أطفال التوحد بالمغرب..اتهام للجمعيات بالمتاجرة بآلام المرضى وعائلاتهم

يئست الثلاثينية المغربية نوال بصطام، والدة الطفلة ريحانة المصابة بمرض التوحد، من العثور على جمعية معنية بهذا الداء تعينها، دون استغلال، على تحمل التكاليف الباهظة لعلاج ابنتها ذات الستة أعوام، كما تقول الوالدة التي تقطن في ضواحي مدينة القنيطرة، غربي المغرب. قبل أن تكمل حديثها بصوت مخنوق “قبل عامين شخص أطباء مركز محمد السادس لذوي الاحتياجات الخاصة الحكومي بمدينة سلا حالة ريحانة، على أنها تعاني طيف التوحد من الدرجة المتوسطة، اتصلت بعدد من الجمعيات خارج مدينتي، خاصة في العاصمة الرباط، لكن اصطدمت بمشكلة غلاء التكاليف المالية”.

أثناء بحث الأسرة عن علاج ريحانة، اقترحت عليهم إحدى الجمعيات المعنية بالمرض وضعها في أقسام مدمجة خاصة بذوي الإعاقات المختلفة، وهو ما رفضته الأم كونَ ابنتها تعاني من اضطرابات سلوكية وتواصلية ولا تعاني إعاقة حركية، وخشيت أن تزداد حالتها تدهوراً، مضيفة أنها شرعت في تعلم تقنيات تحليل السلوك التطبيقي ABA بنفسها لتطبقها على ابنتها، من خلال تصفح الإنترنت والكتب، ما دامت لا تستطيع تحمل تكاليف التدريب والورشات المقترحة من طرف هذه الجمعية وغيرها من الجمعيات الشبيهة المختصة بعلاج المرض الذي تعرفه ريم ردياس، أخصائية الطب النفسي بالدار البيضاء، بأنه “اضطراب يصيب النمو المعرفي والسلوكي عند الطفل قبل بلوغه سن الثالثة، ويظهر خصوصاً في تأخر في الكلام ومشاكل في التواصل اللفظي والبصري والحركي مع محيطه، مع الاقتران إما بفرط الحركة بشكل مزعج أو بخمول حركي مثير للانتباه”.

وتعد ريحانة واحدة من 300 ألف مريض بداء التوحد في المغرب، ذكوراً وإناثاً في جميع الفئات العمرية، وفق تقديرات عام 2016 الصادرة عن “تحالف جمعيات المجتمع المدني العاملة في مجال إعاقة التوحد بالمغرب”.

تحصيل المال على حساب العائلات

تشابه تجربة نوال بصطام مع معاناة أم أيمن والدة طفل مصاب بالتوحد في عمر خمسة أعوام، وتقول أنه “لا يوجد أي تكفل بأطفال التوحد في البلاد بالمجان، ولا حتى بأسعار رمزية” قبل أن تتابع “تحصيل المال ولو على حساب آلام عائلات مرضى التوحد، هو ما يهم عدداً من الجمعيات الناشطة في مجال التوحد بالمدن الكبرى للمملكة”.

تبسط الأم عدداً من الأمثلة التي صادفتها في رحلتها لعلاج توحد ابنها، منها أن أقصى ما تقدمه جمعيات أسر مرضى التوحد التي تواصلت معها، يتمثل في دورات تدريبية وتكوينية يحضرها متخصصون في المجال، في مقابل مبالغ غالباً ما لا تكون في استطاعة العائلات الفقيرة أو حتى ذات الدخل المتوسط”.

وتكمل أم أيمن مسار رحلتها، إنها اتصلت بجمعية تقدم نفسها على أنها متخصصة في إيواء وإرشاد واحتضان الأطفال الذين لديهم صعوبات في الاندماج في المجتمع، ومن بينهم أطفال التوحد، وكان المال هو “كلمة السر” للورشات والدورات التدريبية، إذ طالبتها الجمعية بسداد 200 درهم (21 دولاراً) لحصة لا تتجاوز نصف ساعة لفائدة متخصصة في تقويم النطق.

وتتساءل الأم كيف يمكنها أن تغطي هذه المصاريف بوتيرة حصتين مثلاً في الأسبوع، لأن ذلك سيكلفها 1600 درهم (169 دولاراً) كل شهر، في مقابل حصة لا تتعدى 30 دقيقة، كما أن ورشة تدريب الأطفال عبر التلوين تصل إلى 500 درهم للشهر الواحد (53 دولاراً)، في حين يترواح ثمن حضور ورشات محدودة المقاعد يحاضر فيها متخصصون قادمون من الخارج لتكوين الأسر بين 300 درهم (32 دولاراً) لليوم و1000 درهم لليوم الواحد (106 دولارات) بحسب أهمية الأخصائي الذي يتم استدعاؤه من خارج البلاد.

توزيع المال بين المدربين والجمعيات

فوزية بنعلام إحدى العاملات السابقات في جمعية تهتم بمواكبة أطفال التوحد بمدينة سلا، كشفت أين تذهب تكاليف الأسر التي تدفعها للجمعية التي تتكفل بإحضار مختصين سواء في النطق أو تقويم السلوك أو التخصصات النفسية والحركية وغيرها، موضحة أن مبلغ 200 درهم مثلاً الذي تأخذه أخصائية النطق داخل الجمعية تنال منه هذه الأخيرة 120 درهماً، بينما الباقي أي 80 درهماً تحصل عليه الجمعية عن الطفل الواحد.

وتستطرد المتحدثة، إنه “قياساً على هذه الوضعية، والتي قالت إنها تختلف من جمعية أو مركز إلى آخر، فإن مبلغ تخصيص مربية أو مرافقة مختصة في تحليل السلوك التطبيقي لطفل التوحد من طرف الجمعية إن كانت ستحصل على 3 آلاف درهم (317 دولاراً) شهرياً، فإن الجمعية تأخذ منه قرابة الثلث، وأيضاً ورشة تدريب يؤطرها أخصائي تكون مثلاً بـ 500 درهم لليوم الواحد، تحصل الجمعية منها على 200 درهم، وهكذا تختلف الأسعار بحسب مفاوضات الأخصائيين والمدربين مع هذه الجمعيات”.

المصلحة الشخصية

تؤكد إيمان حادوش، مسؤولة التواصل والترافع للتنسيقية الوطنية لسفراء التوحد، وهي إطار مدني يضم متطوعين وعائلات التوحد، أن الجمعيات في معظمها، لا تحمل رؤية شمولية تهدف إلى خدمة القضية وخدمة كل الأسر، بل إن أغلبها تعمل في إطار حل شخصي، رغبة في الحصول على دعم من أجل الاستفادة من أقسام مدمجة، تحل مشكلة الأعضاء أنفسهم بالنسبة لتمدرس أولادهم المصابين بالتوحد.

وتكمل حادوش، إن الأمر لا يقف عند الرؤية المحدودة والبحث عن المصلحة الشخصية، لأن بعض الجمعيات تفرض على الأسر مصاريف ومساهمات مرتفعة جداً، للحصول على تكوينات، ومرافقة، علما أنها تحصل على دعم مالي ودعم لوجيستيكي من الجهات المختصة، وتحصل حتى على دعم من طرف هيئات ومنظمات دولية، وزادت، إن عدداً من الجمعيات تستضيف أشخاصاً ليست لديهم الأهلية الأكاديمية لتنشيط الدورات التكوينية، موردة أن هناك مراكز مفتوحة، معروف عنها أنها تتقاضى مساهمات مرتفعة من طرف أسر ميسورة، قد تصل إلى حدود 4000 درهم (423 دولاراً) وحتى 7000 درهم (740 دولاراً) شهرياً، غير أنها أشبه بالسجن منه إلى مركز، حيث لا برامج مرافقة ولا أنشطة تربوية ولا تكوين، بل مجرد غرف يوضع فيها الأولاد طوال اليوم، تحت مراقبة قاسية لمربيات أو مرافقات لا مؤهلات لهن.

جلب أخصائيين من الخارج

تعاني أسر مرضى التوحد أكثر من ندرة وجود متخصصين نفسيين في هذا المجال، وأدت هذه الندرة في وجود متخصصين في مجال متابعة التوحد إلى أن يصبح الأمر عرضة للفوضى، كما يقول محمد قجدار، المعالج النفسي، إذ ظهر مربون ومربيات يطالعون نتفاً من تقنيات سلوكيات التوحد، ويحضرون بضع ورشات تدوم خمسة أيام في أحسن الأحوال، ويوماً واحداً في أسوئها، وينالون دبلومات سريعة، يقترحون بها خدماتهم على الأسر برواتب تتراوح بين 2000 درهم و4000 درهم شهرياً.

وتعود إيمان حادوش لتتحدث عمّا سمته “إرادة مشبوهة من طرف عدد من الجمعيات للاستمرار في استضافة مدربين وأخصائيين من بلدان أجنبية في الدورات التكوينية، رغم التكلفة المالية التي تتحملها الأسر بمساهماتها من أجل الحضور”، مبرزة أن الأجدر هو أن يتم الاستثمار في أخصائيين محليين، وتكوينهم مع التعاقد معهم رسمياً بالالتزام مقابل تكوينهم بالخارج، بأن يقوموا بتقديم دورات تكوينية مجانية لمدة محددة في إطار التعاقد.

وبهذا الشكل، تردف مسؤولة التواصل والترافع في التنسيقية الوطنية لسفراء التوحد، “نضمن أولاً الاحتفاظ بالمعرفة والخبرات على مستوى محلي، ونضمن دورات تكوينية مجانية أو شبه مجانية للأسر، ونضمن أيضاً حل مشكلة الخصاص في مجال التخصصات المتعلقة بالتوحد”.

وخلصت المتحدثة إلى أن استضافة متخصصين أجانب، وتحمل تكاليف التنقل وتذاكر الطائرة وتكاليف السكن والنزول في فنادق فخمة، وغيرها من التكاليف، مع فرض مساهمات قد تصل إلى 1000 درهم لليوم خلال الدورات التكوينية، أمور تجعل الأسر ترتاب بشأن مصير الدعم والتمويلات ومساهمات هذه العائلات.

رد الجمعيات

مريم الغازي، ناشطة في “تحالف ضد إعاقة التوحد” الذي يمثل الجمعيات العاملة في مجال التوحد، ترد على اتهامات بعض الأسر والعاملين في المجال للجمعيات بكونها تقتات على آلام المرضى، بالقول إنه لا يمكن اتهام هذه الجمعيات التي تشتغل في واقع صعب ومن دون استراتيجية واضحة بكونها تتاجر بآلام الأسر، لأن الجمعيات بدورها تكابد رواتب العاملين فيها، ومستلزمات إيجار المقرات، وأيضاً تكاليف استقدام خبراء ومختصين من مختلف المشارب”.

وبخصوص الدعم الذي تحصل عليه الجمعيات من الدولة، ممثلة في وزارة الداخلية المغربية، توضح المتحدثة بأنه ليست جميع الجمعيات تنال حصتها من دعم الدولة، بل فقط الجمعيات التي تعتبرها الجهات الرسمية تقدم منفعة عامة تستحق الدعم، مبرزة في السياق ذاته أن دعم الدولة للجمعيات العاملة في الميدان الاجتماعي مؤطر بمحاسبة تراقب طرق صرف الأموال، التي وصلت بحسب آخر تقرير صادر عن وزارة المجتمع المدني، إلى 6.4 مليارات درهم، من الدعم العمومي المقدم لفائدة الجمعيات المغربية التي يصل عددها إلى 130 ألف جمعية خلال عام 2015، بينما الجمعيات التي تعمل في مجال الصحة، ومنها جمعيات ومراكز التوحد، لا تمثل سوى 1 بالمائة من مجموع الجمعيات، ولم تنل سوى 60 مليون درهم في السنة. 

متابعة

قد يعجبك ايضا
Loading...