متى سيتوقف مسلسل الزيادة في الأسعار يا رئيس حكومتنا ..؟

في النظم الديمقراطية، التي تحترم حقوق الإنسان، لا يمكن للحكومة أن تقرر أي زيادة في الأسعار، دون أن يكون مجتمعها على بينة ووعي بكل الخلفيات والمبررات والدوافع .. ودون أن تستفسر المواطنين عن الأهداف من وراء ذلك، بعيدا عن سوء استخدام السلطة والقانون في تمرير قرار الزيادة، وإن عجزت الحكومة في إقناع الرأي العام الوطني، تختار أبسط البدائل لمعالجة المشكل، ويضطر المسؤول المعني في هذه الحكومة إلى الاستشارة القبلية للرأي العام، حفاظا على السلم الاجتماعي، وتجنب ما يهدد الاستقرار المجتمعي، وفي حالة الخطأ، وانعدام الدعم الشعبي يقدم استقالته من منصبه الحكومي في نهاية المطاف.
إذا كان هذا هو سلوك الحكومات المنتخبة في الدول الديمقراطية، فماذا عن سلوك نفس الحكومات المنتخبة في دول العالم الثالث، التي تحاول تكريس النظام الديمقراطي في حياة شعوبها ..؟ وهل تتصرف حكوماتها بهذه المنهجية الديمقراطية في التعاطي مع أزماتها الاقتصادية ..؟ وهل حكومتنا المنتخبة في المغرب اختارت هذا الأسلوب في قرارات الزيادة في الأسعار منذ انتخابها ..؟ وهل رئيس حكومتنا يملك في سياساته العمومية هذا النهج اتجاه هذا الهجوم الكاسح على ما تبقى من قوة شرائية للمواطنين ..؟
نتمنى في النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، أن يقنعنا رئيس الحكومة بكل ما ليس متاحا، حول هذا الموضوع، من موقع مسؤوليته الحكومية، التي تقتضي منه فتح النقاش العمومي، حول مختلف التدابير والإجراءات والقرارات، التي سينفذها لمعالجة هذه المشكلة المرتبطة بالتدبير الاقتصادي، حتى وإن استدعى ذلك اللجوء إلى الاستفتاء لمعرفة قناعة المغاربة، وموقفهم مما يعتزم القيام به، على غرار المعمول به في الدول التي تحترم فيها الحكومات الرأي العام، و إرادة الناخبين، عوض أن ينفرد بالتصرف دون القيام بأبسط ما يقتضيه هذا التصرف من انفتاح واحترام للآخرين .. خصوصا، إذا كان الأمر يتعلق بقرار مصيري ومؤثر على الاستقرار والسلم الاجتماعي.
فهل قام رئيس الحكومة، والوزير المعني بموضوع الزيادة بما يجب ..؟ وفتحا الحوار مع المواطنين ومع ممثليهم في المؤسسات، وهل قدما المعلومات والمعطيات والمبررات، التي تشرح أسباب اللجوء إلى هذه الزيادات ..؟ وهل يمتلك السيد بن كيران ما يؤهله للدفاع عن سياسته الاقتصادية التي تزايد معارضوها .. وخصوصا، فقراء ومسحوقي الوطن، الذين يشكلون ضحاياها الأساسيين ..؟ وهل يعلم رئيس الحكومة أن آخر قلاع احتمال الأزمة وتداعياتها الكارثية تتمثل في الأسرة المغربية في الوسط القوي .. وأحزمة الفقر في المدن، لم تعد قادرة على المزيد من التحملات ..؟ وهل يدرك عبر الإدارة التي توجد تحت تصرفه، أن الشرائح المتضررة من أخطاء سياسته التدبيرية في ارتفاع مستمر، وأن هؤلاء لا يمتكلون
ما يساعدهم على انتظار الحلول للبؤس والبطالة والإقصاء، الذي يعانون منه، خاصة في فئة الشباب من حملة الشواهد، والذين يتوفرون على مؤهلات الانخراط في الدورة الاقتصادية ..؟ ولن نذكر رئيس الحكومة المحترم بأن استمرار الأمن في المجتمع لن يطول، إذا لم يتدخل لمراجعة هذا التوجه الاقتصادي التفقيري في تدبيره الحكومي، حتى وإن كان يتصرف بحسن النية، وروح المواطنة والتضحية، والرغبة في معالجة الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المطروحة .. ! .
إن رئيس الحكومة مطالب باستعجال التدخل لحماية المجتمع مما يتعرض له اليوم، حتى يبرئ ذمته من العجز والعطب الذي يلاحقه في تدبيره الحكومي، والذي لا شك أنه مجبر عليه في شروط الوضعية التي يمر منه البلد في الظرف الراهن، والتي تتطلب تضافر جهود الجميع من أجل تحصين المكاسب، وتقليص السلبيات.
