من الاقوال الى الأفعال: ” التحدي المجابه في توفير الصحة للجميع ” المسؤولية مشتركة

7 أبريل اليوم العالمي للصحة 2019

تحيي المنظمة العالمية للصحة ومعها المجتمع الدولي، في السابع من شهر إبريل من كل سنة  ، يوم الصحة العالمي ،  يتم فيه التركيز على موضوع ،  يتعلق بصحة الانسان  ، وما تطرحه من إشكالات ، وكيفية معالجتها عبر التوعية  والتشجيع والتعبئة  والتوجيه  لكل الدول  والمنظمات والمجتمعات والافراد  لتحقيق التغطية الصحية الشاملة ،وتوفير الرعاية الصحية الكاملة لكافة المواطنين حسب احتياجاتهم ، بغض النظر عن وضعيتهم الاجتماعية.   

         ان صحة الانسان هي أغلى ممتلكاته ورأس ماله الاول، وعندما يفقدها يسقط في براتين المرض الفقر والهشاشة والعجز. ويمكن ان يكون اداة لانتقال ولانتشار الأوبئة والأمراض والفيروسات الفتاكة والمعدية في المجتمع. تكلف الدولة إمكانيات باهظة في لعلاج المصابين بأمراض مزمنة او وبائية. لذلك أصبحت الصحة تحتل مكانة هامة جدا في جدول اعمال الحكومات وسياساتها العمومية وتتصدر مواضيع الحملات السياسية والانتخابية، باعتبار ان توفير المتطلبات الصحية للإنسان ضروري جدا له حتى يبقى قادرًا على اداء مهامه و رسالته في المجتمع وليس عالة عليه .  و ان يضمن لنفسه ولأسرته العيش والحياة الكريمة .  وهو ما يتطلب طبعا  ليس فقط الخدمات الصحية العلاجية والمستشفيات الكبرى والتجهيزات المتطورة المكلفة جدا لخزينة الدولة،   بل أساسا كل وسائل الوقاية والتشخيص المبكر  ، وسياسة اجتماعية واقتصادية.  تمكن من التأثير الإيجابي المستمر والمتواصل في المحددات الاجتماعية للصحة ،من اجل القضاء على الفقر والهشاشة والبطالة والامية وتوفير التغطية السليمة والمأمونة، والماء الصالح للشرب و السكن اللائق والبيئة  النظيفة والسليمة ….

وفي هدا السياق تبرز أهمية السياسة الاقتصادية والاجتماعية والتعلمية والصحية المتبعة ،  ومدى نجاعتها في التأثير في  المحددات الاجتماعية للصحة،  وبالتالي  فان الصحة ليست فقط مسؤولية متوقفة على القطاع الصحي لمجابهة المرض وتوفير الرعاية الصحية. بل هي مسؤولية مشتركة  جماعية ومجتمعية.  أفراد أسر جماعات ومنظمات المجتمع المدني وحكومة ودولة .    

لذلك دعت المنظمة العالمية للصحة الى  الالتزام  برفع التحدي وتوفير التغطية الصحية الشاملة ،وجعلتها على راس أهدافها واهداف التنمية المستدامة، واختارت كشعار لها لهذه السنة من الاقوال الى الأفعال : ” التحدي  المجابه في توفير الصحة للجميع “

              ففي إطار تقييمنا المتواضع لحالة المنظومة الصحية ببلادنا سنة 2019 في افق القيام بإصلاحات عميقة وجدرية للمنظومة الصحية وتأهيل مستشفياتنا للعب ادورها الرئيسية في الوقاية والعلاج والتشخيص والتكوين والبحث العلمي وفي انتظار مشروع الإصلاح الحكومي يحق لنا ان نتسأل عن مدى التزام المغرب بتحقيق التغطية الصحية الشاملة  ونتائجها على ارض الواقع ؟

      -فأين نحن اليوم من شعار التغطية الصحية الشاملة ، بعد ١٥ سنة من دخول مدونة التغطية الصحية الاساسية الى حيّز التنفيذ  و٦ سنوات على تعميم نظام المساعدة الطبية لدوي الدخل المحدود ؟اين نحن من شعار العدالة الصحية ؟

  -اين نحن من التغطية الشاملة  وضمان وتكريس الحق في الاستفادة من الخدمات الصحية الجيدة  والحصول عليها دون مواجهة صعوبات مالية. وتفاديا للوقوع في براثن الفقر.

