اكتب بالأمازيغية أو اترك عنك الأمازيغية اكتب بالأمازيغية أو اترك عنك الأمازيغية

من أعاجيب الزمن الأمازيغي نجد أنه في 2019 ما زالت نخبة الأمازيغ المتعلمة تعليما جامعيا تتهرب من الكتابة باللغة الأمازيغية في مواضيع الحياة والمجتمع رغم حرصها على الكتابة والنشر باللغات الأخرى. وحتى إذا كتب بعضهم شيئا بالأمازيغية فهو غالبا شعر لا يقرأه أحد ولا يفهمه أحد ومكانه رفوف المكتبات المنسية.

من يدعي أنه يهتم باللغة الأمازيغية و”يناضل” من أجل الأمازيغية فليكتب مرة أو مرتين في الشهر بضع فقرات خفيفة باللغة الأمازيغية (بلهجته اليومية المحلية مثلا) حول أي موضوع يعجبه من مواضيع الحياة اليومية والمشاكل الشعبية والظواهر الدنيوية.

لا معنى في عام 2019 لأن يستمر “مناضلو الأمازيغية” في الصوم المتعمد عن الكتابة باللغة الأمازيغية. فحاجز تكلفة الورق انهار لأن الشاشة والمواقع الإلكترونية المجانية هي “الورق الجديد” المجاني. وحاجز تكلفة المداد سقط لأن الكيبورد وبرمجيات الكتابة مثل Microsoft Word تقدم لك “مدادا إلكترونيا” مجانيا لا ينضب أبدا ومتوفرا بكل الألوان والأشكال والأحجام. وحاجز المطبعة انهار لأن الكومبيوتر والمواقع يطبعون لك كل شيء بالمجان على الشاشة. وحاجز التوزيع انهار لأن الإنترنيت هي الموزع المجاني الأعظم. لم يعد هناك عذر مقبول للصوم عن الكتابة باللغة الأمازيغية في 2019.

لا أحد طلب منك أن تكون كتابتك تحفة أدبية أمازيغية. وإنما الكتابة باللهجة الأمازيغية المحلية البسيطة تكفي. ولا عيب إن كان نصف الكلمات في مقالك الأمازيغي من أصل عربي أو دارجي أو فرنسي أو إسباني أو إنجليزي. فما دامت بنية الجملة أمازيغية فهي جملة أمازيغية. ومع الوقت سيتعلم الناس الكلمات الأمازيغية الأصيلة المحفوظة في القواميس القديمة.

ومن يكتب بأمازيغية الريف (Tmaziɣt) فهو يكتب باللغة الأمازيغية. ومن يكتب بأمازيغية الأطلس (Tamaziɣt) فهو يكتب باللغة الأمازيغية. ومن يكتب بأمازيغية سوس والجنوب (Tacelḥit) فهو يكتب باللغة الأمازيغية. ومن يكتب بخلط لهجات اللغة الأمازيغية فهو أيضا يكتب باللغة الأمازيغية.

ولا داعي للقلق حول إمكانية كون مقالاتك أو تدويناتك صعبة الفهم خارج مدينتك أو منطقتك بسبب الاختلافات اللهجية. فهذا ترف ورفاهية. فلو قرأ 40 شخصا من مدينتك مقالك الأمازيغي (حول مشاكل المدينة مثلا) فمقالك ناجح. ليس من الضروري أن يقرأ مقالك الأمازيغي 40.000.000 مغربي على سطح الكوكب.

ومن أراد أن يكتب مقاله الأمازيغي بالحرف اللاتيني فهو أفضل حل في هذه الظروف المغربية والعالمية. ومن أراد أن يكتب مقاله الأمازيغي بحرف ثيفيناغ فمن حقه، وما عليه إلا أن يشمر عن ساعديه. ومن أراد أن يكتب مقاله الأمازيغي بالحرف العربي فهذا أفضل من لا شيء.

وأولئك الذين يزعمون أنهم يدافعون عن الأمازيغية ثم يتهربون من كتابة بضع فقرات بالأمازيغية بمبرر انتظار نزول الوحي من الإيركام أو انتظار نزول الوحي من الدولة فإنهم لا يؤمنون باللغة الأمازيغية وإلا لكتبوا بها كما ينطقونها في حياتهم اليومية العادية دون انتظار نزول الوحي الإيركامي أو المخزني.

من ينتظر نزول “الأمازيغية المعيارية الفصحى” الوهمية من الإيركام أو من الدولة فهو لم يؤمن يوما بوجود شيء اسمه اللغة الأمازيغية، وهو فعليا ينتظر من الدولة أن تصنع له “لغة أمازيغية معيارية فصحى” جديدة لتكرار سيناريو “العربية الفصحى” التي يتم تدريسها منذ قرون بتقنية التحفيظ والتلقين الجامد فتجمدت عقول شعوب بأكملها بسبب احتكار الكتابة بلغة مقدسة لا يتحدثها أحد كلغة أم ويتحكم الكهنوت الإسلامي بكل مداخلها ومخارجها وبواباتها وأنفاقها وسراديبها ودهاليزها.

