عملية نيس و فهْم الإسلام

 

يبقى الإنسان حائرا أمام ما يقع في العالم من حروب و تدمير بعد ما وصلت الإنسانية إلى أرقى مستويات العلم ، و بعد ما فهم الإنسان أن الحوار والسلم هما أنجع الطرق للوصول إلى الحلول بدون خسائر لا في الأرواح ولا في المعدات ولا في البنيات ،  و ليس الحرب و الدمار وما يسمونه  بالإرهاب ، ومع كل هذا هناك الكثير من العقول التي ما زالت تفضل القتل و الفتن و الحروب من أجل إشباع نزواتها التوسعية أو تشبثها  بالكرسي أو تزمتها بعقيدة أو مذهب .

فسوف لا أتكلم عن الروس وما يفعلون ولا على الأمريكان وما يفعلون ولا على البوذيين وما يفعلون  ولا على الفرنسيين أو الغربيين بصفة عامة و ما يفعلون ، بل سأتكلم عن ديني الإسلام والمسلمين وما يفعلون .

 

فإن ديننا  الإسلام  يدعو إلى كل خير، ويَنهى عن كل شر؛ يدعو إلى الإحسان إلى الناس كافة  ، والتعامل معهم بالحسنى؛ على أساس أن الجميع خلق الله . بل يدعوا إلى الرفق بالحيوان و النبات كذلك .

يقول الله سبحانه “(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾  البقرة ، التعامل بالحسنى ذكر في هذه الآية قبل الصلاة والزكاة ، إشارة لها أكثر من دلالة  ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم ، عن بن عمر ” دَخَلَتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها ، فلا هي أَطْعَمَتْها ، ولا هي تَرَكَتْها تأكلُ من خَشَاشِ الأرضِ ” صححه الألباني

والإسلام لا يُفرِّق في التعامل الحسن بين المسلم وغير المسلم، سواء كان مشركًا أو يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا؛  فقال الرسول صلى الله عليه وسلم  

((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم من في السماء… ))

هي وصية  من رسول الله صلى الله عليه وسلم  الذي بُعث  رحمة  للعالمين ، ودعوة منه  ، إلى التعامل الحسَن مع سائر الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم، واختلاف مذاهبهم وأديانهم بالرحمة والألفة والمودة والرأفة.

 

فهل يستطيع إنسان بعد  هذه النصوص الواضحة قولا وفهما  أن يقول : إن الإسلام دين عنف و إرهاب ، وسَفْك الدماء، وقتْل النفس بغير حق ؟! من قال بهذا فهو يفتري على الإسلام  ، و من فعل بهذا ممن ينتسبون للإسلام ففهمهم لدينهم بعيد عن الصواب ، لقد أقرَّ الإسلامُ لغير المسلمين حقوقًا، وألزم أتباعَه القيام بها ، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة  في هذا الشأن ؛ فهو الرحمة المهداة، و حشاه أن كان نقمة على العباد أو أمر أتباعه  بخذلان الناس ، لقد تعامَل صلى الله عليه وسلم مع جميع غير المسلمين من المشركين والمجوس وأهل الكتاب من النصارى واليهود المعاملةَ الحسنة، التي جعلتهم يشهدون له بالحلم و حسن المعاملة فقال صلى الله عليه وسلم : ” لا يَرحم اللهُ مَن لا يَرحَم الناسَ ” و قال الله سبحانه  : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ سورة العنكبوت ،  و قال في مقام آخر :

: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾  سورة الحجرات

فغيْر المسلمين قسمهم العلماء إلى أربعة أقسام

 

أهل الحرب – أهل الذمة – أهل المعاهدة – و أهل الآمان .

فقد بين الله سبحانه أن أهل الحرب هم من يمكن قتالهم فقط ، ومع ذلك فوصية ابي بكر الصديق رضي الله عنه  المعروفة تبين كيفية التعامل في الحروب والقتال ،  قال: ” لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمآكلة……..”، .

  أما أهل الذمة و أهل المعاهدة وأهل الآمان يجب التعامل معهم بالبر و القسط و العدل  فقال سبحانه في محكم تنزيله “

 ((لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) ، سورة الممتحنة

إذن أليس من الحكمة  أن نتعامل باللين و الرحمة و الرفق  مع من فتح لأبنائنا ديارهم و معاملهم و حدودهم  حتى يتمكن من العيش الكريم؟

ما وقع في- نيس فرنسا – مؤخرا من دهس أناس آمنين  يتجولون مع أسرهم  بشاحنة من طرف  ” محمد  لحويج  بوهلال ” التونسي الأصل غير مبرر ،    قُتل فيه مسلمون وغيرهم ، قُتل أطفال وشيوخ ، و كلهم مسالمون ليسوا جيوشا ولا محاربين ، فما المقصود من هذا الإجرام ؟ و كيف سولت نفس الجاني بهذا العمل الشنيع ؟ من مات اختطفت روحه بدون حق ،  و يبقى أكثر من خمسين طفل الآن يقبعون في المستشفيات ، منهم من سيخرج من المستشفى معاقا وسيضل طول حياته يكن الكراهية للمسلمين ولو كان نفسه مسلما  ، فبأي حق يفجرون ويقتلون ؟  ثم  ما وقع في بروكسيل و إسطنبول و بغداد ليس له لا مبرر ولا دين   ، فالإسلام و كما يحكي التاريخ دخل الشرق بالمعاملات الحسنة والأخلاق الراقية ، و اليوم نرى أن الكثير من الغربيين يدخلون الإسلام بما وجدوا في طياته من أجود و أرقى الأخلاق ، غير أن من يقوموا بهذه التفجيرات و قتل الأبرياء يجعل بعضهم يتردد عن الدخول في الإسلام لما يصله من الإعلام الغربي الذي تسيطر عليه القوة الصهيونية المعادية للإسلام ،  فالمنتسبون للإسلام الفاعلون للإجرام هم من يعطوا الفرصة للصهاينة بأن يضعوا صورا قاتمة عن الدين الحنيف .

كفانا تعصبا ، كفانا حروبا  ، كفانا حقدا ، و كفانا تخلفا  ، و لنجعل اهتمامنا الأول الاطلاع على ديننا بمدارسته  دراسة عميقة وليست سطحية ، و العمل  بتعاليمه السمحة  الوسطية  ، و الابتعاد عن الغلو و الحكم على الغير  بالعفوية . قال تعالى  : (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)  )) سورة النحل. صدق الله العظيم و أستغفر الله من كل ذنب عظيم .

 

الحسن بنونة

 

قد يعجبك ايضا
Loading...