الفرص الضائعة

tetouan plus
المغاربة يعيشون حاليا أياما صعبة في كل شيء، في الصحة والتعليم والعمل والثقافة والهوية وأشياء كثيرة أخرى، لذلك لا يتردد كثيرون في وصف المغرب بكونه بلدا فارغا على مرّ التاريخ، وهذا
تجنٍّ خطير لأن هذه البلاد كانت لها محطات تاريخية مبهرة، لكنها صارت، للأسف الشديد، مجرد نقاط مضيئة ومعزولة في بحر من السواد، ولم يتم استثمارها لكي يتم وضع البلاد على سكة التطور الحقيقي.
في التاريخ البعيد، كانت البداية عبر فتح الأندلس انطلاقا من المغرب، لكن في الوقت الذي تحولت فيه شبه الجزيرة الإيبيرية إلى منارة زرعت الكثير من مظاهر الحضارة في أوربا، ظل المغرب بمثابة جار جنوبي متخلف.. غريب حقا أن نفتح بلدا ويتقدم بينما نظل نحن متخلفين.
لنا معارك كبرى انتهت بانتصارات ساحقة.. معركة وادي المخازن غيرت الكثير من ملامح العالم في أواسط القرن السادس عشر، حين هزم المغرب بلدانا أوربية مجتمعة، على رأسها إسبانيا والبرتغال. لكن عوض استثمار ذلك الانتصار الباهر وتحرير الثغور المغربية المحتلة، فإن كل ما يتذكره الناس هو أن السلطان المنصور الذهبي وجه مجهوده جنوبا نحو الصحراء لجلب الذهب والثروات والعبيد، وتم وأد أحلام الشعب الأندلسي في العودة إلى بلاده، مع أن مقاتليه لعبوا دورا حاسما في سحق الإسبان والبرتغاليين.
وخلال قرون، تحول المغرب إلى «بعبع» مرعب للقوى العظمى عندما سيطر قراصنته على بحار شاسعة من العالم، ولعب في ذلك الموريسكيون الأندلسيون دورا مبهرا. لكن عوض استثمار تلك القوة البحرية العظيمة، فإنها تحولت إلى مجرد ورقة للمفاوضات مع الغرب ومراكمة ثروات السلاطين وحاشيتهم، وفي النهاية انتهى كل شيء كأنه مجرد سراب.
وفي معركة أنوال، بداية القرن العشرين، حدث شيء لا يتكرر كثيرا في التاريخ، وذلك عندما مرغ مقاومون أشداء أنف قوى أوربية عظمى في الوحل، وتم قتل وجرح وأسر عشرات الآلاف من الجنود والجنرالات. لكن عوض استثمار ذلك الإنجاز الباهر، بقي المغرب رازحا تحت الحماية وكأن ذلك الانتصار لم يكن سوى نشوة عابرة، بل حدث ما هو أفظع عندما قصفت إسبانيا وفرنسا شمال المغرب بالأسلحة الكيماوية، ولا تزال تبعات ذلك تطارد المنطقة حتى اليوم.
في نهاية القرن التاسع عشر، بادر المغرب إلى إرسال طلبة إلى أوربا من أجل دراسة العلوم العصرية لإخراج المغرب من متاهته الطويلة. وهكذا وجد الطلبة المغاربة أنفسهم جنبا إلى جنب مع طلبة أوربيين ويابانيين. لكن لما عادوا، أعطيناهم مناصب قياد وباشوات، وهم بدورهم لم يفرطوا في التظاهر بأنهم متحضرون عبر لباسهم وسلوكهم الإفرنجي في زمن كان المغاربة ينظرون فيه بتوجس إلى أية رائحة غريبة من أرض النصارى.
وحين كانت أوربا غارقة في الجهل وإحراق المرضى النفسانيين بحجة أن الشيطان يتلبسهم، كانت مارستانات المغرب، في زمن السعديين، تعالج قاطنيها بأكثر الطرق تطورا، وحين يُشفون تقدم إليهم الهدايا وألبسة من حرير. ها نحن اليوم في القرن العشرين نربط المرضى النفسانيين بالسلاسل في «بُويا عْمر» وكأن كل ذلك التاريخ مجرد أوهام.
في الأيام الأولى للاستقلال، وعوض أن تنطلق البلاد بثبات نحو المستقبل ويتحرك المغاربة كرجل واحد، حلقت الطائرات فوق شمال المغرب، مسرح معركة أنوال، وقصفت سكانها بالنابالم بطريقة متوحشة، ثم تم صب المزيد من الزيت على النار عبر عزل المنطقة وتهجير سكانها وكأنها وباء. هكذا بدأت الكوارث سريعا من طرف مسؤولين كان يحركهم الانتقام وليس خدمة الشعب.
في زمن الاستعمار، قاوم أبناء الأطلس الأشاوس واستشهد الكثير منهم، وجاء الاستقلال لكن أولئك لم يجدوا بطانيات كافية لمقاومة البرد، بل تحول عدد من المناطق الشامخة إلى مجرد مواخير.. إنه عار على جبين كل مغربي.
لدينا مقاومون كثيرون كان من المفروض أن نكتب أسماءهم بمداد الذهب ليكونوا نبراسا للأجيال القادمة، لكننا نسيناهم ونسينا أبناءهم حتى تحولوا إلى متسولين، ومقابل ذلك منحنا بطائق المقاومة لكثير من الخونة والنصابين.
اتحدنا زمن الاستعمار ضد تفرقة المغاربة ونبذنا الظهير البربري، فجاءنا زمن رأينا فيه عددا من زاعمي الدفاع عن الأمازيغ وهم يزورون إسرائيل ويلتقطون صورا إلى جانب علم أكثر الدول همجية على مرّ التاريخ.
هذه مجرد أمثلة قليلة ومعدودة عن لحظات كبرى في تاريخنا، وكل واحدة منها كان من الممكن أن تغير تاريخ المغرب بأكمله، لكن ذلك لم يحدث..
لقد ضيعنا الكثير من الفرص، ولا نزال نضيّع.
عبد الله الدامون

قد يعجبك ايضا
Loading...