الدكتور أحمد عبادي يحاضر بتطوان حول: “إشكال الوجهة في عالم متغير”

بدعوة من فرقة البحث الأدبي والسيميائي، وملتقى الدراسات المغربية الأندلسية، ومختبر النقد الحضاري وحوار الثقافات والأبحاث المتوسطية، وفرقة البحث في الإبداع النسائي، وشعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان حاضر يوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2014م، الدكتور أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء حول موضوع (إشكال الوجهة في عالم متغير) بقاعة محمد الكتاني بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، وبحضور أكاديمي متنوع التخصصات، حيث اعتبر الأمين العام في مستهل حديثه أن إشكال التوجه أو الوجهة هو موضوع شديد الراهنية لأنه يلامس جملة من القضايا المجتمعية في ظل عالم متغير يتحدى فيه الإنسان لكي يجد وجهته في خضمه.
ومهد المحاضر كلمته (بمسلمة لاشية فيها) وهي ضرورة التسليم بأن العالم اليوم ليس يشبه الأمس القريب، وأن إنسان اليوم ليس يشبه إنسان الأمس القريب، وأن هناك جملة من التغيرات غيرت ملامح العالم وخلخلت مفاهيم التعاطي معه، فالمعلومة بالأمس ليست هي المعلومة اليوم، والقبيلة ليست هي القبيلة، فعالمنا اليوم أصبحت التيارات تتخلق فيه بشكل كبير حاملة معها كثير من التمثلات والتخلقات، الأمر الذي يستدعي حسب المحاضر استدعاء أنواع الأنزيمات الممكنة لاستيعابها وتفكيكها…
ويضيف فضيلة الأمين العام أن السرعة التي يتم فيها النبض الفكري هي سرعة فائقة، وإذا لم يستطع الإنسان أن يولد سرعة مماثلة سوف يجد نفسه موطوءا ومتجاوزا، ومن ثم فنحن أمام أنساق فكرية شاملة بذلت فيها المهج ممكن أن تتعرض للتجاوز إذا لم يكن هناك تحديث وتحيين لها وفق المعطيات الجديدة، ووفق المواقع الجديدة، وهنا يمثل الأمين العام بالتطور المذهبي الذي حصل للإمام الشافعي رحمه الله حيث كان له مذهب قديم، ولما انتقل إلى مصر استدعى الموقع والنسق الفقهي والمستجدات مذهبا جديدا صالحا للتمثل، وهو أمر حاصل حتى في مؤسسة النبوة بتعبير المحاضر حيث نجد النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول: ( كنت أمرتم بكذا أما الآن…) أو (كنت نهيتم عن كذا فأما الآن…)ـ، ومن ثم كانت ضرورة المواكبة أو (الركمجة) لهذه المتغيرات العالمية ضرورية، وقد رصد خطوطها العريضة في المظاهر التالية:
1- عالمنا انتقل من عالم متناه في الكبر إلى عالم متناه في الصغر تجمعت أطرافه كخلية نحل.
2- اليوم نشهد نهاية برج بابل حيث كانت اللغات حائلة دون التفاهم، فاليوم إتقان اللغات الظاهرة مكّن العالم من قدرة هائلة على التحادث والتخاطب.
3- العالم انتقل من الموجة الصناعية إلى الموجة الرقمية إلى الموجة التكنولوجية حيث غاص إلى أعماق المتناهي بقدرة هائلة على الاكتشاف.
4- عالمنا اليوم يعيش مشاكل مشتركة مثل: الاحتباس الحراري، والإيدز، والإيبولا…
وعليه فإن العقل الذي لا يتحلى بالفتوة والقدرة التمثلية لهذه المظاهر لا يمسك بهذا العالم المتفلت، ومن هنا كان الحديث عن التوجه أو الوجهة، فالإنسان يحسم حيرته المقاصدية بتحديد القبلة باعتبارها مؤشرا على القبلة النهائية، وهي قبلة الله عز وجل، فهي تحسم قدرا كبيرا من الحيرة وتجعل الأمور أكثر تيسيرا، فقول الله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} حسب المحاضر إشارة في غاية الراهنية، حيث أن الموقع هو الذي يحدد القبلة.
والعالم اليوم حسب المحاضر في حاجة إلى هداية وقوة اقتراحية، والأمر منوط بنا أن نقوم بعملية التجديد لهذا الدين ليس على مستوى العبادات والمعاملات فحسب؛ بل أيضا في القضايا المجتمعية والحوار حولها، الأمر الذي يستدعي تجديد آليات العلم واتصاله بالكتاب المسطور والمنظور في حوار مستدام بين الهاديات والأمارات، معتبرا أن العلوم ببلادنا في تسعين بالمائة منها تردادية نردد ما قالوا وما قيل دون التفاعل المباشر مع الكتاب وآيات الآفاق…
يضيف المحاضر: وأول ما يطالعنا في التعامل القرآني مع هذه الآليات هو تحديد القبلة فهو أول عمل موجهة للسلوك البشري (فلنولينك قبلة ترضاها..) فالقبلة رمز وهي انتقال من الأرض إلى السماء (وأن إلى ربك المنتهى..) وهذا التوجه حصر قدرا كبيرا من هذه الحيرة.. وأصبح التوجه أكثر يسرا…فالكعبة والطواف وغيرها من المناسك إشارات وتوجيهات لموقع القوة والتوجيه الأمثل للإنسان في هذا الكون. لذلك كانت القبلة في الصلاة وجهة مثلها مثل المشروع المجتمعي الذي يحتاج إلى وجهة وتوجيه..
