، فصاحب السلوك السوي يدعو بمعاملته وأخلاقه ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)رواه الترمذي،وصححه الشيخ الألباني…….و المصلي في الأوقات وفي المسجد يدعوا إلى ذلك ولو لم يلفظ بالقول بل فعله دال على ذلك ….و المتسامح داع إلى العفو والصفح وهكذا ……إنها حقا وظيفة عمر ليس فيها طرد ولا توقيف ولا تقاعد ، بل هي باقية ما أنت باق على وجه الأرض . والجزاء من الله حسب علمك ولو بالقليل ، فالله لا يضيع أجر عمل عامل ، ذكرا كان أم أنثى، و النساء شقائق الرجال في العمل والجزاء .
إنما منّا من يتوهم أنه فعل المعاصي و ظلم الناس و زنى وارتكب ذنوبا كثيرة ، فهو لا يصلح للدعوة ….. حدثنا قتادة عن أنس رضي الله عنه مرفوعا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كل بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون)) قال الألباني حديث حسن ، أقول و بالله التوفيق كلنا ذلك المذنب و كلنا عصى و كلنا وقع في زلة ما …. لكن ربنا كريم ولا يقنط من رحمته إلآ الضالون ،فرحمته وسعت كل شيء ، فهو الغفور الرحيم قابل التوبة ، فلنتب ونعمل على تبليغ دعوة ربنا سبحانه إلى الناس و نجتهد في كسب العلم حتى نستطيع تصحيح مفاهيم الناس في العقيدة والعبادات .
و هناك من يتوهم أن الدعوة خاصية العلماء ،نعم العلماء لهم النصيب الأكبر ،لكننا نحن لنا حظنا وإن قل ، فإذا استطعنا أن نصحح مفاهيم الناس و نزيل عنهم غشاوة الضلال بتوجيههم إلى العقيدة الصحيحة التي لا يشوبها شرك ظاهر ولا خفي و نبين لهم أداء عباداتهم على أحسن الوجوه ، نكون قد قمنا بالدعوة إلى الله ، فكم منّا يصلي وهو ينقر الأرض كنقر الطير ، وكم منّا لا يصلي الصلاة في وقتها ، وكم منّا لا يصلي بتاتا ، وكم منّا ما زال يشرب الخمر وكم منّا مازال يلعب القمار وكم منّا يطلب المداد من الخلق ، وكم ….وكم….وكم….فإذا استطعت بسلوكك أو نصحك أو ما تملكه من العلم قل أو كثر أن تنقد شخصا واحدا فذاك لك به الخير الكثير إن شاء الله .
قال تعالى : (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (104/آل عمران
وفي مقام آخر قال سبحانه : (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين )) فصلت:33َ
أما الأحاديث ، روى مسلم وأصحاب السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً))
وقال صلى الله عليه وسلم (( .. فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النَّعم )) وفي رواية أخرى ((خير لك مما طلعت عليه الشمس)) رواه البخاري
و في الختام انظر إلى ما قاله الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين : (( بلغوا عنّي ولو آية )) رواه البخاري وغيره فلا تبخل بالدعوة إلى الخير فأنت الرابح الأكبر
اللهم علمنا من علمك ما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأجرنا من النار بعفوك آميــــن

الحسن بنونة

قد يعجبك ايضا
Loading...