آخر الأخبار :
page.php?6

من ذاكرة تطوان الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية "الهاشمي البخاري "الملقب بزْرَعْ وكُوَّن"

 

بقلم: الزبـيـر بن الأمين

 

كثيرا ما أصادف صورة الهاشمي البخاري – غفر الله له – على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بدون تدوينة، وأحيانا يتكرر ظهورها مع بعض التعليقات القصيرة، بحيث لا تقدم شيئا هاما أو مفيدا عن مسارها وطبيعتها...

سعيا منا لإفادة إخواننا وأصدقائنا وعامة المهتمين، رجعت إلى بعض المصادر القليلة جدا، وخاصة منها الإسبانية، وكذا الروايات الشفهية الموثوق بها، فهيأت هذه الورقة عسى أن تقدم تعريفا متواضعا عن هذه الشخصية المنسية، التي كان لها حضور قوي في الوسط الاجتماعي بمدينة تطوان خلال جزء من فترة الحماية وبداية عقود عهد الاستقلال، شاكرا لجريدة الشمال الغراء العمل على نشرها في هذا العدد.

* * *

هي شخصية غريبة الأطوار كانت تلفت أنظار الناس بلباسها العسكري الخاص بالفرسان، وبحركات تعبيراتها الآمرة المضحكة، وخطاباتها الزجرية الحكيمة، كما كانت تثير فضولهم لكونها لا تفارق دوما حيوانها الوفي. سماه الإسبان أولا "طروسكا (Truska)، وأطلق عليه المغاربة "لايكا Laika). والترجيح أن تكون رفيقته أيام الحماية Truska، وبعد الاستقلال صاحَبَتْهُ كلبة أخرى هي Laika.

كلما صادف المرء بشوارع وأزقة تطوان هذه الشخصية، فكأنه يلمح أمامه أميرا قصير القامة وفارسا ذا بشرة سمراء، وشاربين كثيفين، وذا عينين تتقدان حركة ولمعانا متوجستين على الدوام من كل دان إليها وغريب، يحمل بين يديه في كل وقت ومناسبة سوطا جلديا، يحمي به نفسه، ويضفي عليه هالة الأمراء وقادة الجيوش. يمثل في مشيته الحزم والصرامة في هيئة تجمع بين الجد والفكاهة.

الهاشمي البخاري هو اسمه الحقيقي، لُقِّبَ "بِزْرَعْ وكُوَّنْ". وسبب ذلك حسب بعض الروايات، هو أن مجموعة من شباب تطوان في الأربعينيات دخلوا إحدى حانات المدينة التي نشرها المستعمر ترويجا لبيع الخمور ومعاقرتها، فوجدوا بها الهاشمي يتناول كؤوس الراح في لحظة كانت الخمر يُعَاقبُ عليها شاربُهَا عقاباً صارماً من لدن سلطات الباشا، فإذا بالهاشمي يخاطبهم بهذه العبارة المليئة بدلالات الإباحة، والإخفاء والتستر قائلا لهم: (ازْرَعْ وُكُوَّنْ) (أي اشرب، واخْف واصمت). ومنذ تلك اللحظة عُرف بهذه التسمية التي اشتهر بها في كل مكان.

كان الهاشمي في شكله وصفاته العامة يشبه إلى حد ما – كما يذكر عارفوه – أحد الشخصيات التابعة لنفوذ المخزن، التي لم يكن لها حضور متفائل ومتواصل بين وسائل الإعلام. وتذكر بعض المصادر أو ما يروى عن مغامرات الهاشمي أنه بمناسبة إحدى رحلاته إلى بعض المدن الإسبانية خلال عهد الحماية، استغل وجوده بهذه البلاد، فقدم نفسه باسم أحد أفراد السلطة المخزنية بشمال المغرب. وبمجرد ذيوع نبأ وصول الشخصية المرموقة لهذه الديار، هرعت سلطات البلدية والسلطات العسكرية والدينية الإسبانية إلى استقباله بحفاوة، وعندما تبين للإسبان حقيقة هويته، وافتضح أمره، غفروا له جرأة مكره، وشجاعة حيلته، وذكائه العميق... بحيث لم يذهلهم الأمر وذلك للتشابه القريب بينه وبين الشخصية المقمصة.

تباهى الهاشمي – في كل وقت وحين - بكونه أحد المنتسبين إلى القصر الخليفي بتطوان، فوالده فعلا ظل يشتغل ضمن حاشية الخليفة بصفته "مقدم المْخَازْنِيَة"، توفي أثناء مشاركته في تشييع جنازة السلطان مولاي عبد العزيز سنة 1943 بمدينة طنجة. أما والدته فتولت العمل مع المشتغلات بمطبخ القصر الخليفي، وكثيرا ما كانت تنقل إلى ولدها - الذي اختار حياة العزوبة المنعزلة عن المجتمع - بعض المأكولات من صنع يدها إلى بيته الكائن "بنْقِيبَة جامع الكبير".                                                                                                                                                                

امتهن الهاشمي مهنة الحلاقة، وكان دكانه بالساقية الفوقية، وبحي العيون بتطوان، كما مارس الحرفة نفسها بمدينة الدار البيضاء مدة قصيرة خلال 1948 بحي باب مراكش.