ثم إنك حين تصل إلى هذه القبلة فأنت مطالب بالطواف وهو رمز لاستشراف العالم ككل…، ثم التعارف الذي يحتمه وقوفك بصعيد عرفة ضمن مجموعات بشرية من مختلف الأعراق والشعوب (لتعارفوا..) وهي أول الطرق نحو هذا الاستشراف، ثم الإفاضة من عرفات في نوع من الفيض البشري، ثم جمرة العقبة فطواف الافاضة كلها خطوات متتابعة للتعامل بمثلها مع هذا الكون…
إن التوجه الغربي بالحضارة الإنسانية في غفلة عن هذه التوجيهات أوصله إلى التيه والضلال، ومن أجل ذلك فالإنسان اليوم مطالب بضبط التعامل مع مرجعين من أجل استبانة موقعه وقبلته؛ مرجع يدعوك إلى التحرك عبر كتابين: الكوني التكويني والمدون.. فقراءتك للكون وفق (اقرأ..) تتميز بثنائية قراءة الكون (الخلق) وقراءة اكتشاف النشأة (له الخلق والامر..) ومتى انفكت هذه القراءة عن مصدرها تضعف وتفشل وما عمليات التجديد المصاحبة لتحرك الزمن إلا دليل على ارتباط هذا التوجه بالمصدرين السابقين.
إن آليات التساؤل لتحديد الموقع الجغرافي ضمن الخارطة الكونية ليست هي ذاتها في الموقع الفكري، ونستحضر مرة أخرى عمل الشافعي ما بين العراق ومصر.. فنأخذ من منهجه طريقته التي اعتمدها وآليات اجتهاده ولا نلزم أنفسنا بأي اجتهاد في الأحكام.. لأن الناس في حاجة إلى قوة اقتراحية وإلى هداية كما سبق
يقول المحاضر: من خلال تتبعنا لهذا الحراك القائم الذي يتطلب منا البحث عن أجوبة للبشرية، ومؤسسة النبوة كفيلة بأن تعطينا النماذج في ذلك..(نحن معاشر الأنبياء إخوة…) قراءة متعددة في إطار مشترك.. ومرحلة ختم النبوة انطلاقا من اختيار المكان (بكة/المكان المزدحم) تطلبت إجابات عن هذه الوجهة الجديدة فكانت آيات القرآن (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين…) (هدى للناس..) هي السبيل إلى ذلك.. وتفسير القرآن لنفسه هو التفسير المعتمد في ذلك، فليس هناك تفسير نهائي كما يقال…
ويضيف قائلا: وعملية القراءة هذه تتطلب كذلك كفايات وقدرات فهي ليسن بالهينة ولكن تتطلب قراءة مقتدرة (الاجتهاد) وذلك استجابة لحاجات هذا الواقع المتجدد، ومن ثم يحتاج الأمر إلى أربعة عناصر:
– الرؤية: فلا بد من صياغة رؤية حول إدراك هذا العالم المتغير في سرعته وحركته ومتطلباته انطلاقا من مرجعيتك العقدية والفكرية ولهذا الكون أهمية كبرى، فتجديد المصطلح أمر مطلوب انطلاقا من رصد جميع استعمالاته وخصائصه وهذا عمل تأسيسي.
– المركبات المفاهيمية: من أجل حوار منتج فعال لا بد من قراءة هذه المركبات المفاهيمية مثلما فعل الشافعي فتجميع المعلومات أمر مطلوب.
– ترتيب الأولويات في طرح الخطاب: الصورة التي نعكسها نحن عن أنفسنا عبر المواقع الإلكترونية حارقة وفيها كثير من البؤس…
– ضبط الأنساق المعرفية والأطر المرجعية…
– الحكامة والتدبير: تدبير العمل البحثي؛ البحث ضروري وليس تكميلي…فهذا النموذج الرباعي نسترشد به في جميع المجالات.
ويضيف أن المجتمعات اليوم تعيش في أضرب من الحيرة، ويسعى الإنسان إلى البحث عن الهدايات.. التي يتمثلها مفهوم الشخصية؛ فالقيادة تحتاج إلى شخصية معينة من حيث التكوين والكاريزمات، والمفهوم الإسلامي غائب اليوم عن هذا الحوار العالمي.
إن الإلمام بما سبق حسب المحاضر في علاقتنا بالغرب كفيلة بالكشف عن أصول هذه الخلافات: تصفية بقايا الاستعمار، الغطرسة الاسرائيلية، المعايير المزدوجة، الإذلال والإهانة في المواقع الإعلامية (الصورة السلبية للإنسان العربي المسلم عبر المواقع الاعلامية، الخيرات الضائعة، الإشكال الكوكتيلي للعالم (العراق-البوسنة-افريقيا- بورما..) فهذه المسائل تتطلب نظرا وتبصرا، والطفرة المطلوبة انطلاقا من الفطرة الأولى للبشرية، واذا أمعنا النظر في كل ذلك أدركنا كيف لنا أن نعالج إشكال الوجهة في هذا العالم.. فالعدل والكرامة والوحدة أسس لهذا التوجه العالمي اليوم للخروج من أزمة الوجهة…. ولم يبق في ظل كل ذلك غير الكدح والعمل فالطريق سهل والمهيع ميسر…
متابعة: د.يوسف الحزيمري
ذ. منتصر الخطيب

قد يعجبك ايضا
Loading...