قطعا، ما يواجهه التحالف الحكومي الحالي امتداد طبيعي للنهج الذي أدارت به الحكومات السابقة شؤون البلاد، ومن الإنصاف، إنكار ذلك، واعتبار الخلل التنموي الراهن من صنع الحكومة الحالية فقط، فكل المؤشرات تؤكد على أن الأزمة التي يواجهها المغرب، عملت الحكومات المتعاقبة على ضرب الاستقرار الاقتصادي ونموه وتكريس تآكله وتبخره، مما هدد الأمن الاجتماعي والاقتصادي ولا يزال، إن لم تسارع الحكومة الحالية إلى مراجعة سياستها في اتجاه تقوية الإنفاق الاجتماعي لاحتواء تداعيات آثار هذه السياسات الاقتصادية، التي لم تنتبه إلى الآن إلى أهمية التضامن العائلي في استمرار الاستقرار الاجتماعي، الذي لم تعد الكثير من الدول قادرة على تأمينه لأبناء مجتمعها، ناهيك عن الخدمات المتعددة، التي تقوم بها هذه الأسرة، بدون تمويل أوإمكانيات، كما هو حال معظم الأسر المغربية في الوسط القروي، وفي أحزمة الفقر في المدن الكبرى، التي تحتاج إلى المساعدة والدعم، حتى تظل ملتزمة بهذه الوظائف، التي يجب أن تقوم بها الحكومة، وهذا ما يفرض عليها عرض كل المعلومات والتفاصيل الجزئية عن دواعي هذه الزيادات المتتالية في أسعار المواد الغذائية والمحروقات والخدمات، وحتى لا نتهم بالمزايدة والبحث عن كبش الفداء، ومن يعلق الجرس، على مبررات هذه الزيادات في واقعنا الاقتصادي، الذي نتطلع في أن تتمكن الحكومة من معالجة أزمته، سواء في القطاعات الإنتاجية أو الخدماتية.
إن ما يحرضنا على مساءلة الحكومة في شخص رئيسها، هو الرهان على فقراء الوطن لإصلاح الأعطاب والاختلالات والإكراهات المالية والاقتصادية، التي لا يتجاهل رئيس الحكومة المغربية خطورتها على السلم الاجتماعي، وعلى الآمال المعلقة على حكومته في تجاوز مخلفات السياسات الحكومية السابقة، التي ظلت وفية لشروط المؤسسات المالية الدولية، التي عمقت حدة الأزمة الاقتصادية البنيوية، التي تفاقمت تداعياتها السلبية على مسحوقي الوطن.
في هذا الإطار، يحق لنا أن نتساءل عن غياب الحوار مع المجتمع، حول كل الإجراءات والتدابير والقرارات، التي تتخذها الحكومة قبل إقرارها، ولماذا يراهن رئيس الحكومة على تضحيات المواطنين، الذين تبخرت قوتهم الشرائية بفعل هذه السياسة الاقتصادية الخاطئة، التي لا يزال مصرا على الالتزام بها ..؟ وهل يدرك ما يمكن أن يكون عليه تعامل المواطنين مع هذا النهج التفقيري في المستقبل ..؟ إنها جملة من الأسئلة المباشرة، التي نطرحها بعفوية وبروح مواطنة مسؤولة من خلال نقابتنا المستقلة للصحافيين المغاربة، على رئيس حكومتنا الموقر، عسى أن يتدخل لوقف هذه الهجمة على القوة الشرائية لعموم المواطنين، الذين يعانون من الفقر والبطالة، فبالأحرى الذين أصبح دخلهم دون القدرة على مواجهة الحد الأدنى من الحاجيات الاستهلاكية الضرورية والخدمات الأساسية، بما فيهم الطبقة الوسطى، التي انضمت إلى القاعدة العريضة من مسحوقي البلد، والتي كانت إلى عهد قريب تحافظ على التوازن في المجتمع، بعد أن أغرقتها السياسة التدبيرية الاقتصادية الحكومية في بحيرة الفقر، رغم كل محاولات تحسين دخلها ووضعها الاقتصادي في عهد الحكومات السابقة، وعلى ضوء الفجوة، التي أصبحت عليها العلاقة بين أغلبية فقراء الوطن، وأقليته المحظوظة المافيوزية، التي لم تتراجع شهيتها أبدا عن نهب ثروات المغرب منذ الاستقلال إلى الظرف الراهن، في الوقت الذي يرفع فيه رئيس الحكومة شعار محاربة الاستبداد والفساد، وتطويق الفجوة الطبقية، التي اتسعت قاعدة فقرائها ومسحوقيها بنهجه الحكومي اليميني المحافظ، الذي يوظف فيه المنظور الرأسمالي، الذي لم يحقق فيه المغرب منذ الانخراط فيه في السبعينات، سوى الخراب في جميع المجالات، والذي لا يتوقع منه في حالة الالتزام به إلا المزيد من التخلف والارتباك والخلل في كل منظومته النظرية والمنهجية، التي تأكدت نتائجها الكارثية في جميع القطاعات، التي طبق فيها حتى الآن، وفي الوقت الذي يتباهى فيه بالالتزام بالمرجعية الإسلامية، التي تؤكد على ضرورة تحقيق العدالة والتضامن بين أفراد المجتمع، وعلى عدالة توزيع الخيرات، والقيام بالواجبات في كل جوانب حياة المجتمع.
وفي إطار هذا النقاش، فإن النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، لا تختلف على معركة محاربة الفساد والاستبداد، لكن ليس بهذه المنهجية السلطوية التسخيرية المهددة للجبهة الداخلية، ولإجماع المغاربة على الخطوة التي جرى تنفيذها لحماية أمن واستقلال واستقرار الوطن، التي تحاول الحكومة التخلي عنها لافتعال ما يكرس الوضعية المتأزمة الراهنة، ولتبرئة الذمة من العجز على مواجهتها، بدل تأمين حياة هؤلاء الفقراء، وتعزيز قوتهم الشرائية، لمواجهة متطلبات الاقتصاد الحر، الذي لم يعودوا قادرين على مواجهتها، والذي يقضي تدخل الحكومة لحماية فقراء المغرب من مساوئه.

الأمانة العامة
للنقابة المستقلة للصحافيين المغاربة

قد يعجبك ايضا
Loading...