          -اين نحن من توصيات المناظرة الثالثة للصحة بمراكش سنة 2013 التي دعا فيها جلالة الملك محمد السادس، الى بلورة ميثاق وطني للصحة، واقعي وقابل للتفعيل، يضع المواطن في صلب اهتماماته وبتوفير خدمات ذات جودة عالية لكافة المواطنات والمواطنين، بصفة ناجعة، عادلة ومنصفة.

     – اين نحن من العدالة الصحية المجالية وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين واشراكهم في إطار المنظومة الجهوية المتقدمة ؟؟

            فبلغة الأرقام  وبناء على المعطيات المؤشرات الإحصائية المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي  ، فان التغطية الصحية الشاملة كالتزام وتحدي لازالت لم تتحقق  بالمغرب حيث ان  فقط 46 في المائة من الساكنة النشيطة  تتوفر على تامين صحي،  أي ان ازيد من نصف  سكان المغرب على الأقل خارج أية مظلة للتامين الصحي. جلهم  يفتقرون حاليا على إمكانية الحصول على الخدمات الصحية الأساسية. حيث ان  ان 9 ملايين مواطن فقط يستفيدون حاليا  من التامين الاجباري عن المرض. منها  66.3 في المائة تامين صحي للقطاع الخاص من مجموع المستفيدين من النظاميين  و67 في المائة من المساهمين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الدين بلغو 3.8 ملايين منخرط . كما سجل نظام التامين الخاص للطلبة فان التغطية لم تتجاوز  71.654 طالب مستفيد  اغلبهم من المؤسسات التعلمية العمومية من بين 288 ألف طالب.

               اما نظام المساعدة الطبية لدوي الدخل المحدود  – الراميد- فقد انتقل عدد المسجلين الحاملين لبطاقة الراميد  الى 12 مليون مستفيد . علما ان الحصول على بطاقة الراميد لا يعني بتاتا الاستفادة من المجانية الكاملة في التشخيص والعلاج، فضلا عن الشروط التعجيزية للحصول على الوصل  رفض المستشفيات العمومية التعامل  اما البطاقة الراميدية  ،فتتطلب  شهور ان لم نقل سنة أو اكثر  للحصول عليها من وزارة الداخلية . ام الوصل الراميد  فلا يسمح بموجبه الولوج مجانا الا للخدمات الصحية الاستعجالية  وهو ما جعل عشرات الألاف من المواطنين لا يسحبون بطاقاتهم ولا يجددونها بسبب هده الاختلالات الإدارية في تسليم بطاقة الراميد لطالبها ومستحقيها

         اما نظام التأمين الإجباري عن المرض الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطاً خاصاً. والدي يهم شريحة واسعة تقدر ب 5 ملايين مهني وما بين 10 و11 مليون باحتساب اسرهم ودوي الحقوق  .فرغم صدور القوانين والمراسيم التطبيقية فانه لازال معلقا بسبب اتخاد قرارات من جانب واحد دون الاستشارة مع المهنيين مما سيجعل من الصعوبة تطبيقه على المدى القريب والمتوسط, 

                      ومن جانب اخر تظل الموارد المالية والبشرية احدى اهم العوائق التي تفرمل اصلاح وتنمية المنظومة  الصحية  مما يخلق أزمة تمويل النظام الصحي العمومي ، حيث لم تخصص الحكومة لميزانية الراميد  لسنة 2019  سوى مبلغ 1.6 مليار درهم  بواسطة الحساب الخصوصي للصيدلية المركزية وهو غلاف مالي  لم يتغير سقفه  منذ 2017 أي 1 مليار درهم   وهو ما يفيد سلفا ان غياب اية ميزانية لسنة 2019 لإصلاح نظام المساعدة الطبية (راميد) . وأن تصحيح الفوارق المجالية والاجتماعية؟

           وفي الوقت الدي كان منتظرا ان يخفض نظام التامين الصحي الاجباري من مساهمة الأسر في التكلفة الاجمالية للصحة الى 25 في المائة فإنها لازالت تتراوح ما بين 57 و60 في المائة، ويبقى   الانفاق الحكومي ضعيفا وفي حدود 5 في المائة من الميزانية العامة للدولة واقل من 2 % من الدخل الوطني والنفقات الاجمالية للصحة اقل من 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام  ، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بأن لا يقل الانفاق الحكومي على الصحة  12%.

           ففي ظل هدا الوضع المتسم بغياب التغطية الصحية الشاملة  تستمر نفقات الأسر في التكاليف الاجمالية للصحة  في الارتفاع  وارتفاع ما يصطلح عليه  النفقات الكارثية المؤدية للفقر حيث ان 10 في المائة من المواطنين يسقطون كل سنة في براثين الفقر بسبب النفقات الصحية الباهظة الثمن و الكارثية، فضلا عن ارتفاع نسبة البطالة  المؤدية للفقر والعوز وغياب الحماية الاجتماعية  و انخفاض مستوى الدخل الفردي وخاصة لدى الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تمثل أكثر من 80 في المئة من سكان المغرب. هدا مع  استمرار ارتفاع معدل وفيات الأمهات الحوامل والأطفال دون سنة الخامسة  لازال يعد واحدا من اكبر المعدلات في العالم وعودة امراض الفقر للانتشار

      انها بعض النواقص والاختلالات التي تعيق تقدم النظام الصحي الوطني  وتنفيد الالتزام اتجاه المجتمع الدولي بخصوص التغطية الصحية الشاملة وتوفير الرعاية الطبية للسكان    ستواجه تحديات كبيرة  تعرقل التقدم صوب التغطية الصحية الشاملة وتحقيق العدالة الصحية .  فالقطاع الصحي بشقيه العام والخاص والدوائي بحاجة اليوم إلي ثورة حقيقة ومراجعة جدرية , ويتطلب إقامة نظام صحي وطني عادل  وجيد  ،  بإدارة حديثة وحكامة جيدة ،  وموارد مالية كافية   عدد كافي من الكفاءات المهنية  الطبية والتمريضية والتقنية  وإتاحة الأدوية و التوفر على التكنولوجيات الحديثة وبحاجة الى استراتيجية فعالة وناجعة للحد  من التدهور الصحي وانتشار الأمراض  وتوسيع الفوارق والتفاوتات المؤدية إلى حرمان ملايين  المواطنين من حقهم الدستوري والإنساني  في ولوج العلاج والأدوية،  لدلك وجه جلالة الملك توجيهاته للحكومة من اجل  اصلاح اختلالات نظام الراميد. كمت اعطى توجيهاته لإصلاح هده الاختلالات والقيام بمراجعة جدرية للمنظومة الصحية في إطار نموذج تنموي يحقق العدالة الصحية .

           فمن اجل  تحقق التغطية الصحية الشاملة و الغاية المدرجة في أهداف التنمية المستدامة، من خلال إتاحة الرعاية الأساسية الجيدة والحماية المالية التي  تؤدي إلى تحسين صحة الناس ومتوسط أعمارهم المتوقعة فحسب، وتكفل حماية المغرب  من الأوبئة، وتحد من الفقر ومخاطر الجوع، وتخلق فرص العمل، وتدفع عجلة التقدم الاقتصادي، وتعزّز المساواة بين الجنسين.ولتحقيق هده الغايات لابد من حوار السياسي منظم بشأن  التغطية الصحية الشاملة  وتحسين جودة الخدمات، والحد من الدفع المباشر ومساهمة الأسر في تغطية تكاليف العلاج  و الحد من الفوارق لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية،

