نبذة عن مسار الإعلامي الراحل خالد مشبال

     في البدء وجب التعبير عن سعادتنا بأن نتشرف بالمساهمة في استحضار جوانب من شخصية هذا الرجل النموذج باعتباره قامة إعلامية بارزة على الصعيد الوطني، العربي والمتوسطي.

ــ لقد عاش الراحل خالد مشبال رحمه الله تنشئة اجتماعية في بيئة مشبعة بقيم الحرية والعدالة والكرامة وحب الوطن؛ ويعد نموذجه الأمثل في كل حياته المرحوم المجاهد عبد الكريم الخطابي الذي احتك به وعاشره عن قرب وعمل معه سكرتيرا خاصا بديوانه في منفاه بالقاهرة.

ــ من أبرز خصائص شخصية الراحل صفة التحدي والإرادة الصلبة والعزم والطموح، وسعيه دوما إلى اتقان عمله بالجودة المطلوبة بلمسات إبداعية قل نظيرها.

ــ ومن صفاته الحميدة أيضا تواضعه ونكران ذاته وإيثاره للغير وإيمانه بالعمل الجماعي لكن بمسؤولية وباحترام قواعد المهنة وأخلاقياتها وما يجب أن تتسم به من نبل وشرف.

ــ كما تميز الراحل وبخصائص منفردة بالتفكير العقلاني العميق لخلق الأفكار المثمرة الناضجة وقد نهل من ينابيع الفكر والثقافة المحلية والوطنية والعربية والأوروبية والمتوسطية بكل من طنجة، الرباط، القاهرة، ومدريد وغيرها.

ــ وكان رحمه الله متمتعا بروح المغامرة الواعية الهادفة، بحثا عن الذات ولإثبات الوجود المشروع، ما دفعه للسفر راجلا وأحيانا بوسائل نقل برية مساعدة إلى القاهرة الثائرة أيام الناصرية في بداية الخمسينيات من القرن العشرين وهو في سن مبكرة، حيث التحق بعدد من الجرائد المصرية المرموقة كالأهرام، الشعب، صباح الخير، منبر الشرق، المصري، الزمن، الأخبار، الدعوة، الرسالة الجديدة ومجلة روز اليوسف.

ـــ بعد عودته إلى وطنه ـ وقد نهل وتشبع واستفاذ من تجارب الصحافة بمصر، ومن الثقافة والفكر العربي والأدب والفن بأرض الكنانة، وذلك من خلال العديد من المفكرين والأدباء والمثقفين والفنانين المصريين والعرب، وقد كان له تأثير ملموس في الصحافة المصرية وببصمات واضحة تمثلت في أسلوبه الإعلامي الفاعل والمعانق لقضايا وهموم الكادحين مما جعل العديد من الصحف والمجلات المصرية تقتدي بهذا الأسلوب الجديد.

ــ بعد عودته إلى وطنه ـوقد كانت السنوات جمرا ورصاصا ــ انكب عبر نفس المسار على الاهتمام بمجمل قضايا المجتمع المغربي وجوهره الإنساني في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والإعلام حيث التحق بجريدة منبر الشعب، ثم التحاقه براديو افريقيا كمدير ومنتج للعديد من البرامج ومنها مسلسل ” القايدة طامو “، فضلا عن تسجيله وتوثيقه لعدد مهم من الأحاديث الإذاعية مع رموز الفكر والثقافة والسياسة والفن والأدب، مساهما بقدر وافر في التأثيث والحفاظ على الذاكرة الشعبية المغربية.

ـــ لقد كان للراحل خالد أيضا مبادرات إبداعية شتى امتدت عبر الزمن، وقد شملت مختلف الميادين والمجالات إبان فترات عديدة من تاريخ المغرب قبل وبعد الاستقلال، حيث بلغ عدد برامجه الإذاعية ذات المهنية العالية بالجودة والإتقان 123 برنامجا، ناهيك عن عدة روايات ومسرحيات.

ـــ من مساهماته الغنية كقيمة مضافة للصحافة اعتماده أسلوبا خاصا ومتميزا بابتعاده عن لغة الخشب،ليسير بلغة إعلامية علمية ومهنية بمختلف الأغوار في بحث دؤوب للوصول إلى حقيقة الأوضاع كجندي على جبهة التغيير نحو الأفضل والأرقى بقهر أنماط التخلف الذي كاد ويكاد أن ينخر جسم المجتمع الذي يعاني إلى جانب الدولة ومؤسساتها، اختلالات بنيوية وهيكلية عميقة وشاملة أكدها بحث علمي رصين،خلص إلى تقرير مفصل عن مسار خمسين عاما من تجارب النظام العام بالمغرب خلال مرحلة الاستقلال،والتي تحدث عنها فيما بعد أعلى سلطة بالبلاد بالإعلان الصريح على أن المغرب قد وصل درجة قصوى للأزمة لدرجة “السكتة القلبية”.

ـــ لقد برزت مواهب الراحل المستنيرة البناءة في تعاطيه بشكل واع للإعلام الجهوي، من خلال إعلام القرب باعتباره أحد أبرز مؤسسي هذا النوع من الإعلام بالمغرب، لقناعته بأن الإعلام الجهوي القريب من نبض المواطنين، هو مفتاح تقدم المجتمع.

ـــ ومن أبرز تجاربه أيضا كإعلامي ومثقف مناضل وملتزم مباشرته للعمل السياسي،حيث أدى ثمنا غاليا على المستويين المادي والمعنوي، لاتخاذه مواقف ثابتة لا تمل ولا تكل من كثير من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإعلامية؛وإجمالا أهم القضايا الوطنية المصيرية بشكل عام،وذلك في جو سياسي مشحون ومطبوع بالصراعات والتناقضات الاجتماعية،وباعتماد المقاربة الأمنية الشديدة والعنيفة بأشكال من القمع والمطاردات والاعتقالات والتعذيب التي

مورست على المناضلين الشرفاء وقد كان خالد أحدهم، حيث قام بدوره الطلائعي المعهود فيه بدعم ومساندة وتضحية زوجته الإعلامية المناضلة الفذة الصبورة، السيدة أمينة السوسي.

ـــ ومن جهوده المبذولة بثبات وإصرار، دفاعه عن القيم الجوهرية للإنسان، لارتباطه بقضايا المستضعفين في الأرض المشكلين لأغلبية الشعب وذلك بكل ما تقتضيه صفات الجرأة والمسؤولية والصبر والإصرار، من خلال النقد البناء لتوجهات الدولة واختياراتها وسياستها اللاشعبية، وكل ذلك من أجل إبلاغ رسالة الإعلام النبيلة إنسانيا وتاريخيا وحضاريا، اعتبارا لكون الإعلام أحد أركان وركائز الاستراتيجية التي تعتمدها الدول التي تؤمن بقيم الديمقراطية والحرية والعدالة من أجل التقدم والرقي والمساهمة وبناء الحضارة الانسانية.

ـــ ما يجعل الراحل إنسانا يحمل هموم مجتمعه من ارتباط به عفويا، انخراطه بمحبة في محيطه الاجتماعي واختلاطه بالناس من مختلف الفئات والشرائح والطبقات، خاصة طبقة المقهورين ما أكسبه حب الأغلبية وتقديرها لشخصه ولأدواره الطلائعية الهادفة إلى جعل المواطن مركز اهتمام الدولة، اعتبارا لكون الشعب هو صاحب السيادة في الدول التي ركبت صيرورة الديمقراطية والتقدم.

ـــ ماميز أيضا مسار الإعلامي الراحل خالد مشبال تغطيته للعديد من الأحداث المحلية والوطنية والعربية والدولية،بنفس الدقة الهامة والمهارة المهنية، حيث لم يكن يقتصر على تغطية الأحداث برؤية خارجة بنقل الخبر في حياد وموضوعية، بل كان يعين الأحداث من داخلها وفي تفاعل معها،حتى إذا نقل الخبر يقدمه بأسلوب ولغة دقيقة تتسم بخطاب علمي وعقلاني، وقد تزود بخلفيات توثيقية ومرجعيات تمكنه من سير الأغوار لإعطاء الحدث مضمونه وماله وما عليه،حتى يضع المتلقي في الصورة العامة بمختلف عناصرها وجوانبها وأبعادها،وذلك وفقا لرؤية واحدة  نقدية بناءة مايمثل ذلك الوسيط للاتصال الجماهيري المتشبع بقيم النزاهة  والشفافية والوضوح والموضوعية وربط الأحداث ببعضها في مختلف الأزمنة والسياقات والظروف العامة التي انبثق عنها الحدث.

ـــ لعل جميع المغاربة، شعبا ونخبا ودولة ومؤسسات، تتذكر جيدا المرحلة الذهبية للإعلام الوطني، والتي أسسها خالد مشبال بإذاعة طنجة، بمهنية وجودة عالية للمنتوج الإذاعي بمختلف أنواعه الإخبارية والتوعوية والتثقيفية والترفيهية، على مدى عشر سنوات مضيئة للإعلام المغربي والعربي والمتوسطي خلال القرن العشرين.

ـــ لقد شكل الراحل عبر مساره المهني في مجالات الصحافة والإعلام والاتصال مدرسة نموذجية رائدة في التكوين والتأطير والتوجيه لعدد من الصحافيين والصحافيات ومختلف الأطر الإدارية والتقنية عبر أجيال،فضلا عن إشرافه وتأطيره إذاعة طنجة لعدة دورات تكوينية وتدريبية نظمتها النقابة الوطنية للصحافة المغربية ووزارة الاتصال ومؤسسة فريدريك نيومان، حيث استفاد العديد من الزملاء والزميلات وأنا واحد منهم على مستوى تقنيات وقواعد ومستجدات الإعلام السمعي على الصعيد العالمي، حيث كان الراحل إلى جانب عدد من أساتذة المعهد العالي للإعلام والاتصال وأساتذة باحثين ومختصين عرب وأجانب ومهنيين في الحقل الإذاعي، كان رحمه الله هو المحرك لهذه الدورات التدريبية وليس فيما يتعلق بقواعد المهنة وتقنياتها فحسب بل أيضا ما يتعلق بأخلاق وشرف المهنة والصفات التي يجب أن يتحلى بها الصحفي.

ـــ إمعانا في إقصائه وتهميشه ومضايقته وحصاره والانتقام منه من طرف إدارة ادريس البصري وقبله معاناته مع الجنرال أوفقير،فقد تعرض إلى إجراء تعسفي فاضح تمثل في إحالته على التقاعد قبل انقضاء المدة القانونية بعد تجميد وضعيته الإدارية في سلاليم الوظيفة العمومية،لكن روحه المتمردة المغامرة بمسؤولية والتزاما بقضايا وطنه بادر كعادته بوعي عميق وتخطيط مدروس إلى خلق تجربة إعلامية جديدة تمثلت في سلسلة “شراع” لخدمات الإعلام والاتصال،والتي مكنت مختلف الفئات الاجتماعية القارئة من الطبقتين الدنيا والمتوسطة من اقتناء هذا المنتوج كتجربة رائدة في المغرب لكتاب الجيب،وذلك لتحقيق هدف أسمى تحت شعار: “من أجل مجتمع قارئ ومجتمع الإعلام والمعرفة” ليخطو بعد ذلك خطوة جبارة تمثلت في إحداثه لجريدة الشمال التي أعطت نموذجا آخر في سياق مرحلة اتسمت بتجربة الانتقال الديمقراطي بالمغرب..! والتي اعتمد خطها التنويري ذي البعدين الجهوي والوطني على قضايا المجتمع،كمساهمة إعلامية وثقافية خلاقة في سياق الدفاع عن حرية الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون.

ـــ ويحسن القول من هذا السرد لمسار الإعلامي الراحل خالد مشبال بأن الحاجة لا زالت قائمة من باب الإنصاف والأمانة التاريخية لإعطاء هذه الشخصية  الكارزمية الفذة والمتعددة الجوانب والصفات والخصائص،مكانتها اللائقة من خلال إجراء مزيد من البحوث والدراسات حولها كقامة إعلامية وطنية وعربية وكذا بتنظيم ندوات  وأيام دراسية حول هذه الشخصية الرائدة،كما تجدر الإشارة إلى الضرورة الوطنية والتاريخية الملحة لإعادة الاعتبار لهذا الرجل من الناحيتين الادارية والمالية والرمزية إنصافا له باسترجاع حقه واعترافا لما قدمه من جليل الخدمات المثمرة، مساهمته في بناء الصرح المغربي والعربي بشكل عام، رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته.

قد يعجبك ايضا
Loading...