آخر الأخبار :
 

السياسة السياحة بالمغرب : مفارقات وتداعيات

أ ـ قبل سنة 2000

لم تكن أوضاع المغرب بعد رحيل الاستعمار الفرنسي والاسباني، في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، مختلفة عن أوضاع باقي الـــدول الأخرى الحديثة عهد بالاستقلال، وكان الأمر جليـــا بخصوص هـــذه الأوضاع التي كــــان يعاني مــنها المواطنون: الأمـية والجــــهل، والمــــرض، والبطالة والتخلف بمختلف أشكاله . كان على السلطات العمومية والقوى الحية في المجتمع أن يعملوا على مواجه تحديات التنمية لتحقيق العدالة الاجتماعية وسد حاجيات المواطنين .

اختلــف أعضــاء القوى الوطنية بعد الاستقلال على كعــكعة السلطة وتـــدبير الشأن العام ،  واحتدم الصراع بينها وكان التوافق صعبا ، ونتج عن ذلك صدامات عنيفة بين أحزاب ومختلف مكونات الحركة الوطنية من جهة ، وبين هذه الأخيرة والقصر من جهة ثانية ، وكانت لها تداعيات على مستقبل الحياة السياسية والخيارات التنموية للبلاد [1] .

في غمرة هذه الأوضاع ، والصراع على السلطة بين فرقاء الحركة الوطنية ، حسم القصر  هذا الأمر فخلال نهاية سنة 1962 طرح الملك الحسن الثاني ( تولى الحكم بعد والده محمد الخامس ) مشروع دستور على الاستفتاء، واستأثر القصر بجميع السلطات . جعل هذا الدستور  ( والدساتير التي جاءت بعده )  الملك ينفرد بجميع سلطات الحكم العسكري والمدني والديني ، ولم يغفل أيضا الجانب الاقتصادي والاجتماعي وليقوم البرلمان ، من خلال الأحزاب الموالية للنظام ، بالمصادقة عليها وعلى السياسة الحكومية[2].

القطاعات ذات الأولوية للتنمية

بعد الاستقلال بدأ العمل بمخططين ثنائيين تم من خلالهما إعطاء الأسبقية للفلاحة ( أغلب المواطنين كانوا يعملون بهذا القطاع ) والنهوض بالتعليم ( لمحاربة الأمية ) ، وتكوين الأطر لتدبير المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية. جـاء بــعد ذلك العــمل بالمخطط الخماسي 1964/1960 ، واستمــر الـــرهان عـــــلى هـــذه  القطاعات ( الفلاحة ، والصناعة ، والتعليم ، والتكوين المهني ) ، إلا أن النتائج كانت دون حاجيات المواطنين، ولم تتحسن الأوضاع كثيرا، ووصــل عدد العاطلين في مدينة الدار البيضاء وحـــــدهــا إلى أكثر من 300 ألــف، كما عرفت مناطق أخرى انتفاضات شعبية واجهتها

السلطات العمومية بكثير من الحزم[3] .

السياحة كخيار للتنمية

بمقتـضى صلاحيات الــدستور أعطى الملك الراحل التوجيهـــات بــتنزيل المخطط الثلاثي1965/1967 وإعطاء الأسبقية لقطاع السياحة لتجاوز الأوضاع المتأزمة التي كانت تمر بها البلاد،. جــاء في خطبة العـــرش بهـــذه المناسبة: " أولينا وافـــر الاهتمام أيضا للسياحة الـــتي حظيت بالأسبقية في المخطط الثلاثي لما يترتب عن وفادة السياح  بأعداد وفيرة على لادنا من انتعاش في كثير من الصناعات والمرافق وتشغيل اليد العاملة وتوفير العملة الصعبة وازدياد تعرف الناس في الخارج على مظاهر شتى من حضارتنا وصنوف عديدة من عاداتنا وتقاليدنا "[4].

أعطى مخطط 1965/1967 الأولوية للنهوض بالسياحة، وسطر  هو والمخططات الموالية بعده السياسة السياحية للبلاد إلى نهاية السبعينات، وأعلنت الأوساط الرسمية آنذاك، أن هذا المخطط لا يمكنه أن ينجز إلا عن طريق القروض الأجنبية [5] . مقابل ذلك عارضت بعض الأحزاب والقوى الوطنية ذلك ورأت أن هذا المخطط أعطى الأولوية للسياحة على حساب الصناعة (التي اعتمدها مخطط 1960/1964) ، وأن المخطط الثلاثي "رجعي" أعده خبراء أجانب عملا بتوجيهات البنك الدولي وهي مؤسسة هامة للرأسمالية [6].

تحديات التنمية السياحية   

كان الرهان على قطاع السياحة لتنمية البلاد لجلب السياح الأجانب لقضاء عطلهم والتمتع بالمؤهلات السياحية طمعا  في الاستفادة مما ينفقونه بالعملة الصعبة خلال إقامتهم ، وكان على السلطات العمومية ، عملا بهذا الخيار التنموي ، القيام بدور المنشط الأول للنهوض بالسياحة وتوفير الإمكانات المادية والبشرية الضرورية والبرامج الهادفة لإجراء الدراسات، وتحديد المناطق السياحية ، وتوفير الأراضي بها وإعدادها، ودعم التجهيزات الأساسية كالمطارات والموانئ والطرق، وبناء الفنادق والمؤسسات الإيوائية والترفيهية، وتكوين الأطر السياحية ، ودعم استثمارات القطاع الخاص عن طريق توفير البقع الأرضية، ومنح مزايا مالية وضريبية وقانونية، ودعم مجالات التنشيط والترفيه والمقاولات والإنعاش لجلب السياح.

كان هذا الدور الريادي الموكول إلى القطاع العام يفرض على السلطات العمومية أن تلجأ إلى الاستعانة بالخبرات والبرامج الأجنبية ، وإلى مساعدات وقروض دول صديقة وهيآت تمويل دولية. و كان على القطاع العام ليس فقط إحداث التجهيزات الأساسية والتكوين المهني السياحي الخ. بل وأيضا بناء المؤسسات الإيوائية ودعم عمل بعض المؤسسات الشبه عمومية كالمكتب الوطني المغربي للسياحة ONMT ، والمكتب الوطني للسكك الحديدية ONCF ، وصندوق الإيداع والتدبير CDG ، والقرض العقاري والفندقي CIH ، وبنك الإنماء الاقتصادي  BNDE، وشركتي   الخطوط  الجوية RAM  والملاحة  البحرية COMANAV، وشركة الخطوط البرية الوطنية CTM .

جاء في إحدى المذكرات الرسمية أن الدولة قامت بإنجاز تجهيزات ضخمة لتوجيه الاهتمام إلى المناطق والمواقع السياحية المحرومة من التجهيزات الأساسية الضرورية، وبنت وحدات فندقية نموذجية تستجيب لمعايير السياحة الدولية العصرية وأنها وحتى سنة 1977 أخذت على عاتقها مسؤولية تنمية مختلف المجالات السياحية قصد ضمان شروط الإقلاع السياحي ، وأن تتدخل الدولة عن طريق مؤسسات تابعة لها ... )[7]( .

 ونظرا للصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي واجهت البلاد ، وتزايد المديونية وضغوطات الهيآت المالية الدولية ، ونظرا لطبيعة هشاشة قطاع السياحة وضعف النتائج والخدمات وأهمية المنافسة الدولية فإن السلطات العمومية لم تستطع الاستمرار في تحمل عبء النهوض بالسياحة، وانطلاقا من سنة 1978 بدأ تراجع الاستثمارات  العمومية في هذا القطاع لتصل إلى نسبة%0,4 فقط خلال مخطط المسار 1992/1988 الذي تم توقف العمل به قبل حلول أجله .

خلال عقد التسعينات لم يعد المنتوج  السياحي المغربي جذابا  للسياح وعرف قطاع السياحة تراجعا مهما بسبب تخلي القطاع العمومي والشبه عمومي عن الاستثمار في مجالات السياحة، والتراجع عن مزايا قانون الاستثمارات السياحية 1983 لفائدة المستثمرين السياحيين . وعرف قطاع السياحة خلال هذه المرحلة ركودا مهما ، ليس فقط في مجال الاستثمارات والتجهيزات السياحية ، بل وأيضا على مستوى النشاط السياحي بسبب تقلص وفود عدد السياح ومبيتاتهم بالفنادق مما جعل بعض المهنيين والمنعشين السياحيين  يعانون كثيرا  ، واضطر بعضهم إلى إعادة جدولة ديونهم التي لم يقدروا على سدادها . 