وفضلا عن كون صناعة الدولة لغة معيارية فصحى بشكل فوقي شيئا مصطنعا مآله الفشل أو الاختلال الوظيفي (dysfunctionality) فهناك حقيقة أخرى وهي أن أي شيء تنتجه الدولة هو رديء بالضرورة. فمستشفى الدولة دائما أسوء من مستشفى القطاع الخاص. ومدرسة الدولة أسوء من مدرسة القطاع الخاص. ومصنع الدولة أسوء من مصنع القطاع الخاص. وتلفزة الدولة أسوء من تلفزة القطاع الخاص. إذن، اللغة المعيارية الصادرة عن الدولة هي أسوء من لغة الناس أو لغة القطاع الخاص. وهذا أستطيع أن أؤكده شخصيا. فأمازيغية الإيركام هي أسوء من أي شيء كتبه مغربي بالأمازيغية. وعندما حاول الإيركام تطبيق الأمازيغية في ترجمة الدستور المغربي إلى الأمازيغية بحرف ثيفيناغ أخرج ترجمة كارثية هي فضيحة بكل المقاييس بسبب شدة رداءتها وكثرة أخطائها. وكنت قد تعرضت لها بالتفصيل في مقال سابق. والرداءة اللغوية الإيركامية مستمرة ولا مجال لشرح آلاف انزلاقاتها هنا.

لا تنتظر من الدولة أن تكتب لك الأمازيغية أو تصنع لك لغة جديدة أمازيغية معيارية فصحى رائعة. فلا يصدر عن الدولة إلا الرداءة. والسر في ذلك هو أن موظفي الدولة (أية دولة في العالم وليس فقط في المغرب) يشتغلون من أجل الراتب الريعي ولا يملكون حوافز من أجل تحسين منتوجهم، وإنما هم ينجزون عملهم دائما بتثاقل وتأفف وعينهم لا تفارق الساعة الحائطية منتظرين الساعة الرابعة أو الخامسة أو السادسة ليغادروا المكتب إلى بيوتهم. فلا تنتظر منهم خيرا لأن “الخدمة ديال بزّز ما منّهاش”.

لا تقل لي أنك تريد أن تكتب بالأمازيغية الشعر أو النثريات الأدبية التجريدية الهلامية. فهذه ليست كتابة حقيقية بل هي نقوش وزركشات لغوية “ديال فوق الشبعة”. وكتابة مطبوع للتوعية الصحية بالأمازيغية أو مقال صحفي بالأمازيغية للقارئ البسيط وبلغة بسيطة هي أفضل من مليار ديوان شعري بالأمازيغية.

والهروب إلى الكتابة الشعرية والنثرية والتجريدية بعيدا عن الكتابة الواقعية المفهومة هو بسبب كون الكتابة الشعرية والنثرية والتجريدية غير خاضعة للنقد العقلاني التطبيقي. وهكذا فإن كاتب الشعر والأدب هو دائما معفي من التحليل والمساءلة العلمية وهو دائما “ناجح”. فأي تخرميز شعري أو أدبي لا بد أنه “إطلالة أدبية” و”إشراقة شعرية” و”تمثل وجداني عميق” و”سبر لأغوار الوجود” وهلم جرا من تلك الشطحات اللانهائية الفارغة.

فأنا مثلا أستطيع أن آخذ عددا من الكلمات الأمازيغية مثل tamurt (الوطن، الأرض) وَ Tamazɣa وَ ajenna (السماء) وَ ijenwan (السماوات) وَ ameɣwan (الجوهرة) وَ Murakuc (المغرب) وألصقها كيفما اتفق وأتلاعب بها بشكل عشوائي ثم أسمي ذلك “ديوانا شعريا” يمكن فهمه كيفما اتفق حسب مزاج وخيال أي شخص.

أما إذا كتبت مقالا بالأمازيغية حول الفقر في Anefgu أو حول البؤس في كاريانات الدار البيضاء (Anfa) أو حول مشكل القمع البوليسي أو حول السباق التكنولوجي والعسكري بين أمريكا والصين فهذا مقال دقيق يدور حول موضوع دقيق غير قابل لـ”التأويل الأدبي” العشوائي وسيستطيع القارئ فهمه والحكم عليه أو الاستفادة منه.

الكتابة الحقيقية هي الكتابة الدقيقة المفهومة التي تصف الحياة والأحداث والعلوم والتكنولوجيا والتاريخ والجغرافيا والماضي والحاضر والمستقبل والمدينة والقرية. أما الشعريات والنثريات والتجريديات فهي هروب من أرض الواقع بسبب عجز لغوي أو عجز علمي أو عجز عن التعامل مع الواقع. هذا لا يعني أن الشعر والنثر والتجريد الأدبي أشياء مرفوضة وإنما هي من الكماليات التي لا داعي لتضييع الوقت فيها حاليا بينما الأمازيغية صفر على اليسار في الضروريات (الاستخدام الواقعي العملي).

إذن، من يزعم أنه مهتم باللغة الأمازيغية فليكتب مقالات وتعليقات باللغة الأمازيغية (بلهجته اليومية البسيطة) في أية مواضيع تعجبه مثل السياسة والاقتصاد والعلوم والرياضة والأديان والترفيه، وإلا فليترك عنه الأمازيغية وليتطوع لخدمة العربية أو الفرنسية أو الإسبانية ولا يصدع رؤوس المغاربة وعامة الأمازيغ بالكلام المجتر الفارغ العقيم حول الأمازيغية.

إلى كل المعلقين والمدونين والمتفيقهين و”المناضلين” والصائمين عن الكتابة بلغتهم الأم الأمازيغية: من لا يكتب باللغة الأمازيغية فليترك عنه الأمازيغية ويبحث لنفسه عن هواية أخرى يحترمها ويمارسها قولا وفعلا.

tussna@gmail.com

قد يعجبك ايضا
Loading...