آخر الأخبار :
 

الزاوية و مفهوم القطيع

    قال لي احد الاصدقاء المصنفين من اهل التصوف بامتياز ، و من الذين مكثوا مدة تقرب من عقدين من العمر بين احضان احدى الزوايا الصوفية الاكثر شهرة و بريقا و سمعة في يومنا الحاضر : كان السادة و كبار القوم بالزاوية َيسِموننا بالخرفان و نحن شبابا في ريعان أعمارنا ، و هي لفظة تطلق على جمع خروف اي ”حـَوْْلي،، بالدارجة ، و كنت أتعجب من هذا الوسم ، و أكرهه في نفسي ، و أتساءل أليس هناك وصف آخر هو انسب للمريد او التلميذ الذي اختار الدخول الى هذه الزريبة الروحانية و هي حضرة للذكر و الخشوع و الجذبة ، مع هؤلاء الرعاة الصوفية، بدلا من الخروف الذي جمعه خرفان ، و الذي مهما كان فهو حيوان ، و الحيوان بطبيعة الحال لا يرقى لأن يشبه به الانسان. و مع ذلك و على مضض - يقول الصديق - كنا نتقبل هذا الوسم غير المحمود و الذي يتعارض مع كرامة الانسان  و منزلته التي انزله الله اياها بمقتضى الشرع و بحكم العقل و الطبع .و نقول لعل للسادة في هذا الوصف قصدا نبيلا يتعلق بمعاني التربية و سياسة الأنفس ، و لما لا يكون المريد خروفا و السادة رعاة و العلاقة بينهما .. هي علاقة بين الراعي و الرعية مادام يتوجب على المريد أن يستسلم بالكامل و يتجرد عن اختياره و يسلم امره بالكلية لساداته يفعلون فيه ما يشاؤون ، و يحلون منه محل الحل و العقد ، و النقد و الابرام .

   هكذا كنا نبرر و نجوز اطلاق وسم الخروف على المريد توخيا لحسن الظن و الاعتقاد ، لكن بعد النتائج الكارثية ، و الانكسارات المريعة في صفوف عدد من المريدين المجني عليهم بسبب أخطاء الزاوية و انحرافاتها القاتلة بدأت نظرتنا تتغير و تختلف لمفهوم الخرفان و الخروف و مبدأ القطيع في التصور ، و سياسة القطيعية التي ارتضتها الزاوية في التعامل مع المريدين و الفريق من المنتمين الوافدين عليها خصوصا من الطبقات الفقيرة و المتوسطة الحال لا أفراد الطبقات الثرية و الارستقراطية الانتماء فؤلائك يعاملون باحترام تام ، و بدأت التساؤلات تتقاطر في الاذهان هل المسألة تحولت الى قطيع فعلا و ان الزاوية ما هي الا حضيرة لترويض الْحوالا و الخرفان و سفك دمائها ؟؟

    غير أن دافع الفضول دفعني لأسأله عن هذه النظرة المتغيرة و المختلفة .فكان جوابه تواضعا : و الله لا أجد ما افيدك به ، بالرغم من ان المسألة غريبة و فظيعة الى حد كبير . لكن - يضيف قائلا - لعل هناك علاقة ما بين الخروف و المهمة التي ُخِلق لأجلها ، و بين مريد الزاوية فيما يحاك له من كوارث و مصائب ستنزل على راسه كالصاعقة لما ارتضى أن يكون خروفا من خرفان الزاوية . فقلت له لم افهم ، فاسترسل قائلا : أليس الخروف وجد للتربية و التسمين ثم للذبح و التغذي بلحمه ، قلت له اجل كل ذلك صحيح . فقال لي : إذن ذاك هو وجه الشبه و العلاقة . فالمريد بعد مكوثه بالزاوية مدة  و دهرا و ظهور بشائر الخير على احواله يجد من يستغل فيه الفرص و يمتص لحمه و شحمه حتى الثمالة .. أو يبيعه في صفقة من الصفقات  أو يدبر له مقلبا للتخلص منه و لا ازيدك أكثر من هذا .

    ثم اضاف مسترسلا أيضا : و هناك تفسير آخر ، فالخروف معروف بقلة ذكائه و قدرته على التفكير ، و المريد مطلوب منه ذلك و هي من ابجدية المصاحبة لأهل الزاوية ، اذ يطلب من المريد ان يتوقف نهائيا عن التفكير و استعمال حاسة النقد تحت مسمى تكسير الميزان و اتخاذ موقف العين العمشة و الأذن الطرشة فيما يبدو له من انحرافات او خروج عن الصواب حتى و لو كان فسادا أخلاقيا و انتهاكا للحرمات . و لا يغنك ما يبدو من القوم من حرصهم على الظهور بمظهر الفكر و العلم ، و الفلسفة و التفلسف ..

     ثم اعقب قائلا : و أزيدك توضيحا ، من ناحية أخرى ، فإن الخروف معروف عنه استعداده للاستسلام و الانقياد و الطاعة ، و لعل هذا المعنى ـ في الراجح ـ هو الذي روعي في تشبيه المريد بالخروف . و لاجل ذلك ، و الله اعلم ، أجازوا وسمنا بالخرفان و أطلق ذلك علينا ، و نحن في مقتبل العمر و على حداثة سن ، و حالة من البراءة و قلة الخبرة بحياة الزوايا و أغوارها و ِشعبها ، لا ندري ما ينتظرنا في مستقبلنا الصوفي الحالم ، و لا ما يهيؤ لنا و قد كانوا يعدوننا بمستقبل الاقطاب و العارفين بالله و الاولياء الصالحين .

بقلم علي المنصور





رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://tetouanplus.com/news20843.html
نشر الخبر : الإدارة
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار