” الأموال العامة بين المصادرة والتهريب من منظور خلدوني”

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

  أولا:الهواجس النفسية للحيازة المالية بين الدولة والرعية

الإنسان هو الإنسان والمال هو المال والسلطان هو السلطان والخوف هو الخوف والحيف هو الحيف ،فقد تتغير الظروف ويتطور العمران وتتنوع المكاسب وتتفرع المعاطب ولكن يبقى الجوهر قائما والمحور ثابتا يدور معه الدائر ثم يعود إلى المكان الذي دار منه.

وبحسب علم النفس القديم والحديث فالغرائز عند الإنسان لا تتعدى في الغالب كحصر مبدئي هذه الثلاثية المحورية وهي:حب البقاء وحب النوع والمنافسة الاجتماعية.وبهذه الغرائز ،على اعتبارها دوافع وبواعث ،يتأسس العمران والحضارة والدولة والاقتصاد والمجتمع ككل.فالإنسان هو الحضارة وهو العمارة وهو المال وهو السلطة وهو الفقر والغنى وهو الحيازة والضياع وهو الامتلاك والاستهلاك وهو الأنا والهو ،وهو الصراع والعصبية والملَكة والمملكة…

          دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ   وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ

      أَتَزعُمُ أَنَّكَ جِرمٌ صَغير   وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ

     فَأَنتَ الكِتابُ المُبينُ الَّذي    بِأَحرُفِهِ يَظهَرُ المُضَمَرُ

      وَما حاجَةٌ لَكَ مِن خارِجٍ     وَفِكرُكَ فيكَ وَما تُصدِرُ

  فالإنسان يود لو يمتلك العالم بغريزته ،ومن يمتلك يكون أكثر ميلا إلى أن يملِك ،لأن الامتلاك يكون للجمادات ،والملْك يشمل الإنسان والحيوانات والاستحواذ على الأموال والقلوب ،وتوظيف الجاه والسياسة والكيد والكياسة وما إلى ذلك .

   لكن المقدمة الأولى قد تكون هي المال، وما سمي بذلك إلا لأن النفس تميل إليه ،فقد تميل بالأصالة وبالتطاول ثم بالطمع والجشع والزلفى واستدرار العطف.

  ولهذا فكان وما يزال محور الخير والشر في علاقة الإنسان بأخيه هو المال ،حيازته أو مصادرته أو تخزينه وإتلافه.

   لكن الأكثر أثرا على الحياة العامة لكل مجتمع هو إشكالية جمع المال عن طريق الشعب، الذي يتم بين السلطان باعتباره الآمر والناهي والمسئول الأول عن المالية العامة وانتظام المجتمع والسوق وبين الحاشية المحشوة طمعا وتزلفا واغتناما والتهاما .خاصة وأنها قد تكون ممن يمر ويسري المال العام من بين أيديها على شكل جبايات وضرائب ومكوس وغرامات وما إلى ذلكم مما يمثل المصادر الرئيسية لخزينة الدولة.

وبهذا القرب ووضع اليد يكون الثراء أقرب وأسرع في حياة هذه الفئة المحظوظة ،والمحظية، من خواص رجال ونساء الدولة.

   لكن هؤلاء المحظوظين قد يكونون دائما على أهبة الاستعداد لتوقع الأسوأ من طرف الحاكم الأول ،أي السلطان والرئيس، بحسب مزاجه أو تقلباته أو استعلاماته التي قد توشي إليه خبرا سلبيا عن بعضهم ،فتكون مصادرة أموالهم في الحين وربما سجنهم وتعذيبهم كما يذكر التاريخ القريب والبعيد.

    هذا من جهة ومن ناحية أخرى فقد يكون هؤلاء الحواشي أقرب إلى الاطلاع على مالية الدولة من حيث الدخل والخرج،ويكون اطلاعهم على المديونية الحقيقية للدولة أدق وأصدق،فلا يرون حينذاك من حل سوى الفرار بجلدهم وجيادهم ،وما تحمله من مدخرات وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة نحو خارج بلادهم، على وهم من أنهم ربما سيكونون أنجى إذا حصلت أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية في البلاد !وهذا يمثل انقلابا أبيض مسموما على الدولة والشعب معا !  

    فالأمر ليس إيجابيا كما يتوهم هؤلاء ،وإنما سيكونون مدمرين للدولة والمجتمع معا، وبالتالي مدمرين لأنفسهم تدميرا.بحيث سيصبحون لا مال لهم ولا وطن ولا ولاء ولا هوية.

ثانيا:الخلفيات السياسية للمصادرات وتهريب المال العام  

  وعند هذه النقطة بالذات سنرى ابن خلدون بعبقريته السياسية والعمرانية يرصد هذه الظاهرة القديمة الحديثة ويصفها أجمل توصيف مبني على الواقع وعلى علم النفس الغرائزي والمرتبط بالتجاذب المالي والسياسي.

    فيرى أن السلطان لما تقل لديه الجبايات بفعل كساد السوق وضعف الموارد المالية، بسبب الخرج الذي يفوق الدخل وما ينفق على المصالح التابعة للدولة وحاشيتها ،فإنه قد يلجأ بالضرورة إلى ملاحقة الأموال التي بيد هؤلاء بالانتقاص التدريجي والاقتطاعات ،لكن المتفطنين منهم قد يرون في ذلك إنذارا مبكرا فيهرعون إلى تهريب المال نحو الخارج واستباق الأحداث التي في نظرهم قد تكون حتمية الوقوع بسبب بوادر انهيار الدولة.

وفي هذا يقول:”ولما يتوقعه أهل الدولة من أمثال هذه المعاطب صار الكثير منهم ينزعون إلى الفرار عن الرتب والتخلص من ربقة السلطان،بما حصل في أيديهم من مال الدولة إلى قطر آخر ،ويرون أنه أهنأ لهم وأسلم في إنفاقه وحصول ثمرته”.

  لكن عبقرية ابن خلدون هاته لم تقف عند هذا الحد وإنما كان لا بد من التعقيب حيث يرى أن هذا الإجراء :”من الأغلاط الفاحشة والأوهام المفسدة لأحوالهم ودنياهم“.

  في حين ،وهذا بيت القصيد للتنبيه على الخطر الداهم قبل استفحاله ،يرى بأن الدولة إذا وقعت في هذا المطب فإن:”الخلاص من ذلك بعد الحصول فيه عسير ممتنع.فإن صاحب هذا الغرض إذا كان هو الملك نفسه،فلا تمكنه الرعية من ذلك طرفة عين ،ولا أهل العصبية المزاحمون له،بل في ظهور ذلك منه هدم لملكه وإتلاف لنفسه بمجاري العادة بذلك،لأن ربقة الملك يعسر الخلاص منها ،سيما عند استفحال الدولة وضيق نطاقها وما يعرض فيها من البعد عن المجد والخلال والتخلق بالشر”.

    لكنه لم يقف عند هذا الحد من حيث اعتبار أن تهريب الأموال من طرف الحاشية المقربة قد يمثل تهديدا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلد دولة وشعبا ،ولكن سيذهب إلى أبعد من هذا وهو مراعاة الخطر السياسي الذي يكمن أن يمثله هذا الانتقال لهذه الفئة نحو بلد آخر، قد يكون معاديا أو حتى مهادنا ،وذلك لما يحمله في جعبته من أسرار الدولة أو صندوقها الأسود.

    وكرصد للتاريخ يقول ابن خلدون:”وأما إذا كان صاحب هذا الغرض من بطانة السلطان وحاشيته فقل أن يخلى بينه وبين ذلك…فلا يسمحون بحل ربقته من الخدمة ضنا بأسرارهم وأحوالهم أن يطلع عليها أحد،وغيرة من خدمتهم لسواهم”.كما يذكر بعض الإجراءات الاحترازية لأمراء بني أمية في هذا المضمار وذلك بمنعهم لرجال الدولة وبطانتها من السفر ولو للحج حتى لا يقعوا في يد الدولة العباسية أو يكشفوا لهم تآمرا عن أسرار الدولة.

   فإذا كان هذا الانتقال قد يمثل خطرا على الدولة فإنه بالتوازي سيكون وبالا على المهرب واللاجئ ،سياسيا كان أم غيره، طالما أنه قد أخذ معه المال من بلده إلى الخارج.إذ ستكون الدولة المضيفة غير مغفلة وغاضة الطرف عن العملة الصعبة التي دخلت حدودها من غير عناء ولا حرب وغنيمة،كما أنها لا تستضيف بالمجان !،وإنما هذا فيء جاء بيديه ورجليه ليحط رحاله سهلا عند غير أهله.وفي إطار اللعبة السياسية والاستغفال يبدأ الابتزاز والاستدراج نحو استخراج الكنوز،تارة تحت غطاء أعمال خيرية أو تمويل أنشطة رسمية وغيرها، حتى يبقى الوافد صفرا على الحديدة ،ناذرا ما قد يتحصل على مكسب أو أجر بحسب تقييم دولة  المهجر لحاله.فيكون حينئذ قد خسر وطنه وولاءه وهويته وربما دينه، وبالتالي سيكون مساهما في خراب بلده بسحبه لمالها ،فلا ظهرا إذن أبقى ولا أرضا قطع…فهل من منتبه أو مراجع لنفسه؟

 

 

قد يعجبك ايضا
Loading...