مر صاحبنا بمرحلتين من مراحل حياته:

  • مرحلة استمداد قوته وحصانته من القصر الخليفي أثناء فترة الحماية، وهي فترة سعادته، وشعوره بالزهو، وتمكنه من التجول والسفر داخليا وخارجيا، وخلالها نجح الهاشمي بالإيقاع بعدد من ضحاياه أغلبهم من الإسبان الذين كثيرا ما كانوا يغفرون له تطاولاته وحيله ومواقفه الازدرائية المثيرة، ومسرحياته الذكية.
  • فترة بعد الاستقلال، وهي مرحلة تراجع نِعَمِهِ، وإدمانه المفرط على شرب الخمر، والسخرية من غيره.

ورغم مرارة أنواع الاضطهاد التي لقيها الهاشمي من بعض شباب تطوان المشاغب، بعد انتهاء انتمائه للقصر الخليفي، ابتداء من بداية الاستقلال، فقد واظب الرجل على ارتداء لباسه العسكري، واتباع سلوكه الماجن، وتقمص شخصية علية القوم الحاكمة...

ثم نظرا لازدياد فقره، وتوقف نفقات وأعطيات من كانوا يمدونه سابقا، فقد وجد العوض في عطف بعض أهالي تطوان الذين كانوا يعاملونه معاملة لطيفة تزيده فخرا وتيها.

على أن حياته في هذه المرحلة امتدت كما ذكرنا على شرب الخمر بدون انقطاع وخاصة مع رفيقته Laika، يعاكسه في أكثر الطرقات شباب المدينة، والمراهقون، وحتى في بعض الأحايين الكهول فيهاجمونه بأقدح العبارات، ثم يرد عليهم الهاشمي بأشد منها ازدراء، وأذكى منها بلاغة وحكمة، متحديا صعوبة المواجهة، رافعا شعار الاعتزاز بالنفس، آمرا رفيقه الوفي بمتابعته بعد انتهاء الصراع. وغالبا ما ينتهي هذا الصراع بالاعتداء عليه وعلى حيوانه. فينهزم جسديا لأنه لا يجد من يؤيده ويناصره، وينتصر معنويا لسموم عباراته وأوصافه النارية التي لا تستطيع الجماعة بكامل أعضائها صياغة ما يطلقه لسانه من هجاء لاذع، وقذف محكم البناء، مليء بالسخرية والاستهزاء من الأعداء.

يحكى عن بعض مواقفه الجريئة أنه قُدم يوما للمحكمة بتهمة شرب الخمر، واستفزاز الناس بسلوكه الخليع وأقواله القدحية. وكان رئيس جلسة المحاكمة يعرفه الهاشمي معرفة عميقة لفرط ولعه هو الآخر بشرب الخمر. وقبل انتهاء المرافعة، طلب منه الرئيس الإدلاء برأيه في التهمة الموجهة إليه، فلم يزد الهاشمي أن قال:

"سبحان الله! كيف تغيرت الدنيا!"

"الويسكي (Whisky) يحاكم اليوم الطِّينطو(Tinto)!"[1]

فضحك كل من كان في قاعة المحكمة.

ومن مواقفه المضحكة والغريبة: أنه كان يخرج من بيته وفي يده سلة مليئة بعظام بقايا لحم البقر يجمعها من عند بائعي اللحوم. حرصا منه لاتقاء سماع ما ألصقه الناس به من تسميته "بزْرَعْ وكُوّن" أو بغيرها من الأوصاف الرذيلة، كان يرمي بالعظام لمرددي هذه التسميات والنعوت في الأزقة والطرقات، جاعلا إياهم في معتقده ومخيله كالكلاب الجائعة المحتاجة إلى ملء بطونها بالغذاء لتفتر عن هذا النباح، مواصلا سيره بخيلاء وكبرياء.

الهاشمي البخاري شخصية لن ينساها أهل تطوان الذين عاصروها ووقفوا على قوة وغنى مقوماتها المسرحية الفطرية العالية، والجرأة القوية، والذكاء الحاد. وتبقى لدينا أسئلتنا معلقة بدون جواب. لماذا لم يستغل المشتغلون بالمسرح هذه الشخصية الفذة في التمثيل الفني؟ ولماذا لم يقم الفنانون التشكيليون برسم لوحة لبورترييه هذه الشخصية التي كانت تتقن تقمص دور الحكام والأمراء، مما يدل على رغبتها و طموحها في الارتقاء إلى درجتهم، وإن كان ذلك وهما ؟ أو يكتب عنه أحد كتابنا عملا إبداعيا يخلده في تاريخ هذه المدينة الأصيلة التي كثيرا ما نافح عنها الهاشمي وهو متجول بين المدن المغربية الأخرى؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  - الويسكي من أنواع الخمور الجيدة، والطينطو من أنواع الخمور الرخيصة.



الزبـيـر بن الأمين






نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://tetouanplus.com/news14001.html
نشر الخبر : الإدارة
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار