“لجنة التنمية” و “مغاربة الثلج”

عزيز لعويسي

كلما حل فصل الشتاء بين ظهرانينا في المدن والمجالات السهلية، كلما اجتاحتنا موجات البرد القارس القادمة من قمم الجبال، حاملة معها مقطعا قصيرا من شريط القسوة والألم، الذي تجري أحداثه كل سنة في الكثير من المجالات القروية والمناطق النائية وقمم الجبال العالية في الريف والأطلس، مشكلا مرآة عاكسة، لما تتقاسمه شرائح عريضة من ساكنة المغرب الحامل لمفردات “المنسي” و”العميق” و”غيرالنافع” من مظاهر “الإقصــاء” الشامل،  و”الممثلون” هم مغاربة غلابى ومنهم تلاميذ، يتقاسمون في صمت – بدرجات متفاوتة- طابق “البؤس” و”القساوة” و”الألم”، وتزداد أحداث الشريط تعقيدا وتأزما، كلما جادت السماء بالأمطار والثلوج الناصعة البياض.

في هذا الصدد، و في الوقت الذي تواصل فيه “اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي” عملها، بحثا عن الحلول والبدائل التي من شأنها التأسيس لنموذج تنموي جديد، قادر على طرد “نحس” الهشاشة والفقر والإقـصاء من عدد من المجالات الحضرية والريفية والجبلية بالأساس، والارتقاء الشامل بمستوى التنمية البشرية، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وجعل المغاربة على قدم المساواة أمام خيرات وثمار التنميــة، وفي الوقت الذي ينخرط فيه الكثير من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والباحثين والمهتمين، في التنظير للنموذج التنموي المأمول، وفي الوقت الذي تهرول فيــه “بعض وسائل الإعلام”، بحثا عن القضايا المثيرة والساخنة بكل ما تحمله من تفاهة وسخافة، هنــاك ملايين من المغاربة ومن ضمنهم أطفالا وتلاميذ، يعيشون على وقـع العزلة الصادمة والحصار الكاسح، بسبب الثلــوج التي جعلت الكثير من الدواوير الجبلية خارج الزمن، “لا طير يطير ولا وحش يسير”، لا طرق ولا قناطر ولا مواصلات، لا إمكانيات مادية (ملابس، أغطية، مؤونة، ماء، كهرباء، أجهزة تلفاز، وسائل التدفئـة ..) و لا علف يقي الماشية شبـح الموت الوشيك، ولا طبيب يداوي الجراح، ولا إعلام يتجرأ ويكشــف عن سوءة الألم وعمــق الجراح (مع وجود الاستثناء طبعا)، في طبيعة شرسة لاينفع معها أنين ولا نجـدة ولا نواح.

وفي ظل هذا الواقع الذي يبدو كالمرض الصامت، وفي زمن “الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين” والقانون المؤطر لها، نوجه البوصلة بالأسـاس نحو تلاميذ الجبال أو تلاميذ الثلج، ونجازف بروح مواطنة في التساؤل: كيف يمكن الحديث عن التعلمات، في ظل العزلة والحصار؟ كيف نراهن على تعليم تلاميذ يتقاسمون أفرشـة البؤس والخصاص(سوء التغذية، انعدام الوسائل (الملابس المقاومة للبرودة، الماء، الكهرباء ..)؟ كيف نؤسس لعلاقة “ود” بين “نساء ورجال التعليم” و”المجال”، في أوساط فاقدة للحدود الدنيا للإغراء والجاذبيـة، في ظل غيـاب الشروط المحفزة على الارتباط بالمجال (السكن، ماء، كهرباء، أنترنيت، تعويضات ..)، بل وكيف نحاصر “الهدر المدرسي” في مجالات قاسية لا صوت يعلو فيها على صوت “البؤس” وأخواته؟ وكيف نكسب معركة التعليم الأولي والأساسي في أوسـاط معزولة تماما، تصبــح فيها “القدرة على محاربة الجوع” و”مواجهة الموت” فوق كل اعتبـــار.

إثارتنا لهذا الموضوع، هي محاولة لتوجيه الأنظـار نحو ملايين من المغاربة المنسيين في المناطق النائية والمجالات الجبلية، الذين يعانون في صمت بشكل مستدام بمناسبة كل شتـاء، في غيـاب أدنى شروط المقاومة والصمـــود، وبالقدر ما تجود السماء بالثلج، بالقدر ما تكون العزلة ويكون الحصار، بالقدر ما تسود العزلة ويحضر الحصار، بالقدر ما تشتد الأزمـة في ظل محدودية أو غياب الوسائل والإمكانيات المادية، وهنا لا مناص، من إثارة انتبــاه “اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي” إلى واقــع “مغاربة الثلج” الذين يعانون أكثر من غيرهم، خاصة في الفترات التي تنخفض فيها درجات الحرارة إلى ما دون الصفــر، حيث عادة ما تكون “العزلة” القاتلة، سيدة الموقف، خاصة لما تجود السماء بخيراتها من الثلوج والأمطــار، وهو واقع لا يمكن لمنكر تجاوزه أو تغافله.