               لابد من مراجعة شاملة للنموذج التنموي وتحديد الاولويات التي تتوخى تحقيق العدالة الصحية والتغطية الصحية الشاملة .  فالعدالة الصحية والتغطية الصحية الشاملة تقتضيان مراجعة عميقة للمنظومة الصحية الوطنية  بوضع سياسة وطنية صحية مندمجة  تؤطرها قوانين صحية و اجتماعية واقتصادية وإنسانية  في اطار نموذج تنموي مبني على المقاربات والتوازنات الاجتماعية التي تحقق العدالة الاجتماعية والمساواة   بإقامة حوار شامل وفعال مع كافة المكونات بشان السياسة الصحية وميثاق وطني للصحة .  ووضع رؤية واستراتيجية وخارطة طريق وطنية لتحقيق التغطية الصحية الشاملة مندمجة ، تستهدف   تحقيق  نظام صحي عادل تضامني فعال ومميز يوفر الخدمات الصحية الأساسية لكافة المواطنين . مقبولة التكاليف، متوفرة، أمنة و ذات نوعية ومعايير عالية للجودة . ترتكز على مبادئ  وأهداف  القيم الطبية العلمية والإنسانية  في  بيئة صحية سليمة، للوصول إلى مجتمع صحي معافى يمكن جميع  الفئات  العمرية  الحصول على  الرعاية الصحية ذات الجودة العالية لمدى الحياة.  و يضمن توفير خدمات صحية ذات جودة ، منظمة ومتكاملة، عادلة ومستدامة  وفي متناول جميع السكان  بغض النظر عن مستواهم الاجتماعي.

     تأسيس مجلس أعلى للصحة ،بهدف رسم السياسة العامة للقطاع الصحي  وتسريع وتيرة تحقيق التغطية الصحية الشاملة، و وضع  رؤية واستراتيجيات وخريطة الطريق في اطار التنمية الاجتماعية والاقتصادية وإقامة حوار شامل وفعال بشان السياسة  الصحية  وتنظيم العمل الصحي وتطويره  بجميع قطاعاته عام وخاص وصيدلي  بما يحقق توسيع الخدمات الصحية لجميع المواطنين وفقا لأحدث  الوسائل والأساليب والتقنيات العلمية المتطورة كما يتحمل مسؤولية تقييم  السياسات الصحية بشكل دوري وإدخال التعديلات اللازمة عليها في ضوء نتائج  تطبيقها و دراسة القضايا التي تواجه القطاع الصحي مع اتخاذ الإجراءات  المناسبة بشأنها بما في ذلك إعادة هيكلة القطاع الصحي.  

           مراجعة أسعار كل الأدوية والمستلزمات الطبية والتجهيزات والأدوات الطبية ومراقبة جودتها ومصادرها وتشجيع الدواء الجنيس ليصل الى 70 في المائة مع إعادة النظر في الضريبة على القيمة المضافة التي تعادل 7 في المائة وإلغاء  تدريجيا الضريبة لتحقيق مبدأ عالمي صفر ضريبة على الأدوية

           تشجيع  للاستثمار في القطاع الصحي وتشجيع الصناعة الدوائية بالمغرب وصناعة المستلزمات الطبية   وتامين بمخزون الاستراتيجي للدواء، وإعلان الحرب على الأدوية المغشوشة والمزيفة والمنتهية الصلاحية والمهربة لما أصبحت تمتله الظاهرة من اضرار سلبية على صحة المرضى وسلامة المجتمع .

          تنسيق العمل بين المؤسسات والهيئات الصحية في القطاعين العام والخاص بما يضمن تكامل أعمالها  ومراقبة القطاع الخاص في احترام المعايير الدولية  في بناء وتجهيز المصحات والمستشفيات الخاصة وفي التجهيزات والموارد البشرية وجودة العلاجات والموارد البشرية إضافة إلى المساهمة في رسم السياسة التعليمية لدراسة العلوم الصحية والطبية النهوض بالقطاع الطبي والتمريضي ورفع كفاءة العاملين في القطاع العام والخاص وتوفير الحوافز المناسبة لهم مع اعتماد مراقبة ومتابعة للقطاع الخاص والصيدلي. ومعالجة مشكلة نقص الأطر الطبية والتمريضية بتوظيف الخريجين العاطلين

      تشجيع البحث العلمي بالمستشفيات وكليات الطب والصيدلة ومعاهد تكوين الممرضات والتقنيين الصحيين  بدعم من شركات الأدوية والتجهيزات الطبية ودعم  الدراسات والبحوث العلمية ودعم البرامج والنشاطات والخدمات بما يحقق أهداف السياسة الصحية العامة.  

               

 علي لطفي

رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة

قد يعجبك ايضا
Loading...