عون سلطة يذهب ضحية سماسرة البناء العشوائي وعودة شبح “الحجر المقدس”

عاد ملف “الحجر المقدس” إلى الواجهة، عندما أدت عملية إصلاح منزل بتطوان إلى سقوط مخلفات البناء في محيط القصر الملكي. “سقطت الردمة، علقوا المقدم”. فقد كان مقدم الحي هو الضحية في كل القضية، وتم إعفاؤه من مهامه. ورغم مراسلة كل الجهات المعنية، من والي تطوان إلى والي الجهة، ومن وزارة العدل إلى وزارة الداخلية، لايزال المقدم ينتظر، على الأقل، جوابا من طرف هذه الجهات، أما “أعز ما يُطلب”، فهو أن يعود إلى عمله، بعد 23 سنة من خدمة المخزن، انتهت بسقوط “ردمة” في دار المخزن، وسقوط المقدم.
مرت شهور على طرد عون السلطة محمد الوجيه من عمله، بسبب سقوط “ردمة” داخل محيط القصر الملكي القديم في حي الطويلع بمدينة تطوان، دون أن يعرف الموضوع أية تطورات. موضوع يرى عون السلطة المطرود، في لقاء مع “ااخبار الشمال”، أنه لا دخل له به ولا يتحمل فيه أية مسؤولية، لأن السيدة “فاطمة بخات” إنما حصلت على رخصة إصلاح خاصة بالأشغال الصغرى لمنزل في ملكيتها، وهو الكائن في حي الطويلع، في محيط القصر الملكي هناك. (رخصة عدد 378/ق-ت). ويكشف المقدم المطرود من عمله، في رسالة وجهها إلى وزير العدل، في شتنبر الماضي، توصلت ” أخبار الشمال” بنسخة منها، أنه قام بواجبه تجاه هذا الملف، عندما أشعر قائد المنطقة بعملية الإصلاح، مضيفا، في تلك الرسالة، أن القائد، باعتباره رئيسه المباشر، “كان يقوم بزيارة ميدانية إلى عين المكان، لتتبع الأشغال، رفقة مراقبي البناء التابعين للجماعة الحضرية لتطوان، حيث لم يلاحظ أية مخالفة للأشغال أو تجاوز في العلو، إلى أن شارفت المعنية بالأمر على نهاية الأشغال بمنزلها”. وفي تلك اللحظة، فقد “سقطت ردمة وبعض بقايا الأشغال من طرف عمال البناء بطريقة فجائية، بمحيط الإقامة الملكية بالطويلع، والتي تدخل ضمن الاختصاص المكاني لمصالح الإقامة الملكية”. ويشير عون السلطة إلى أن ذلك لم يخلف أية آثار أو إصابات، وأنه قد تمت “نظافة المكان المذكور من بقايا الردمة ومخلفات البناء في حينه”.
بعد هذا الحادث، سوف ترفع المصالح المعنية، التابعة للقصر الملكي بتطوان، تقريرا في الموضوع إلى ولاية تطوان، ثم تم تشكيل لجنة تأديبية مكونة من سبعة مسؤولين، ستعقد اجتماعا في الموضوع، ليتقرر عزل عون السلطة عن عمله، بعد 23 سنة من العمل، ترقى فيها المقدم إلى مرتبة عون سلطة برتبة شيخ حضري. وبينما يقول المعني بالأمر إنه لا علاقة له بالأمر، تكشف مصادر من السلطات المحلية بتطوان، في تصريحات لـ”أخبار الشمال”، أن المقدم إنما “كان ضحية سماسرة البناء العشوائي في المنقطة”، وأنه ينطبق عليه وصف “كبش الفداء” في هذا الملف.
المقدم محمد الوجيه لا يربط الأمر بتقرير ولا بلجنة، بقدر ما يعود، حسبه، إلى مكالمة هاتفية من محافظ القصر إلى الوالي، هي التي حسمت في أمر الاستغناء عنه، يقول الوجيه لـ”اخبار الشمال”، بينما كانت اللجنة التأديبية مجرد إجراء شكلي فقط. وحتى على المستوى الإجرائي الشكلي، فإن قرار إعفائه لم يراع مسطرة الإعفاء، يقول محمد الوجيه، ولم يكن هناك إنذار في البداية، ثم توبيخ، أو عزل مؤقت، لمدة شهر أو ثلاثة أشهر مثلا، كما هو معمول به تجاه بعض الحالات. و”هذا دليل براءتي”، يقول المقدم، لأنه لو كان الاستغناء عني قانونيا لتم إعمال القانون في استصدار قرار المنع. ولأن المنع غير قانوني، “لم يراع القانون في عملية منعي من مزاولة عملي”، يخلص المقدم محمد الوجيه.
رسائل إلى من يهمهم الأمر
ما بين فاتح يوليوز و31 أكتوبر 2011، وجه المقدم المذكور شكايات حول “الشطط في استعمال السلطة”، الذي تسبب، حسب صاحب الشكايات، في “تشريد أسرة والظلم والتعسف وهضم الحقوق”، إلى كل من والي ولاية تطوان ووالي جهة طنجة تطوان ووزير العدل ووزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومؤسسة “الوسيط”، الجهة الوحيدة التي أجابت المعني بالأمر بـ”عدم الاختصاص”، وأشارت المؤسسة على المتضرر بأن يتقدم بملتمس في الموضوع إلى المصالح المختصة التابعة لوزارة الداخلية. قبل ذلك، وقبل المراسلات المذكورة، كان عون السلطة محمد الوجيه قد قام بذلك، فعلا، عندما وجه رسالة إلى وزير الداخلية، التمس فيها إصدار قرار بإرجاعه إلى عمله. وفي تلك الرسالة، استغرب عون السلطة المطرود كون “مصالح الإقامة الملكية بتطوان لم تحرك ساكنا طيلة مدة الأشغال، التي استمرت شهرا كاملا”، قبل أن ترفع تقريرها إلى ولاية تطوان، لمجرد سقوط ردمة في باحة القصر الملكي، غداة انتهاء أشغال الإصلاح في المنزل المذكور أعلاه. (انظر الصورة).
وقد تقدم عون السلطة ومحمد الوجيه، الحامل لبطاقة التعريف الوطنية رقم L154832، بملف شامل يخص أولاده الثلاثة، المهددين بعدم متابعة دراستهم، وبكونه لا يزاول أي عمل اليوم، فضلا عن الشواهد الطبية التي تعكس تراجع حالته النفسية بسبب القرار الذي اتخذ في حقه، والقاضي بطرده من عمله، والذي ترتبت عنه آثار نفسية كبيرة. كما يكشف “الضحية”، في رسالته إلى وزير الداخلية، أنه قد بات مهددا بالسجن، بسبب عجزه عن أداء ما بذمته لفائدة أحد الأبناك، بعدما حصل منه على قرض، عندما كان يزاول عمله. هذا بالإضافة إلى شواهد طبية أخرى، تدل على إصابته بمرض الربو المزمن، والذي لم يعد يقوى على معالجته، بسبب طرده من عمله.
أزيد من 600 متضامن مع مقدم الطويلع
624 شخصا وقعوا على عريضة تضامن مع مقدم حي الطويلع، أحد الأحياء الشعبية المعروفة في مدينة تطوان. ويطالب السكان الموقعون على هذه العريضة بالسماح لعون السلطة محمد الوجيه باستئناف عمله، “اعتبارا للمجهودات التي كان يقوم بها والسمعة الطيبة التي يتمتع بها لدى ساكنة المنطقة”. واعتبارا، أيضا، لظروفه الاجتماعية، حيث يعيل ثلاثة أطفال مهددين بعدم متابعة دراستهم. يعود أحد الموقعين على العريضة ليؤكد لـ” أخبار الشمال” أن المقدم لم يكن سوى كبش فداء، قدمه تجار البناء العشوائي في المنطقة، لكي يتم طي الملف بأقصى سرعة، ولكي يتجنبوا إثارة أسمائهم في الموضوع.
وفي النهاية، فإن قرار العزل الصادر في حق المقدم محمد الوجيه، والذي حصلت “أخبار الشمال” على نسخة منه، لا يحدد أي سبب كان وراء اتخاذه، وإنما استند على قرار اللجنة التأديبية، دون أن يحدد تلك القرارات أو يأتي على ذكرها. قرار غير معلل، ولا يتضمن أي سبب يقف وراء قرار منع محمد الوجيه من مزاولة عمله.
المقدم محمد الوجيه: تم إعفائي بناء على مكالمة هاتفية من محافظ القصر إلى الوالي
ما هي أسباب إعفائك من مهامك كمقدم بحي الطويلع؟
هذا هو صلب الموضوع، فليس هناك سبب. والسيدة التي كانت تقوم بإصلاحات في منزلها المطل على القصر الملكي حصلت على رخصة من رئيس الجماعة الحضرية لتطوان محمد إدعمار. وهذه السيدة لم تقم بأية مخالفة للتعمير. فمستوى البناء، بعد إصلاحه، بقي في الطابق الأرضي، ولم يتجاوزه إلى طابق آخر، وظلت البناية هي هي، والرخصة موجودة ومعروفة. كل ما هناك أن العمال الذين تكلفوا بإصلاح هذا البيت وقعوا في خطأ، وأنا رحت ضحية الخطأ الذي ارتكبوه، والذي يتمثل في سقوط مخلفات البناء في باحة القصر الملكي، وهي المخلفات التي تم جمعها في الحين، وتم تنظيف المكان. وفي النهاية، أنا الذي أديت الثمن، دون موجب حق.
فلماذا، إذن، سيتم إعفاؤك، في غياب السبب؟
لأن محافظ القصر اتصل هاتفيا بالسيد الوالي. ولما صدرت الأوامر، تلقاها المعنيون بخوف وعشوائية، وحاولوا إرضاء السلطة بمثل هذا القرار، لكي يظهروا للوالي أنهم قد توصلوا إلى المسؤول عما وقع. ولكنني لست مسؤولا عن فعل ذلك.
ولكن السلطات عرضتك على المجلس التأديبي، الذي بت في قرار عزلك؟
في هذه الحالة، كان المجلس التأديبي شكليا فقط. ثم إن اللجنة التي اجتمعت بي لم تواجهني بالموضوع، وقالت إن هنالك أمورا شكلية فقط. وبعد ذلك، سيتم إشعاري بقرار العزل النهائي. وهنا، أسجل أن مسطرة الإعفاء أو مسطرة التأديب لم تراع في هذا الملف. فلم يكن هناك إنذار سابق أو توبيخ أو شيء من هذا القبيل. ولم يكن هناك توقيف مؤقت، لمدة شهر أو ثلاثة أشهر، مثلا، كما هو معمول به تجاه كل المسؤولين. وهذا يدل على أنهم قد وجدوا فيّ تلك الحلقة الصغيرة والأضعف، ليقوموا بالتخلص مني، وبالتالي، التخلص من الملف، بشكل نهائي، وطيه إلى الأبد. ولهذا، فأنا أعتبر قرار عزلي قرارا تعسفيا يقوم على شطط واضح في استعمال السلطة.
لماذا لم يواجهوك في المجلس التأديبي بموضوع العزل؟
هذه كانت خطوة ذكية منهم، حتى لا يتركوا لي أي مجال للتحرك أو التظلم لدى الجهات المعنية. كانوا يريدون طي الملف، كما قلت، وعلى حسابي، وهذا ما وقع.

مراسلة

قد يعجبك ايضا
Loading...