 لذلك، نرى أن اللحظة، تقتضي القيـام- بشكل استعجالي- بزيارات “ميدانيـة” لمغاربة الثلج ولتلاميذ الثلج، ليس فقط للإحســاس بما يحسون وبما يتألمون، ولكن من أجل التوقف عن قرب، عند عمق الأزمة ودرجة العزلة وقســوة الحصار، لتشكيل رؤية واقعية شمولية نابعة من الميدان، من شأنها بلــورة حلول عميقة قادرة على إعادة الاعتبار لمغاربة الثلج، بما يضمن تحقيق التنمية المأمولة، أما “تلاميذ الثلج”، فهي دعوة للتحرك وتفقد واقع الحال،  والحرص على تقديم بدائل حقيقية، قادرة على حماية التعلمات وإنقاذ المتعلمين والمتعلمات من خطر كاسح عنوانه العريض : “الهدر المدرسي”، وهو خطر، القضــاء عليه، يمر قطعا عبــر محاربة البؤس والفقر والهشاشة والإقصــاء.

وقبل الختم، نؤكد  أن  اللحظة، تفرض اتخاذ “تدابير استعجاليــة” لفك العزلة والحصـار ومد الساكنة المحاصرة بين الثلوج، بالملابس والأغطية والمؤونــة والحطب وعلف الماشيــة، كما تفرض إيلاء عناية خاصة بالشأن التعليمي في العالم القروي الذي يعد “تربة خصبة للهدر المدرسي”، في انتظـــار، أن  تتوصل “لجنة التنمية” إلى بلورة “استراتيجية تنموية” من شأنها إعادة الاعتبــار لمغاربة الثلج ولتلاميذ الثلــج ..

ونختم بدعــوة وسائل الإعلام المواطنة، إلى جعل “مغاربة الثلج” و”تلاميذ الثلج” في صلب اهتماماتها وقضاياها، خاصة في هذه الفترات الحرجة، التي يتوقــع أن تشهد فيها، بعض المناطق الجبلية، نزولا لدرجة الحرارة إلى ما دون الصفــر( في حدود 10 درجات دون الصفر في بعض المناطق)، أما “شبه الصحافة”، فنتمنى أن ترحمنا من مواضيع التفاهة والسخافـة، ونوجهها بالمناسبة، لتوجيــه البوصلة نحو القضايا الحقيقية للمواطنين وما أكثرهـا، ولكل “قلم” أو “ميكروفون” مهووس بالبــوز، نؤكد أن “البوز” الحقيقي، هو كل عمل “مواطن” يهتم بمشكلات المواطنين ويثير الانتباه إلى حجم معاناتهم ودرجة انتظاراتهم وتطلعاتهم بمهنية وحرفية وأخلاق، هو كل عمل يرتقي بمستوى الأذواق ويكرس ثقافة التميز والرقي والجمال، ويساهم في مسلسل الارتقــاء بالوطن.

أما “الأحزاب السياسية” التي تدبر الشأن الجهـوي والمحلي، خاصة في العالم القروي والمناطق الجبلية النائيـة، نقول بأحرف بارزة : المغاربة في الجماعات والدواوير النائية، يتألمون في صمت، بردا قارسا وجوعا مؤلما ومرضا موجعا، ومسؤوليتكم، القرب من الساكنة والانصات لطلباتها وانتظاراتها، والبحث عن الحلول الناجعة القادرة على التخفيف من عمق الأزمة وحدة الألم المستدام، وإلا، ما الجدوى من السياسة والانتخابات والأحزاب السياسية، بل وما الجدوى من “أي نموذج تنموي”، إذا لم يتم فك الحصار وإرساء التنميـة وإعادة الاعتبـار؟!

  ومسك الختام، ألف تحية وتحية، لكل نساء ورجال التعليم عبر التراب الوطني، الذين يتحملون بشرف وأمانة “رسالة نبيلة” في مهنة جسيمة، أضحت مرادفة للألم والمعاناة والشكوى والإحبــاط، النهوض بها، يمر قطعــا عبــر إعادة الاعتبار للرائد والمايسترو الذي قال فيه الشاعر يوما : “كاد المعلم أن يكون رســولا ..”..

قد يعجبك ايضا
Loading...