آخر الأخبار :
page.php?6

الحراك المغربي والأمن

من الصعب تقديم أجوبة شافية عن مغزى التدخل الأمني في حق الوقفات التضامنية في كل من الرباط والدار البيضاء وتطوان ومكناس، نظراً إلى غياب معطيات تتعلق أساساً بميزان الغضب الموجود وسط فئات عريضة من الشعب، والتي يعبر عنها حالياً الناشطون والفاعلون والمناضلون من خلال خروجهم إلى الشارع للتضامن مع حراك الحسيمة والريف.

وهذه المعطيات متوافرة من دون شك لدى الإدارة المحلية وأجهزتها. لكن يمكن تقديم بعض رؤوس الأقلام كمحاولة للفهم:

 أولاً، يبدو أن المقاربة الأمنية أصبحت الخيار الأساس للتعامل مع الحراك الشعبي السلمي في الحسيمة والريف، وذلك يتجلى في اعتقال قادة الحراك بدلاً من فتح الحوار معهم.

ثانياً، كي تنجح هذه المقاربة والتهم الموجهة للشباب المعتقل، يجب تفادي انتقال عدوى الاحتجاج إلى مناطق ومدن أخرى، بحيث سيصبح حراك الحسيمة جزءاً من حراك المغرب، وبالتالي فتهم «الانفصال» و «الأجندات الخارجية» ستسقط وسيكون من الصعب إلصاقها بقادة الحراك في الحسيمة والريف.

ثالثاً، تم التدخل لفض الوقفات الاحتجاجية في كل من الرباط والدار البيضاء بـ «مرونة»، وذلك نظراً إلى ثقل العاصمة الإدارية والاقتصادية وطنياً ودولياً، وحتى لا تكونان عبرة لكل المدن المغربية.

رابعاً، تم التعامل بعنف واضح مع احتجاجات طنجة وتطوان ومكناس. هنا السبب كامن من ناحية طنجة وتطوان في محاولة قطع كل إمكانية لتمدد الحراك في ما يسمى الريف الكبير أو الشمال، حيث توجد هجرة تاريخية لأهل الريف لهذه المدن من جهة، ونظراً أيضاً إلى الإرث الثقافي والتاريخي للمدينتين وانخراطهما في كل معارك الحرية والكرامة والعدالة والديموقراطية منذ عقود.

بالنسبة إلى تطوان وطنجة تحكمت المقاربة نفسها في محاولات تمدد الحراك شرق الحسيمة، خصوصاً تجاه مدينة الناظور. أما في ما يخص مدينة مكناس فالهاجس هو فك ارتباط حراك الريف مع فضاء أمازيغي آخر يمتد وسطاً وجنوباً من جهة، ومن جهة أخرى علينا استحضار مكناس كمدينة عاشت تهميشاً وحصاراً لعقود ودور أبنائها من مختلف التيارات السياسية الذي كان دائماً مميزاً على الصعيد الطلابي والنقابي والسياسي. ولا ننسى قرب فاس من مكناس.

 خامساً، لم يتم تفريق العديد من الوقفات التضامنية مع حراك الريف، لسبب بسيط هو كون المقاربة الأمنية الحالية هي «وقائية» وليست «استئصالية»، بمعنى أنها تحاول نسف الحراك بأقل الأضرار، إن كان داخلياً أم خارجياً، وهذا نفهمه في سياق توفير تغطية سياسية للمقاربة الأمنية، من خلال تصريحات أحزاب الغالبية الحكومية ونشر مقالات في بعض الصحف الوطنية والدولية حول ما يسمى «انفصال» حراك الريف وما يسمى بـ «التمويل الأجنبي»، وكذا تعبئة الإعلام الرسمي وبعض «المحللين» في الإطار نفسه.

وفي الخلاصة إن المقاربة في الحسيمة والريف تسعى لإخماد الحراك من خلال «قطع» الرؤوس واعتقال قادة الحراك ومن ثم جعل شباب وشابات الحراك من دون بوصلة، فيبدأ اليأس وتضعف الوقفات مع الوقت. هذا الاستنتاج نظري بالنسبة إلى الجميع لأنه يصعب التكهن بالمستقبل، خصوصاً أن الحراك ما زال مستمراً وقيادات جديدة بدأت تتشكل.

يبقى السؤال المحيّر ويتعلق بالمقاربة الأمنية المقبلة، في حال استمرار الحراك إلى نهاية رمضان وحلول فصل الصيف الذي يتوافد فيه أبناء المنطقة القاطنين في البلدان الأوروبية. المقاربة بالنسبة لبقية مدن المغرب ستستمر في الاعتماد على الانفتاح والتشدد، مع وضع خط أحمر يتمثل في تفادي كل رجوع ولو جزئي إلى حركة 20 (شباط) فبراير نفسها.

إن المقاربات الأمنية لن تحل مشاكل الناس بل ستعقّدها أكثر، والتاريخ شاهد على ذلك. السياسة هي الحل الأنجح من خلال تمثيلية حقيقية للمواطنين واحترام اختياراتهم وحقهم في التعبير والاحتجاج وتغليب الحوار كآلية لفض كل النزاعات الفردية والجماعية، وكذلك الاحتكام لقضاء نزيه.

الوطن في حاجة لأحزاب ونقابات فاعلة وفعالة وذات صدقية ولها صفة تمثيلية.

الوطن في حاجة إلى حكومة وبرلمان منبثقين من انتخابات حرة ونزيهة. الوطن في حاجة لكل أبنائه. المغرب والريف والحسيمة في حاجة لحوار مع شبابه وشاباته حول مطالبهم المشروعة، والبدء بتصفية الأجواء وإطلاق سراح جميع الشباب المعتقلين ووقف كل أشكال التضييق والمتابعات.


 
عبد الحق الريكي

 




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://tetouanplus.com/news13517.html
نشر الخبر : الإدارة
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار