آخر الأخبار :
 

شيخ السنبلة ومقاومة الذبول !

      لم يكن الكثيرون من أترابي يتصورون أن يطول بهم العمر إلى أن يأتي زمن تتردى فيه الأحوال وتنهار منظومة القيم. زمن يظهر فيه قوم انتهازيون، يمرغون وجه السياسة في الأوحال وينزلون بها إلى الدرك الأسفل، بفعل ممارساتهم الدنيئة وخطاباتهم الرعناء. ويحولونها إلى مجرد مرادف للسخرية أو العبث في أبهى تجلياته، حيث تكالب على الحقل السياسي أشخاص انعدمت ضمائرهم ولم يعد يهمهم عدا تحقيق مصالحهم الذاتية ضد المصلحة العليا للوطن.

      أناس أفرغوا السياسة من عمقها النبيل وأفقدوها مصداقيتها وإشعاعها في المجتمع، عندما أبوا إلا أن يجعلوا منها وسيلة سهلة لبلوغ أهدافهم ومصدرا للارتزاق والاغتناء الفاحش. يتهافتون بلا خجل ولا وجل على المناصب والحقائب والمكاسب وتعدد الأجور والتعويضات لأنفسهم وذويهم. مما ساهم بشكل وافر في تنفير المواطنين من العمل السياسي، العزوف عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية وفقدان الثقة في المنتخبين والمؤسسات. ترى أين اختفى نساء ورجال السياسة الحقيقيين؟

      نعم لم يعد لدينا اليوم سياسيون بالمعنى الحقيقي للكلمة كما كانوا بالأمس، حين كانت المناضلات والمناضلون يتحدون حملات التضييق والتهميش والإقصاء والاعتقالات العشوائية والأحكام الجائرة والتعذيب الأخرق في ردهات السجون، لاسيما خلال فترة ما سمي بسنوات الجمر والرصاص السيئة الذكر. يكرسون جهودهم وأوقاتهم في الصراع من أجل الكرامة والحرية وانتزاع الحقوق وإرساء دعائم الديمقراطية ودولة الحق والقانون، ويسترخصون أرواحهم فداء للوطن وحفاظا على وحدته الترابية. يناضلون من أجل التنوير والحداثة، ويحرصون على رعاية شؤون المواطنين والترافع عن قضاياهم الأساسية، وفي مقدمتها تحقيق التنمية البشرية، تأمين العيش الكريم وتوفير العدالة الاجتماعية، فضلا عن المطالبة بالتوزيع العادل لثروات البلاد ومحاربة الفساد والاستبداد...

      وكانت الأحزاب الوطنية في الوقت ذاته حريصة على استقطاب وتأطير المواطنين نساء ورجالا، من خلال تأسيس خلايا حزبية، جمعيات ومنظمات شبيبية للتكوين ونشر قيم المواطنة والديمقراطية، عبر تنظيم ندوات تربوية وحلقات دراسية لتعميق الوعي السياسي والاجتماعي، إعطاء دروس الدعم لتلاميذ البكالوريا بالخصوص والتشجيع على التعلم الذاتي ومحاربة الأمية... السهر على تأهيل المناضلين للمشاركة في الانتخابات، تدبير الشأن العام والمساهمة في صناعة القرار السياسي.

      فماذا بقي اليوم من ذلك؟ لا شيء سوى تفشي الكذب والجبن والنفاق، تدني الخطاب السياسي، التلاعب بالعقول ودغدغة المشاعر والتملص من المسؤولية. أفلست النخب السياسية وصار الزعماء منشغلين بحماية مراكزهم أكثر من أي شيء آخر، مستعملين لذلك جميع الوسائل المتوفرة لديهم من "كولسة" ودهاء ومهما كلفهم الأمر من ثمن، وبدت الأحزاب أكثر ترهلا ووهنا جراء انعدام الديمقراطية الداخلية وتنامي التصدعات، وطغيان منطق القرابة والزبونية والولاء للزعيم، وهو ما أضعفها وحال دون القيام بوظائفها، والاعتماد أحيانا على أصحاب المال المختصين في إفساد الانتخابات وربح الكراسي. ويفسر بوضوح الأزمة الخانقة التي تكتم أنفاس الحياة السياسية، وتعيش على وقعها الأحزاب نفسها أغلبية ومعارضة، في تناحر صارخ وتبادل الاتهامات حتى وسط الائتلاف الحكومي. مما أدى إلى تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات، وارتفاع موجة الاحتجاجات الشعبية وعودة قوارب الموت للواجهة...

      من هنا وفي ظل تلاحق الفضائح والفشل الذريع في إنجاز المشاريع الاقتصادية والاجتماعية، ارتأى ملك البلاد محمد السادس التدخل بقوة وتوجيه انتقادات شديدة اللهجة للطبقة السياسية في خطاب الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش يوم 29 يوليوز 2017، معلنا عن سحب ثقته منها ومعربا عن تفهمه لاستياء المواطنين من المسؤولين السياسيين الذين ما فتئوا يستهترون بمسؤولياتهم، ومذكرا بصلاحياته في تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، ضد كل من تخول له نفسه التقصير في القيام بواجباته، كما لم يفته تنبيه الوزراء والمنتخبين إلى الوفاء بوعودهم واحترام التزاماتهم.

      وبعد مرور سنة على ذلك، دعا مساء يوم الأحد 29 يوليوز 2018 من مدينة الحسيمة المجاهدة بمناسبة الذكرى التاسعة عشرة لعيد العرش، قيادات الأحزاب السياسية إلى العمل على استقطاب وتعبئة نخب سياسية شابة وتجديد آليات وأساليب اشتغالها، حتى تكون قادرة على مواكبة المستجدات، باعتبار الشباب الدينامو المحرك لأي تطور وأن أبناء اليوم هم الأدرى بمشاكلهم ومتطلبات العصر...

      فهل استوعب قادة الأحزاب أبعاد الخطابين، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ عموما إذا كان الزعيم السابق للحزب الحاكم عبد الإله ابن كيران أخفق في الظفر بولاية ثالثة لأسباب استثنائية، واستطاع نبيل بنعبد الله العودة إلى منصبه للمرة الثالثة، فها هو شيخ "السنبلة" امحند العنصر الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، الذي سبق له التصريح بعدم الترشح لولاية أخرى، بعد أن قضى أزيد من ثلاثة عقود في تدبير شؤون الحزب، يعود للمرة التاسعة على التوالي إلى خلافة نفسه.

      وجدير بالذكر أن قيدوم الأمناء التحق بالحزب عام 1975، واستطاع في ظرف 11 سنة بقدرة قادر أن يسحب البساط من تحت قدمي المحجوبي أحرضان ويصبح أمينا عاما في عام 1986. فماذا أضاف للحزب غير تقلبه في المناصب الوزارية والقيام بدور الإطفائي، الذي ظل يخمد نيران فضائح الوزراء الذين اختارهم أو فرضوا عليه؟ وهل يعقل ألا يتمكن الحزب طوال سنوات قيادته تأهيل مناضليه لتحمل المسؤولية، والاكتفاء بصباغة التكنوقراط المعروضين عليه ك: محمد حصاد وخلفه سعيد أمزازي؟

      لقد بات من الضروري أن تعجل الأحزاب بمراجعة أساليبها المتجاوزة وإنقاذ نفسها من هذا التآكل المتواصل، وانعكاساته السلبية على المشهد السياسي، بإعطاء الفرصة للكفاءات الشابة في الوصول ديمقراطيا إلى مراكز القيادة والقرار، وبلورة مفهوم جديد للعمل السياسي الهادف، الذي يقوم على تغيير العقليات والحكامة والشفافية والنزاهة، فطبيعة المرحلة لم تعد تسمح باستمرار هذه المهازل وتكريس خلود الزعماء...

اسماعيل الحلوتي





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://tetouanplus.com/news18312.html
نشر الخبر : الإدارة
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار