حول ضرورة سياسة إنتاجية استبدالية للواردات

tetouan plus
يعتبر التبادل التجاري الخارجي من أهم عناصر المعادلة الاقتصادية لأي بلد، وهو من محددات النمو الاقتصادي، يؤثر فيه بشكل مباشر إيجابا أو سلبا. يؤثر فيه إيجابا لأنه يوفر فرصا لبيع وتصريف المنتجات الوطنية، بما يذر العملة الصعبة ويزيد في القيمة المضافة للثروة المحلية. وسلبا لأنه يحول دون تطوير المنتوج المحلي في حالة انعدامه، إذ يتم الاعتماد على المنتوج المستورد مما يمنع من تصنيعه محليا. وفي حالة توفر المنتوج المحلي، ولكنه غير تنافسي، فإن الاستيراد يعمق من هشاشة بنياته الإنتاجية المحلية و يمنعها من تطوير قدراتها وتنافسيتها.
وإذا نظرنا إلى النموذج الوطني، فإنه لحد الأن لا يزال التبادل التجاري الخارجي يشكل عاملا سلبيا للاقتصاد الوطني، حيث يعرف ميزان التبادل الخارجي عدم توازن سلبي دائم لصالح الواردات على الصادرات، حيث لا تبلغ نسبة تغطية الثانية للأولى حتى 50 في المائة. مما يجعل عجز الميزان التجاري يفوق لوحده عائدات الصادرات، حيث في سنة 2011 بلغت الواردات 355 مليار درهم والصادرات 169 مليار درهم، ليكون فارق العجز هو 185 مليار درهم! وهادا فارق مهول، تظهر تداعياته جلية في عدد من المؤشرات السلبية للاقتصاد الوطني، كانخفاض احتياطي العملة الصعبة لدى البنك المركزي، وانفجار تكاليف صندوق المقاصة، وعجز الميزانية العامة للدولة.
من هنا يكتسي طرح السؤال حول كيفية جعل التبادل التجاري عاملا إيجابيا وليس سلبيا للنمو الاقتصادي الوطني أهمية قصوى. وللإجابة عليه، من المفيد أن نستقي إجاباتنا من خلال التجارب والوقائع التي تراكمت من خلال النماذج التنموية لعديد الدول التي قطعت أشواطا في التقدم الصناعي والاقتصادي، عوض الخوض في النظريات والمقاربات الفكرية لهذه الإشكالية. ومن خلاصات تجارب هذه الدول، خاصة التجربة الكورية الجنوبية، قاعدة المرحلية في أفق بناء اقتصاد قوي في ميزان التبادل التجاري، من خلال العمل على مرحلتين، الأولى تتمثل في تبني سياسة استبدالية للواردات، والثانية في تبني سياسة تصديرية. والبديهي أن النجاح في المرحلة الأولى، أي التوفر على بنية صناعية وإنتاجية تستوفي الطلب الداخلي، سيمكن من التطلع إلى الاستجابة للطلب الخارجي، من خلال دورة النمو الطبيعي للشركات، المبنية على تطوير القدرات الإنتاجية بالموازاة مع فتح الأسواق الجديدة.
وإذا حولنا فهم العجز التجاري الخارجي الوطني، يتبن لنا من خلال النظر في بنية الواردات والصادرات هول الكارثة التي تنخر الاقتصاد الوطني، والمتمثلة في النسبة العالية التي تمثلها المنتجات المستوردة من مجموع استهلاكنا الوطني، وهي 66%. إضافة إلى ما يمكن ملاحظته مند بداية الألفية الثانية من التوجه المرصود باستمرار لدى المستهلك المغربي إلى استبدال المنتوج الوطني بالمنتوج الخارجي، حيث كانت نسبة المنتجات الخارجية لا تتجاوز 40% من الاستهلاك الوطني سنة 2003.
ومهما كانت المبررات وراء هذا التوجه، ومنها ضعف جودة المنتوج المحلي، فإنه لا غنى للسياسات الاقتصادية الوطنية عن الوعي الكامل بهذه الظاهرة وتداعياتها الخطيرة على المستوى المتوسط والبعيد. حيث ينذر هذا التطور المرصود لتفضيل المنتوج المستورد باندثار البنية الصناعية الوطنية في العديد من القطاعات الصناعية، وعلى رأسها الصناعات التجهيزية، حيث أظهرت أرقام مكتب الصرف أن المواد التجهيزية تأتي على رأس قائمة المنتجات التي عرفت أعلى نسب ارتفاع الواردات، بما فيها المصاعد (Ascenseurs) والخيوط السلكية (Cables) وغيرها.
وإذا كان انخراط المغرب في مشاريع البناء والتنمية على جميع المستويات مند الألفية الثانية وراء هذا الارتفاع في الطلب على المواد التجهيزية المستوردة، على الرغم من ضرورة التساؤل حول أسباب ضعف حضور هذه المنتجات داخل العرض الإنتاجي الوطني رغم محدودية طابعها التقني وحاجتها للرأسمال الاستثماري، فإن ما يدعو إلى القلق أيضا هو التنامي المهول لحجم المواد الاستهلاكية المستوردة، إذ نلاحظ النمو المضطرد للعديد من المواد الاستهلاكية كالعطور والجبن والتبغ والماء المعلب والكحول والتمور …
وفي سياق كل هذه المعطيات، لا بد من التأكيد على أن عزم الحكومة على مراقبة الواردات ومدى احترامها الكامل للشروط التقنية والتعريفية من خلال سياسة الدفاع التجاري، مع احترام معاهدات التبادل الحر التي انخرط فيها المغرب، يمشي في الاتجاه الصحيح. حيث من شأن هذه المراقبة أن تساهم في التقليل من توافد المنتجات الخارجية بدون قيد أو شرط، بما يشكل تنافسية مهلكة للمنتجات الوطنية، ويعمق عجز القيمة المضافة الوطنية. ويدخل هذا الإجراء تحت غطاء القانون 15-09 والذي يسمح بمحاربة المناورات التجارية غير القانونية والمنتجات التي تستفيد من المساعدات العمومية بما يمكنها من خفض أثمنتها أو المنتجات التي تعرف ارتفاعا مفاجئا في مستوى وارداتها بما يشكل خطرا على الشركات الوطنية. على أنه بالرغم من أهمية هذه الإجراء، فإن آثاره لا بد ستكون محدودة بما لا يغني عن التفكير جديا في سياسات إنتاجية استبدالية، تنطلق من رصد مختلف المواد التي تتقل كاهل ميزان الأداءات، لتخرج برؤية اقتصادية متكاملة، تهدف إلى الدفع بالمقاولة الوطنية نحو الاستثمار فيها، بما سيمكن من تحصين الاقتصاد الوطني، والاستغلال المحلي لفرص النمو التي توفرها فرص الاستهلاك الداخلي.
متابعة

قد يعجبك ايضا
Loading...