وهكذا يمكن القول أن الرهان على السياحة الدولية كخيار تنموي قيل سنة  2000 قد فشل وكان خيارا تنمويا خاطئا وأسفر عن تداعيات اقتصادية واجتماعية مهمة منها تبديد الموارد المالية للبلاد وإغراقها في الديون خارجية وداخلية ، وتسخير هذه الموارد لإعطاء الأسبقية لقطاع يهم السياح الأجانب على حساب حاجيات السكان في مجالات كالفلاحة والصناعة والتشغيل والتعليم والصحة. 

كان لفشل هذا الخيار التنموي أسباب متعددة ليس فقط إعطائه الأسبقية على حساب خيارات شعبية بل وأيضا لسوء تدبير الشأن العام وتفشي ظاهرة الفساد واقتصاد الريع والرشوة وعدم العمل بمناهج علمية وعملية المتبعة في الدول السياحــــــية وتجاهل توصيات المنظمات الدولية في مجال

السياحة المستدامة والاستقبال السياحي الخ . [8]

المفارقات

لقد كان من مفارقات عمل الحكومات والعمل على النهوض بالسياحة أولا تجاهل حاجيات السكان في جميع المجالات وتسخير جل الإمكانيات المادية والبشرية والتشريعية لتوفير خدمات لفائدة السياح الأجانب .

وهكذا فبدلا من الزيادة من الأراضي الزراعية واستصلاحها واستغلالها لتحقيق الأمن الغذائي للمواطنين قامت السلطات الحكومية بتوفير أحسن الأراضي ونزعها من أصحابها لإحداث المحطات السياحية لجلب السياح الأجانب ،

وبدلا من إحداث الطرق البرية والسكك الحديدية لربط مختلف مناطق البلاد وتوفير وسائل النقل وتشجيع الاستثمارات فيها عملت السلطات على إحداث طرق سياحية لربط المحطات السياحية .

ومن المفارقات أيضا أن السلطات العمومية قامت بالعمل على إحداث التجهيزات التحتية بالمحطات السياحية وتوفير مياه الشرب والاستحمام وسقي ملاعب الكولف بالمحطات السياحية عوض بناء السدود وتوفير مياه الشرب للساكنة المحلية وسقي الأراضي الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي.

ومن المفارقات أن السلطات العمومية قامت ببناء الفنادق والمركبات الإيوائية والأندية لإيواء السياح حتى ببعض المناطق النائية بدل بناء الدور والمساكن للساكنة المحلية وتشجيع الاستثمارات في قطاع البناء .

ومن المفارقات أن السلطات العمومية عملت على إحداث بعض الموانئ الترفيهية لفائدة السياح بدل إحداث موانئ الصيد بمختلف مناطق البلاد شمالا وغربا لإحداث مناصب الشغل واستغلال الثروات  البحرية وتصنيعها وتصدير الفائض منها .

ومن المفارقات كذلك أن الحكومة الوطنية عملت على إحداث الأندية الليلية وإحداث ملاعب الكولف والكازينوهات بدل المدارس والمكتبات والأندية الثقافية  والملاعب الرياضية .

ومن المفارقات أن السلطات العمومية سهرت على  توفير الأمن للسياح وسخرت لذلك المئات من رجال الأمن  بدل السهر على حماية أمن المواطنين .

بالإضافة إلى هذا وذاك ساهم نشـــــــاط السياحة الدولية ببعض الوجهات في الزيادة من أسعار

المواد الغذائية وأراضي البناء وسائر الخدمات  وقامت السلطات العمومية بتخصيص غلافات مالية مهمة من ميزانية الدولة للقيام بحملات إشهارية ودعائية لترويج المنتوج السياحي واستيراد بعض المنتجات الفاخرة التي يحتاجها السياح الأجانب .

ومن أهم المفارقات أن تقول الحكومات أن المغرب بلد مسلم وأن رئيس الدولة هو أمير المؤمنين وهي تشجع وتسن قوانين لتوفير الخمور في المنشآت السياحية وتسهيل طرق الدعارة الخ. الخ.

التداعيات الاقتصادية

كان للسياسة السياحة الدولية التي عملت بها مختلف الحكومات المتعاقبة خلال فترة 1956/2000 كخيار تنموي رئيسي انعكاسات اقتصادية إيجابية ولكن التداعيات كانت أهم فمنذ البداية سخرت هذه الحكومات إمكانياتها المادية والبشرية وسلطتها القانونية لتحويل السياحة إلى قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ولكنها ومنذ نهاية السبعينات لم تستطع مواصلة جهودها وبدأت تقلص دعمها للقطاع ثم التخلي عنه وتفويت منشآتها السياحية إلى القطاع الخاص وتم بذلك إهدار الكثير من المؤهلات الطبيعية ومن الوقت وأموال خزينة الدولة لفائدة قطاع ترفيهي ولشريحة من السياح الأجانب على حساب مجالات حيوية للساكنة المحلية .

لم تستفد المؤسسات السياحية المتوسطة والصغيرة ولا صغار التجار والساكنة المحلية بمختلف الوجهات كثيرا من النشاط السياحي نتيجة الاعتماد على السياحة الدولية الفخمة على حساب السياحة المتوسطة والداخلية. مقابل ذلك استفادت شركات دولية ووطنية وأصحاب مؤسسات إيوائية كبرى من النشاط السياحي، كما استفاد مستثمرون ومنعشون خواص من تفويت فنادق القطاع العمومي ومن الأراضي السياحية وتحايل بعض المضاربين فيها .

تمركز النشاط السياحي شيئا فشيئا بوجهتي مراكش وأكدير، وأقل من ذلك ببعض المدن الكبرى كالدار البيضاء ، وفاس ، والرباط وطنجة ، وتم بذلك استثناء أغلب مناطق البلاد من النشاط السياحي، وكان ذلك أيضا من أسباب اتساع الهوة بين هذه المدن وبين باقي مناطق البلاد ورجع إلى الذهن مقولة " المغرب النافع والمغرب غير النافع ".

لم تتغير أوضاع البلاد كثيرا فقد حذر الملك الحسن الثاني في خطابه نهاية التسعينات من إمكانية تعرض البلاد إلى السكتة القلبية ، وذلك استنادا إلى تقرير البنك الدولي حول أوضاع المجالات الاقتصادية والاجتماعية ، وطرح ذلك ضرورة الإصلاح الشامل فقد كانت البلاد تواجه ظروف صعبة واضطرابات اجتماعية بمختلف المناطق والجهات .  

لم تقتصر تداعيات القطاع السياحي خلال فترة 1956/2000 على الجانب الاقتصادي فقط بل ربما كانت تداعيات أخرى ثقافية وبيئية وأخلاقية أهم وأخطر  ...

يبدو أن المسؤولين على تدبير شأن المغرب وعلى أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم يستفيدوا من تجربة فترة قبل سنة 2000 وعادوا ليراهنوا من جديد على التنمية السياحية كقاطرة للتنمية بعد سنة 2000 ... فكيف كان ذلك ؟ وماهي النتائج والتداعيات ؟ . ( يتبع ) [9] .

إسماعيل عمران      ismailemran@gmail.com

 

[1]: خلال سنتي 1971 و1972 عرف المغرب محاولتين انقلابيتين ضد الملك الراحل الحسن الثاني.

[2] : قراءة نقدية في التجربة الدستورية المغربية. إدريس الشامخ لجمعة 27 نونبر  2009                                    www.hespress.com/opinions/16921.ht m l

[3]: خمس سنوات من حالة الاستثناء25 Février 2009  .www.chtiouiroyal.canalblog.com

[4]: فقرة من خطاب الذكرى السادسة لعيد العرش لسنة 1966

[5] "التنمية السياحية بالمغرب: واقع وأبعاد ورهانات". ص 88

[6]  نفس المصدر

[7] ( وزارة السياحة قسم الاستثمارات السياحية 1978 مذكرة حول سياسة الاستثمارات.

[8]  وقد تم بيان ذلك بتفصيل في كتب المؤلف : التنمية السياحية واقع وأبعاد ورهانات . التنمية السياحية بالمغرب تطلعات وتحديات ومفارقات . السياسة السياحية بالمغرب : إشكاليات وتداعيات وبدائل .

[9]  جاء ذلك بتفصيل في كتب  صاحب هذا  المقال  : التنمية السياحية واقع وأبعاد ورهانات . التنمية السياحية بالمغرب تطلعات وتحديات ومفارقات . السياسة السياحية بالمغرب : إشكاليات وتداعيات وبدائل .

 





رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://tetouanplus.com/news21669.html
نشر الخبر : الإدارة
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار